العقد الاول
عقد الياقوت اللي أهداه لعشيقته بقى هو عود الكبريت اللي ولع في إمبراطوريته كلها.
سمعت البنت بتضحك وهي لابس عِقد عائلي قيمته ملايين الجنيهات حوالين رقبتها.
جوزها افتكر إن الياقوت المسروق مجرد هدية تافهة، والفلوس اللي نهبها مجرد شطارة وتشغيل دماغ في السوق.
لكن قبل ما تقف “فريدة” تحت نجف القاعة الأثرية، هيكون كل راس كبيرة في البلد عرف بالظبط هو سرق إيه.
ضحكة “ريهام” كانت طالعة عالية أوي، عالية بزيادة عن اللزوم ومفيهاش أي ريحة من ريحة الرقي والذوق، خصوصاً لواحدة شايلة تاريخ عيلة تانية كامل على رقبتها.
الضحكة الرقيعة دي طلعت وغطت على صوت الموسيقى الهادية اللي كانت شغالة في الخلفية، وغطت على رنين كاسات الكريستال، وعلى الهمس الحذر بتاع عائلات “الناس الشبعانة من زمان” اللي كانوا عاملين نفسهم مش سامعين ولا واخدين بالهم من قلة الذوق دي.
على بعد تلات ترابيزات، كانت قاعدة “فريدة الصاوي”. كانت قاعدة وضهرها مفرود زي الألف، ملامح وشها هادية وباردة زي التلج، كأن مفيش أي حاجة تهزها، وكاس النبيذ الأحمر محطوط جمب طبقها من غير ما تلمسه. عينيها كانت مركزة ومثبتة في نقطة واحدة بس.. على عِقد الياقوت الأزرق اللي ملفوف حوالين رقبة ريهام.
عِقد “دموع النيل”.
سبع فصوص من الياقوت الكولومبي النادر، بلون أزرق غامق وعميق لدرجة تخطف العين، ومتحوطين بفصوص ألماس حر متفصلة بقطع قديم مفيش جواهرجي في مصر دلوقتي كلها يقدر يعمل زيه ولا يقلده، إلا لو جاله طلب مخصوص من عيلة عريقة فاهمة إن المظاهر والورث هما لغة العائلات الكبيرة في البلد.
العِقد ده أصلاً كان بتاع “الهانم صفية الصاوي”، جدة فريدة الكبيرة، اللي لبسته لأول مرة سنة 1923، في الليلة اللي جوزها اشترى فيها أول وأكبر مصنع غزل ونسيج لعيلة الصاوي في المحلة الكبرى. العِقد ده مكنش مجرد حتة ذهب وفصوص؛ ده كان رمز العيلة، وهيبتها، وأصل ثروتها اللي اتبنت عرق فوق عرق.
ودلوقتي؟ واقفة بيه واحدة “محدثة نعمة” في وسط قاعة بفندق فخم في الزمالك، وبتضحك بيه وسط الناس كأنه لعبة اشتراها لها حبيبها بقرشين!
العِقد ده ورثته جدة “فريدة” من بعد الجدة الكبيرة، وبعدين اتنقل لأمها، لحد ما وصل لـ “فريدة” نفسها.
العِقد ده عمره ما كان ملك لجوزها “سليم الشافعي”، ولا دخل في ذمته المالية أبدًا.
وأكيد طبعاً مكنش ملك للبنت اللي عندها أربعة وعشرين سنة دي، الواقفة بفستانها الساتان الأبيض المكشوف وهي مايلة على صاحباتها وبتلمس فصوص الياقوت الأزرق بصوابعها المتزينة بمانيكير فاقع، كأنها جايزة كسبتها بمهارتها وشطارتها.
“قالّي إن مراته مبقتش تستاهله خلاص!” ريهام قالت الجملة دي بصوت عالي وضحكة رخيصة سمّعت الترابيزات القريبة كلها. “تخيلوا عِقد بالجمال ده كله يفضل مقفول عليه في خزنة لمجرد إن صاحبتها كبرت ومبقتش قادرة تلبسه وتظهر بيه زي الستات؟!”
واحدة من صاحباتها شهقت وحطت إيدها على بوقها، نصها متبسط وميت من الضحك والنص التاني مخضوض من قلة الأدب. صاحبتها التانية بلقطت بعينها ناحية ترابيزة فريدة، وعلى طول نزلت راسها وبصت في الأرض برعب.


