بنت جوزي
أماني سيد
والدنيا ما وقفتش هنا، الساقية دارت وكل واحد أخد نصيبه من العمل اللي زرعه…
“وداد” ربنا فتحها عليها من وسع، ومش بس في الشغل والنجاح؛ جه الوقت اللي تفرح فيه بجد. دخل حياتها زميل ليها في الشركة، مهندس شاطر ومحترم، شاف فيها البنت المكافحة العاقلة اللي بـ مية راجل. أتقدم لها رسمي، ولما لقيناه شاريها وبيتقي الله فيها، تمت الخطوبة على خير. ودلوقتي البت قايدة صوابعها العشرة شمع، ونازلة بتلف وتجهز لنفسها أحلى جهاز لجوازها، الفرحة مش سايعاها وأنا شايفة بنتي بتكبر وبتتستت في بيتها وهي معززة مكرمة ومفيش حد كاسر نفسها.
على الناحية التانية بقى، في البيت المهجور من الفرحة، “لمار” كانت قاعدة بتاكل في نفسها. البنت من كتر ما أسلوبها بقى وحش، وعصبيتها وطريقتها الأنانية بانت لكل الناس، مابقاش حد يعبرها ولا يطق لها كلمة. القرايب والمعارف بقوا يهربوا من التعامل معاها، وكل ما عريس يلمحها أو يسمع عن طباعها يلف ويرجع في كلامه من غير ما يفكر.
بقت قاعدة في أوضتها، سامعة طشاش أخبار عن خطوبة وداد وجهازها اللي بيتجاب، والغل بياكل في قلبها، وتطلع غلها كله خناق وزعيق في أبوها اللي قاعد حاطط إيده على خده، يتفرج على بنته المدللة وهي بتعنس قدام عينيه بسبب الطبع اللي هو رباه فيها، ويفتكر وداد اللي رماها ويقول في نفسه: “سبحان من قسّم الحظوظ وعدل”.
في يوم، الباب خبط، وفتحت وداد.. لتلاقي قدامها راجل عجوز، كاسره الهم، ملامحه ذبلانة والندم واكل من وشه شقّة. ما بقاش فيه جبروت الأب اللي كان بيتحكم ويزعق ويزقها بإيده عشان خاطر لمار. وقف على الباب، عينيه مكسورة، وبص لوداد بدموع حقيقية لأول مرة وقالها بصوت مرتعش: “سامحيني يا بنتي.. أنا ظلمتك وجيت عليكي، والدنيا دارت عليا وربنا جزاني على كل اللي عملته فيكي وفي مامتك.. أنا طمعان في رضاكي وسماحك”.
وداد وقفت مكانها، ملامحها كانت هادية جداً، مفيش في عينيها غل ولا شماتة، بس كان فيه حاجة أصعب بكتير.. كان فيه برود تام وجود صامت.
بصتله ونزلت دمعة واحدة هربت من عينيها، وقالتله بنبرة واجعة بس حاسمة: “أنا مش زعلانة منك يا بابا، ومفتكرالكش وحش.. بس السامح ده مش بإيدي.. الشروخ اللي جوه قلبي من وأنا عيلة صغيرة، واللبس اللي كنت بستخسره فيا، واللعب اللي اتحرمت منها، والضرب والإهانة، ويوم ما وقفت تدبح حلمي وعمري عشان لمار ما تتجرحش.. كل ده ساب علامات جوة مش قادرة أتمسح”.
أخدت نفس طويل وكملت: “أنا مش قادرة أكرهك، بس كمان مش قادرة أسامحك.. اللي انكسر جوايا ملوش دواء، وللأسف.. مش بإيدي”.
قفلت الباب براحة، وفي ظهرها حياتها الجديدة، وجهاز جوازها، ومستقبلها اللي بنته بعرقها.. وسابته واقف ورا الباب، يبكي على عمر ضيعه بإيده، وبنت صلبة رمى طوبتها، ف رمت الدنيا طوبته.


