نورهان العشري 5

مصطفى لما لقاني مقولتش سيرة الجوازة التانية، أخد نفس طويل أوي كأن الروح ردت فيه.. حس براحة مؤقتة إن السر لسه في أمان، بس في نفس الوقت، كلماتي كوت قلبه.. “الهبلة العبيطة” اللي سمعها امبارح، رجعت قعدت قدامه زي الملكة، جميلة، شيك، ريحتها تجنن، وبتقوله ببرود “حل مشاكلك بمعرفتك”.
نزل راسه للأرض وقال بصوت مخنوق ومليان ندم ولهفة:
ـ أنا أسف يا إيمان.. أسف على كل كلمة اتقالت في حقك امبارح.. أنا صحيح قولت لأمي كدا بس عشان مظهرش صغير قدامها.. لكن وحياتك عندي أنتِ غالية عليا أوي، والبرود اللي أنتِ فيه دا بيموتني كل يوم.. ارجعي إيمان بتاعت زمان وبلاش القسوة دي..
بصيت له وقولت بابتسامة خفيفة تقهر كبريائه:
ـ زمان عدا وفات يا أبو العيال.. وإيمان الجديدة أهو أنت شايفها، مهتمية بنفسها وبيتها وولادها.. مش دا اللي كنت دايماً بتتمناه؟ يلا بقا عن إذنك عشان حاسة إني عايزة أنام وورايا بكرا مشاوير كتير مع هنا أختي.
اتعدلت في السرير وديرت وشي الناحية التانية وغمضت عيني ببرود تام. مصطفى فضل قاعد مكانه على طرف السرير كأنه صنم، يتنفس بصوت عالي وعينيه عليا بلهفة وعجز وحيرة هتاكل دماغه طول الليل.. مش عارف هل أنا فعلاً معرفتش موضوع جوازه، ولا أنا بمثل البرود دا وبطبخ له طبخة على نار هادية؟
قعد شوية ولما لقى مفيش فايدة، قام طفى النور وخرج وسمعت صوت تنهيدته اللي طالعة من قاع قلبه وهو بيرزع باب الصالة وراه.. قعدت في الضلمة وأنا ببتسم وبقول لنفسي: “عشت في رعبك يا مصطفى.. الخوف هياكل قلبك من هنا للأسبوع الجاي.. لحد ما المحامي يجيبلي الورق رسمي، وساعتها هقلب الطاولة عليك وعلى أمك”.
****
مر أسبوع كامل ومصطفى عايش في نار حاميّة، الخوف من جهة والندم والغيرة اللي بتاكل في قلبه من جهة تانية. وفجر اليوم، هنا أختي جابتلي كل التفاصيل قسيمة الجواز، وعقد الشقة المفروشة باسم الهانم الجديدة، وكل حاجة متستفة بالورقة والقلم.
أول ما مصطفى دخل البيت بالليل، كنت مستنياه في الصالة. المرة دي مكنتش حاطة روج أحمر ولا لافحة وشي بالبرود، كنت لامة شعري الأسود الطويل في رفعة شيك أوي منزلة خصلات على وشي، ولابسة فستان أسود مجسم وبسيط جداً برز جمالي ونحافتي، وحاطة كحل عربي تقيل مخلي نظرة عيني حادة وقوية كأنها سيف. كنت واقفة وزي القمر، بس جمالي المرة دي كان فيه هيبة تخوف.




