الفلوس فين ي مريم

— الفلوس فين يا مريم؟ أنا بقالي تلات سنين ببعت لك أكتر من خمسين ألف جنيه كل شهر!

أحمد رمى شنطتين السفر جنب الترابيزة ووقف يبص على المطبخ بذهول وكأنه دخل بيت غير بيته.

كان راجع طنطا فجأة من غير ما يبلغ حد. بقاله تلات سنين شغال لحام حديد في موقع بترول، ورديات تهد الحيل وأكتر من اتناشر ساعة شغل في اليوم. كان بيوفر كل قرش يقدر عليه، بس في الآخر يرجع يكتشف نفس الكارثة:

— بابا.. هو احنا ينفع ناكل جبنة رومي وبسطرمة بكرة؟

أحمد حس بنغزة قوية في قلبه:

— أومال أنتم بتاكلوا إيه في العادي يا مالك؟

مريم ما ردتش، وسكتت وهي باصة في الأرض.

في نفس اللحظة، الحاجة صفية — أم أحمد — اتنهدت وقالت ببرود:

— يا ابني أنت لسه واصل حالا من السفر، اقعد ارتاح والأولاد يستهدوا بالله ونبقى نتكلم بعدين.

— مش عايز زفت شاي! أنا عايز أعرف الفلوس دي راحت فين؟

— راحت في مصاريف البيت والأدوية والعيال! أنت مش شايف الغلا اللي احنا فيه؟ كل حاجة بقت بالنار!

أحمد بص لمريم وقال لها:

— الكلام ده صح؟

رفعت رأسها وبصت له بثبات، عينها ما كانش فيها دموع:

— اسأل أمك.. هي أدرى واحدة كل جنيه كان بيروح فين.

من سنين طويلة، والحاجة صفية هي اللي ماسكة الفيزا ومسؤولة عن الفلوس بحجة إنها “بتساعدهم”. لما مريم ولدت بنتها الصغيرة جنى وكانت تعبانة ومغيبة من التعب، الحاجة صفية طلبت منها الفيزا والرقم السري:

“هاتيهم يا بنتي وأنا هشيّل عنك المصاريف والبيت.. ركزي أنتِ بس مع العيال.”

ومن يومها، وكل شهر تطلع جنازة أو حجة جديدة: حيطة عايزة تترمك، علاج لفلان، تصليح سباكة، ولا دين قديم على العيلة.

مريم حاولت تحذر أحمد كذا مرة:

— ابعت لي جزء من الفلوس على حساب تاني باسمي، الله يخليك.

بس هو كان بيتعصب ويقفل الموضوع:

— أنتِ عايزة تعملي مشاكل وخلاص؟ أُمي عمرها ما تسرقنا ولا تطمع في حقنا!

وفي مرة، وهو بيكلمهم فيديو من الموقع، سمع أمه بتزعق لمريم بصوت عالٍ:

— الفلوس دي فلوس ابني وأنا اللي أقرر تروح فين وتيجي منين!

الخط قطع ساعتها، وأحمد فضل يقنع نفسه إنه فهم غلط وإن أمه أحرص الناس عليه.

دلوقتي، وهو واقف قدام المطبخ الفاضي، كل ذكرياته القديمة رجعت له على هيئة كابوس وخجل من نفسه.

مريم دخلت الأوضة ورجعت كشكول صغير رسم عليه ديناصور بتاع مالك.

— اتفضل.. إجابة أسئلتك كلها هنا.

أحمد فتح الكشكول. في أول صفحة، مالك كان راسم أبوه بلبس الشغل وخوذة، وتحت الرسمة مريم كانت كاتبة بخط إيدها:

“15 مارس: نزل في الحساب 52 ألف. الحاجة صفية سحبت 46 ألف عشان تصليح سقف شقتها. سابت لي 6 تلاف جنيه للبيت واللبن والحفاضات والغاز والمواصلات.”

صفحة تانية:

“8 إبريل: نزل 54 ألف. الحاجة صفية أخدت 40 ألف عشان تسدد دين عن مصطفى. مالك محتاج كوتشي للمدرسة، أمه قالت له يلبس كوتشي ابن عمته القديم.”

أحمد حواجبة اتعقدت وبص لأمه بغضب:

— دين إيه ده اللي على مصطفى؟

في نفس اللحظة، باب الشقة اتفتح.

دخل أخوه الصغير مصطفى، لابس كوتشي ماركة غالي، وساعة بتلمع في إيده، وتيشيرت ماركة شهيرة.

1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *