انجي الخطيب 2

## الفصل الثالث: المفرمة تدور.. والحساب يجمع
بعد تلات أسابيع من قعدة النيابة، كانت الحارة مفيهاش سيرة غير سيرة “ولاد عبد العزيز”. المحاكم مابتنامش لما القضايا بتبقى سخنة، والأستاذ مدحت مكنش بيريّح؛ كان شغال زي اللودر بيجيب القديم والجديد.
أنا نقلت في شقة تانية خالص، بعيد عن منطقة بين السرايات.. روحت قعدت في مكان هادي في الدقي، أجرّت أوضة وصالة وبدأت أشتغل مع واحد صاحبي قديم في شركة شحن وتخليص جمركي. كنت بنزل من النجمة، أرجع بالليل هلكان، بس كنت بنام مرتاح. السرير مش مريح أوي، بس مفيش فيه ريحة غدر.
وفي يوم، كلمني مدحت وقال لي بنبرة فيها ضحكة مكتومة: “عصام.. البس بدلة نضيفة وتعالي بكره محكمة جنح الجيزة. الجلسة الأولى لطارق وشيرين، والمفاجأة إن أبوك وأمك مطلوبين للشهادة، والنيابة وجهت لهم رسمياً تهمة ‘إخفاء أدلة وتضليل جهات التحقيق’.”
### في ساحة المحكمة: لمت الشمل المزيفة
يوم الجلسة، المحكمة كانت زحمة، ناس داخلة وقضايا خارجة، وصوت حاجب المحكمة بيهز الحيطان: “محكمة!”.
قعدت في آخر صف، حاطط رجل على رجل، ولابس نضارة سودا مش عشان الشمس، عشان ملمحش نظرات الاستعطاف في عيونهم.
شوية ولقيت أمي داخلة، ساندة على أختي الكبيرة “هدى” اللي كانت مسافرة مع جوزها في الخليج ونزلت مخصوص لما عرفت المصيبة. أمي كانت خاسة النص، وشها دبلان، ولابسة عباية سودا وطرحة مقلوبة. وراها كان أبويا، ماشي بيجر رجليه بالبوليص، باين عليه الهِدّان بعد جلطة خفيفة جاتله في المستشفى.
أول ما أمي شافتني، سابت إيد هدى وجريت عليا، وعينها غرقانة دموع: “عصام! يا بني يا حبيبي.. ارحم شيبتنا، ارحم أخوك هيموت جوه! طارق مش حمل الحجز يا عصام، ده وشه بقا زي الليمونة، وبقاله أسبوع مابيدوقش اللقمة!”
وقفت مكاني، وبصيت لها من فوق النضارة ببرود مرعب: “طارق مش حمل الحجز؟ وأنا كنت حمل السجن يا أمي؟ كنتوا بتجيبوا لي إيه وأنتوا جايين تزوروني؟ عيش وحلاوة؟ لا ده أنتوا مكنتوش بتيجوا أصلاً عشان ‘شكلكم قدام الناس’!”
أبويا قرب وهو بيلهث، صوته كان هربان: “يا عصام.. العفو عند المقدرة يا بني، إحنا غلطنا، وشيرين لسانها فلت وقليلة الأدب وإحنا أدبناها وطردناها عند أهلها.. بس متخربش البيت، الفضيحة لفت البلد كلها، وأنا مبقتش قادر أمشي في الشارع وطأطأت راسي وسط الناس.”
> “أنت اللي طأطأت راسك بنفسك يا حاج لما رضيت تبيع ابنك البكري بالرخيص.. المتين جنيه بتوعك لسه فاكرهم، هما دول تمن راسي اللي ارفعت في السجن عشان أحميك. دلوقتي.. القانون هو اللي بيتكلم، مش أنا.”
>
هدى أختي دخلت في النص، وكانت بتبص لي بلوم: “جرى إيه يا عصام؟ قسيت كده ليه؟ السجن غيرك ونشف قلبك!”
ضحكت بصوت عالي سمعه نص اللي في الممر: “السجن منشفش قلبي يا هدى.. السجن عرفني مين اللي لحمي ودمي ومين اللي كان مستني يخلص مني. قفلوا على السيرة دي عشان القاضي هيبدأ.”
### خلف القضبان: الندل بيموت مئة مرة
حاجب المحكمة نده على الق*ضية: “رقم 1142 جنح تزوير وق*تل خطأ.. طارق عبد العزيز وشيرين محمود!”
العساكر طلعوا طارق من قفص الاتهام الصغير لساحة المداولة. المنظر كان صدمة لأمي اللي صرخت وكتمت بقها بإيدها. طارق كان لابس جلابية بيضاء بتاعة الحبس، شعره منقوش، ودقنه طويلة وسودة، وعينه بتبص في الأرض وخايف يرفعها. وراه دخلت شيرين، كانت جاية من بيتها عشان كفالة، بس كانت لامة نفسها في عباية واسعة ووشها شاحب، ومفيش في إيدها لا بخاخ كحول ولا ذهب.
المستشار رئيس الجلسة بدأ يقرا تهم التزوير وتضليل العدالة بناءً على تقرير النيابة الجديد.
المحامي بتاع طارق (واحد من المحامين الكبار اللي أبويا دفع له الشيء الفلاني عشان يطلعه) وقف وقال: “يا سيادة القاضي، المتهم الأول (طارق) كان تحت تأثير الصدمة ليلتها، ومن بواعث الرحمة إن المتهم الثاني (عصام) هو من تقدم من تلقاء نفسه للاعتراف، مما ينفي ركن الإكراه.”
هنا الأستاذ مدحت المحامي بتاعي وقف بكل ثقة، وطلع حافظة مستندات جديدة: “يا سيادة القاضي.. إحنا بنقدم للمحكمة تقرير الفحص الفني للتسجيلات الصوتية، وبنقدم كمان شهادة مكتوبة وموثقة من المجني عليه (أهل الراجل الغلبان اللي مات في الحادثة).. هما كمان عرفوا الحقيقة، ومقدمين إقرار إنهم بيتنازلوا عن الحق المدني ضد عصام، وبيطالبوا بالقصاص من طارق اللي كان سايق فعلياً والدموع لسه في عينيهم.”
القاضي بص لطارق: “أنت سايق العربية ليلتها يا طارق؟”
طارق بدأ يتهته: “أنا.. أنا.. يا فندم كنت سايق بس عصام قال لي..”
في اللحظة دي، شيرين مراته اتقلبت عليه زي الحية! خافت على نفسها وعلى الجنين اللي في بطنها، وصرخت في وسط القاعة: “لا يا سيادة القاضي! هو اللي كان سايق وهو اللي داس الراجل وهو اللي قعد يبكي ويقول لأبوه خلو عصام يشيلها عشان أنا لسه متجوز جديد! أنا ماليش ذنب.. أنا كنت راكبة جنبه وبموت من الرعب!”
طارق بص لمراته بصدمة، كأنه مكنش متوقع إنها تبيعه بالسرعة دي: “أنتي بتقولي إيه يا شيرين؟ ده أنتي اللي قلتي لي لو دخلت السجن هطلق منك وأنزّل الواد! أنتي اللي خلتي أبويا يبوس إيد عصام!”
القاعة اتقلبت لسرادق عياط وفضايح. الإثنين اللي ائتمروا عليا وطردوني من بيتي، بقوا بياكلوا في لحم بعض قدام القاضي والجمهور عشان كل واحد ينجد برقبته.
### حكم العدالة: الأرض لا تظلم أحدًا
القاضي ضرب بالشاكوش على الترابيزة: “بس! سكوت في القاعة!”
ساد الصمت، وبدأت المداولة اللي قعدت حوالي ساعتين. ساعتين وأنا قاعد بره المحكمة، بشرب سيجارة ورا سيجارة، وأمي قاعدة على الأرض بتدعي على شيرين مرة، وبتدعي عليا مرة، وتستعطفني مرة. وأنا زي الصنم.
ساعة الاستراحة خلصت، ودخلنا عشان النطق بالحكم.
القاضي فتح الدفتر، وبص للحاضرين وقال بصوت حاسم:
> “حكمت المحكمة حضورياً: أولاً: ببراءة المدعو عصام عبد العزيز من التهمة المنسوبة إليه سابقاً وإلغاء الحكم الصادر ضده.
> ثانياً: بمعاقبة المدعو طارق عبد العزيز بالسجن المشدد لمدة ثلاث سنوات بتهمة القت*ل الخطأ المقترن بالهروب، وسنتين إضافيتين بتهمة التزوير في محضر رسمي وتضليل العدالة.
> ثالثاً: بمعاقبة المدعوة شيرين محمود بالسجن لمدة سنة مع إيقاف التنفيذ لحين الوضع، بتهمة الاشتراك في التزوير وشهادة الزور.
> رابعاً: تحويل المدعو عبد العزيز (الأب) والمدعوة فاطمة (الأم) للنيابة العامة للتحقيق في تهمة التستر والتزوير.”
>
خمس سنين سجن لطارق!
سنة مع إيقاف التنفيذ لشيرين!
وتحقيق مع الأب والأم!
المحكمة اتقلبت صريخ وعويل. أمي وقعت من طولها وأغمى عليها، وهدى أختي قعدت تصوت، وطارق انهار جوه القفص وقعد يضرب راسه في الحديد وهو بيصرخ: “ضيعتني يا عصام! ضيعت أخوك!”
بصيت له وقلت في سري: “أنت اللي ضيعت نفسك يوم ما نسيت إن ليك أخ صان عرضك ومستقبلك، ويوم ما رضيت إن مرأتك ترشني بالكحول وتسميني عار.”
## تصفية الحسابات المالية: “الحق مابيموتش”
الحكاية مخلصتش عند حكم السجن. مدحت المحامي كان مجهز المفاجأة الكبرى اللي هتكسر ضهرهم مالياً زي ما اتكسروا معنوياً.
بعد أسبوع من الحكم، مدحت رفع “دعوى تعويض مدني” بطلب تعويض مالي قدره 2 مليون جنيه عن الأضرار المادية والأدبية وسنوات السجن التي قضاها عصام تظلمًا. وعشان يضمن الفلوس، عمل “حجز تحفظي” على حتة الأرض اللي حيلت أبويا في قريتنا بالمنوفية، وعلى الشقة اللي هما قاعدين فيها (اللي كانت مكتوبة باسم طارق).
في ليلة، لقيت أبويا بيكلمني من تليفون هدى أختي، صوته كان مكسور لدرجة تصعب على الحجر: “عصام.. يا بني.. أنت أخدت حقك وأخوك لبس الأزرق وخلاص مستقبله ضاع. جاي تاخد الأرض والشقة؟ عايز ترمينا في الشارع وإحنا في أواخر أيامنا؟”
رديت عليه بقلب جامد: “يا حاج عبد العزيز.. الأرض والشقة دول هما تمن السنتين بتوعي. أنا مش هرميكم في الشارع.. أنا هاخد الشقة عشان أقعد فيها، مش دي الشقة اللي مرات ابنك الغالية قالت لي ‘خريج سجون ميعيشش فيها’؟ أنا بقا هعيش فيها وأنا رافع راسي.. وأنتوا شوفوا لكم أي أوضة يقعدكم فيها باكو المتين جنيه اللي اديتوهوني.”
أبويا سكت، ومقدرش ينطق بكلمة.. قفل السكة وهو بيعيط.
### الزيارة الأخيرة: طاقة السجن الحقيقية
قبل ما أستلم الشقة وأبدأ حياتي الجديدة، قررت أعمل حاجة واحدة أخيرة عشان أقفل الصفحة دي للأبد. طلبت من مدحت يعملي “تصريح زيارة” لطارق في سجن الفيوم العمومي، مكان ما اتنقل يقضي عقوبته.
روحت في يوم زيارة.. نفس الأجواء اللي أنا عشتها سنتين. الطابور، التفتيش، ريحة العرق والهم، وصوت البيبان الحديد وهي بتقفل.
قعدت في صالة الزيارة ورا السلك الفاصل. شوية وجابوا طارق.
لما شافني، عينيه لمعت بدموع ورجاء، قعد على الكرسي وبص لي من ورا السلك: “عصام.. أنت جيت؟ جيت عشان تطلعني؟ عشان تتنازل عن التعويض؟”
بصيت له بتأمل.. طارق بقا نسخة مصغرة من العذاب اللي أنا عشته. قلت له بصوت هادي: “لأ يا طارق.. أنا مش جاي أتنازل، ولا جاي أطلعك. أنا جاي بس أرد على الكلمة اللي مرأتك قالتها لي يوم ما خرجت.”
طارق بص لي بحيرة: “كلمة إيه؟”
> “مرأتك قالت لي: ‘زمان كنت نافعنا ودلوقتي بقيت عار’. أنا جاي أقولك يا أخويا.. السجن مش عار لما تكون داخله جدع وصاين لحمك. العار الحقيقي هو الجلابية الزرقا اللي أنت لابسها دلوقتي.. لأنك لابسها بتمن ندالتك، وبتمن بيعك لأخوك، وبتمن سكوتك على الظلم. ريحة السجن اللي في هدومك دلوقتي يا طارق.. مفيش كحول في الدنيا هيطهرها.”
>
طارق نزلت دموعه وبدأ يصرخ: “سامحني يا عصام! أنا كنت مغمى على عيني.. شيرين هي اللي وزتني!”
وقفت، وعدلت جاكيت بدلتي النضيفة: “شيرين دلوقتي بتدور على ق*ضية خلع عشان تسيبك وتشوف حياتها بعد ما اتفضحتي.. أصل الندل مابيعيشش مع ندل زيّه يا أخويا. سيبك أنا بقا.. عشان ورايا شركة شحن لازم أديرها، وشقتي الجديدة لازم أفرشها.”
لفيت ضهري ومشيت.. وصوت صريخه وهو بينادي عليا ورا السلك كان بيتلاشى مع كل خطوة بخطيها لبره بوابة السجن.
## سطر النهاية
النهاردة.. أنا قاعد في بلكونة الشقة القديمة، الشقة اللي طردوني منها. الشقة بقت ملكي بالقانون، وأبويا وأمي نقلوا قعدوا في بيت أختي هدى في المحافظة. شيرين رجعت لبيت أهلها مطلقة ومكسورة وسمعتها في الأرض. وتمن تضحيتي رجع لي أضعاف.. مش بالفلوس، بس بالكرامة اللي مفيش فلوس في الدنيا تشتريها.
الحكاية خلصت.. والعدل مبيجيش بالسكوت، بيجي لما تقرر إنك تبطل تكون “مغفل” وتبدأ تكون صاحب حق. والفرجة خلصت في المحكمة.. والدنيا دارت، واللي رشنا بالمية.. غرقناه في بحر نية الغدر بتاعته!

