صمت الصعيد بقلم مايا خالد

صمت الصعيد مايا خالد
كانت “فاطمة” تقف على حافة الهاوية؛ فديون والدها المتراكمة كادت تعصف بما تبقى من عائلتها، ولم يظهر طوق نسيان وسط هذا الظلام سوى “حازم العزايزي”، كبير الصعيد وقاسيه، الذي عرض تسوية كاملة لجميع الديون مقابل شيء واحد فقط: أن تتزوجه وتنتقل معه لتعيش في قصره الكبير المعزول.
وافقت فاطمة مجبرة، مضحية بحريتها وسعادتها حقاً لإنقاذ أباها، لكن “حازم” وضع شرطاً أغرب من الزواج نفسه قبل أن تطأ قدمها عتبة القصر:

قبر أبي الراقد في قلب الحديقة الخلفية.. خط أحمر. لا يُفتح، ولا يُقترب منه، ولا يحق لكِ حتى مجرد السؤال عما يدخل إليه أو يخرج منه. من يخالف هذا العهد، عاقبته الموت المحقق.

في ليلتها الأولى بالقصر، بدت الأجواء غامضة ومهيبة. الجدران الحجرية العتيقة كانت تعكس صرامة صاحبها، وحازم لم يكن زوجاً بالمعنى المعهود؛ كان حاداً، قليل الكلام، يحاصرها بنظرات ثاقبة كأنه يراقب التزامها بالشرط قبل أي شيء آخر.
ومع حلول منتصف الليل، وتحديداً حين غط الجميع في سبات عميق، هبَّت ريح باردة محملة بأصوات غريبة..
لم تكن مجرد هواء عابر، بل كانت خفقات مكتومة، وأحياناً أشبه بأنفاس بشرية ثقيلة، تخرج بوضوح من جوف القبر الكائن في منتصف الحديقة الخلفية المظلمة. بقلم #ماياخالد حصري فقط صفحة روايات مايا خالد.
تسمّرت فاطمة في مكانها، وقد جمد الرعب دمها في عروقها. فتحت نافذة غرفتها المطلة على الحديقة، فتنفس الهواء المحيط برائحة تراب رطب وعطر قديم غريب. الأصوات تكررت: طرقطة خفيفة، ثم صوت يطالب بشيء ما بلغة غير مفهومة، أشبه بالاستغاثة المكتومة تحت أطنان من الحجر والتراب.
مرت الأيام، وفاطمة تعيش دوامة من الفضول والخوف القاتل؛ فالليل يحول القبر إلى مصدر إزعاج مرعب يمنعها من النوم متساءلة بلا انقطاع عمن دفن حياً هناك، والنهار يراقبها حازم بعينين لا تكفان عن الشك، وكلما رأت في عينيه قسوة، تذكرت أن وراء هذا السور الغامض سراً قد يقلب حياتهما رأساً على عقب.
هل تجرؤ فاطمة يوماً وتزيل الغطاء عن الحقيقة المظفورة بالتراب، أم أن الثمن سيكون روحها التي باعتها أصلاً لحازم منذ اللحظة الأولى؟
أخذت الأيام تسير ببطء ثقيل كأنها تجر أطنانًا من الرمل، وفاطمة تذوب يومًا بعد يوم تحت وطأة الفضول والخوف. كل ليلة كانت تزيدها يقينًا بأن ما تحمله تلك الحديقة المظلمة ليس مجرد ذكرى ميت، بل سر حي ينبض بالرعب. وفي إحدى الليالي، حين بلغ التوتر من نفسها كل مخرج، ولم تعد تحتمل طنين الأصوات المكتومة وهي تتسرب من تحت شقوق التراب، قررت أن تفعل ما حذرها منه حازم مرارًا.
انتظرت حتى هجع القصر تمامًا، وانطفأت أنوار غرفة حازم في الطابق العلوي، لتتسلل حافية القدمين على البلاط البارد، متخذة من ظلال الأعمدة سترًا لها. فتحت باب الحديقة الخلفية بحذر شديد لئلا يصدر عنه أي صرير يكشف أمرها.
كانت الريح تعصف ببرودة تقشعر لها الأبدان، ورائحة التراب الرطب تملأ المكان وكأن مطرًا هبط توًا على بقعة واحدة فقط. اقتربت فاطمة بخطى مرتعشة، وقلبها يكاد يخترق ضلوعها من شدة الخفقان، حتى وجست نفسها تقف أخيرًا وجهًا لوجه أمام ذلك القبر الحجري الصامت.
وعلى حين غرة، وقبل أن تمتد يدها للمس بقلم #ماياخالد حصري فقط صفحة روايات مايا خالد.
الحجارة، انبعث من جوف القبر صوت خشن ومباشر، صوت شخص كامل العقل والوعي ينادي باسمها:
* “فاطمة… هربتي منه؟ أم أرسلكِ لتكملي العتمة؟”
تجمدت عروقها، وذهل لسانها عن النطق، ولم تجد فرصة لتتراجع؛ إذ انفتح باب القبر الحجري من داخله ببطء رهيب، واندفع منه رجل طاعن في السن، أشعث الشعر، بثياب بالية، لكن ملامحه كانت تشبه ملامح حازم تمامًا كأنها نسخة عجوز منه، لترتطم عيناها في تلك اللحظة بصوت خطوات ثقيلة تقترب من الخلف.
استدارت مرعوبة لتجد حازم يقف في منتصف الحديقة، يمسك بيده مصباحًا قديمًا، ووجهه يخلو من أي مفاجأة، بل يرتسم عليه ابتسامة باردة ومظلمة وهو يهمس:
* “حذرتكِ يا فاطمة… والآن، عليكِ أن تعرفي من هو الميت حقًا في هذا القصر.”
اتسعت عينا فاطمة من شدة الذعر، وانسحب الدم من وجهها وهي تنظر تارة إلى العجوز الواقف أمام القبر، وتارة إلى حازم الذي يتقدم نحوها بخطوات بطيئة ومنتظمة، كأنه يخطو على إيقاع دقات قلبها المرتعبة.
تقدّم حازم بخطوات ثابتة حتى وقف بينهما، والتفت بنظرة حادة نحو العجوز الذي كان يتنفس بصعوبة بالغة وقال بصوت غليظ يحمل نبرة مزيج من الاحترام والتحذير:
* “ألم أطلب منك مرارًا أن تبقى هادئًا يا أبـي؟ إنها زوجتي، وليست عدوة.”
سرت صاعقة في أبدان فاطمة؛ والد حازم؟ الرجل الذي يفترض أنه متطمر وميت منذ سنوات طويلة بحسب ما يعلمه أهل البلدة أجمعين، حي يرزق ومحبوس هنا؟
تحدث العجوز بصوت أجش متهدج، وهو يشير بيده المرتعشة نحو حازم:
* “زوجتك؟ ألم تكتفِ بما فعلته بي يا حازم؟ ألم يروِ قسوتك حبسِي في هذا الحجر المظلم سنين طوالاً حتى جئتَ بهذه المسكينة لتشاركنا العذاب؟”
التفت حازم نحو فاطمة التي كانت تترنح مكانها من صدمة الحقيقة، وبدت ملامحه القاسية لأول مرة محملة بثقل سنين من الألم والسر المدفون. تنفس بعمق ثم قال بصوت خفيض:
* “أهل البلدة يعتقدون أن أبي مات مقتولاً بس\لاح غادر في ثأر قديم، والحقيقة المرة التي أخفيتها عن الجميع.. أن أبي هو من ارتكب الجري\مة الكبرى وقت\ل أخي الأكبر دفاعًا عن باطل، وحين عجزت عن تسليمه لعشيرتي ليُقتل ويفضح شرف العائلة، اخترت أن أدفنه حيًا هنا. يختار العزلة والموت البطيء، على أن يُقتل بسيف العار.”
نظرت فاطمة إلى حازم، فانتشرت الغشاوة عن عينيها؛ أدركت حينها أن قسوته وجموده لم يكونا سوى درع يرتديه ليحمل وزر هذا السر الفظيع وحده، وأن القبر لم يكن مكاناً لموت جسد، بل لدفن خطيئة عائلية أبدية.
مدّ حازم يده نحوها ببطء، وقال وعيناه تترقبان قرارها:
* “الآن عرفتِ السر كله يا فاطمة.. والشرط انتهى. هل ما زلتِ ترغبين في الهرب مني، أم تبقين لتحملي معي ثقل هذا القبر؟”
ساد الصمت الحديقة الخلفية، ولم يقطع سكونه سوى هفيف الرياح الباردة وأنفاس العجوز المتهدجة. نظرت فاطمة إلى يد حازم الممدودة إليها، ثم إلى وجهه الذي تبدت عليه للمرة الأولى شروخ الضعف البشري والخوف الخفي من أن ترفضه.
أدركت حينها أن القصر بأكمله، بجدرانه الحجرية العتيقة وصمته المرعب، لم يكن سجنًا لها وحدها، بل كان سجناً كبيراً لصاحبه الذي اختار أن يحرس سجنه بنفسه.
رفعت فاطمة عينيها لتلتقي بنظرات حازم الثابتة، وببطء شديد، مدت يدها ووضعتها في كفه الخشنة. شعرت بمدى برودة أصابعه، وكأنها تلمس جزءاً من جليد سنين العزلة التي عاشها.
ابتسم حازم ابتسامة خفيفة، امتزجت فيها راحة عميقة بحزن ثقيل، ثم التفت نحو أبيه وقال بصوت فيه الكثير من الاحترام المكسور:
* “سأجهز لك مكانًا أفضل داخل القصر يا أبـي.. آن أوان انتهاء هذا العذاب.”
لكن العجوز هز رأسه ببطء شديد، وابتسم بمرارة وهو يتراجع خطوة نحو جوف القبر الحجري:
* “لا يا بني.. مثلي لا يعود إلى النور. لقد اخترت طريقي، وظل خطيئتي يتبعني.. اتركاني وحدي، وتكفيكم عتمة ما مضى.”
وقبل أن يستطيع حازم منعه، تراجع الأب إلى الداخل، وأغلق الباب الحجري خلفه بهدوء محكم، ليعود الصمت المهيب ليخيم على الحديقة من جديد.
سحب حازم فاطمة برفق نحو الداخل، وأغلقا باب الحديقة الخلفية خلفهما للأبد. في تلك الليلة، لم تعد فاطمة تشعر بالخوف من أصوات القبر، بل شعرت وكأن شيئاً ما انكسر بداخلهما معاً، ليولدا من جديد داخل قصر لم يعد يخفي أسراراً، بل بات يجمعهما على قدر واحد مصيره الصدق مهما كان مرّاً.
مرت الشهور وكأنها أعوام، لكن الجدران الحجرية العتيقة للقصر لم تعد تشعر بالوحشة. التغيير الذي دبَّ في أرجاء المكان لم يكن جذريًا، فحازم بقي على هيبته وصرامته، وفاطمة حافظت على هدوئها ورزانتها، لكن القلوب قد تمهدت، وصار الصمت بينهما لغة تفاهم لا تحتاج إلى كلمات.
أما الحديقة الخلفية، فقد شهدت تحولًا تدريجيًا؛ إذ لم يعد ذلك القبر مجرد مصدر للرعب المكتوم، بل صار ساحة لطقوس هادئة اعتادت فاطمة عليها. كل يوم، كانت تحمل بيديها طعاماً طازجاً وكوبًا من الشاي الدافئ، وتضعهما برفق على عتبة الحجر المظلم، لتسمع من الداخل همهمات عجوز تخللى عن غضبه، وبات يرضى بقليله من الحياة.
وفي ليلة مقمرة، هبَّت نسمة ربيعية دافئة على غير عادتها، فجلست فاطمة في شرفتها المطلة على الحديقة، بينما وقف حازم إلى جوارها، يضع يده على كتفها بحنان غير مألوف.
نظر حازم إلى القبر الحجري الساكن وقال بصوت مفعم بالس\كينة للمرة الأولى:
* “لأول مرة منذ سنوات طويلة، أشعر أن الهواء في هذا القصر أصبح نقيًا يا فاطمة.. كأن الغبار الذي علق بأرواحنا قد انجلى.”
التفتت فاطمة إليه وابتسمت بثقة، وبادرت بالقول:
* “السر ليس في الغبار يا حازم، بل في الشجاعة. الشجاعة التي جعلتنا نواجه ما نخافه بدلاً من الهروب منه. ما دمنا معًا، فلن تكون هناك أسرار قادرة على دفننا أحياء.”
أومأ حازم برأسه، واشتد وثاق كفيهما معًا، وهما ينظران إلى الأفق حيث تباشر شمس جديدة بالبزوغ فوق سهول الصعيد، معلنة بداية حياة حقيقية، ولافظة لصفحة الماضي المظلمة إلى غير رجعة.
ومع إشراقة تلك الشمس الجديدة، لم يعد القصر مجرد مأوى لأسرار مدفونة، بل تحول إلى بيت ينبض بالحياة والدفء.
في الصباح التالي، اتخذ حازم قراراً طال تردده فيه؛ فقد استعان بعمال ثقاة ليقوموا بتوسيع الفتحات الهوائية للقبر وتجهيزه بغرفة ملحقة تحت الأرض تليق ببشر، لا بصندوق معزول، لتتحول العزلة القاسية إلى إقامة اختيارية آمنة ومريحة لوالده العجوز. وعندما رأى الأب ما فعله ولده، ذرفت عيناه دمعة حارقة، ووضع يده على رأس حازم مباركاً ومصفحاً عن سنوات الجفاء والندم.
وبينما كانت الحياة تعود تدريجياً إلى طبيعتها، أثمر هذا الصبر والتحمل عن مولود جديد ملأ أرجاء القصر بضحكات بريئة، ليكون بمثابة الروح التي بعثت الحياة في قلب الحديقة والمكان بأسره.
جلس حازم على عتبة القصر يوماً، يحمل طفله الصغير على ذراعه، بينما تقف فاطمة بجواره، تبتسم لزوجها ولابنهما ولمستقبل لم تكن تتخيل يوماً أنه سينبت من رحم الأسرار والتراب. أدركا معاً أن أقسى القيود هي التي نصنعها بأنفسنا في عقولنا، وأن الشجاعة الحقيقية تكمن في مواجهة الحقيقة، مهما بلغت مرارتها، لتزهر الحياة من جديد.
تمت
صمد الصعيد بقلم #ماياخالد حصري فقط صفحة روايات مايا خالد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *