العقد الاول

سليم افتكر إن سكوتها ده عمى وقلة حيلة. أصل معظم الرجالة بيفتكروا السكوت جهل وعمى.. خصوصاً لما السكوت ده يكون طالع بهيبة وشياكة تخطف العين.

في صباح اليوم ده، كانت شوارع المعادي من ورا الشباك مغيمة وسيل من المطر نازل عليها. فريدة كانت واقفة حافية على الأرض الرخام الدافية، لابس روب بيج هادي، وبتشرب قهوة سادة في فنجان بورسلين قديم بنتها “ياسمين” كانت دايماً بتوصفه بتهريج وتقول عليه “فنجان كئيب وناشف زيادة عن اللزوم”.

تليفونها اتهز على الرخامة بتاعة المطبخ. كانت رسالة من “مروة”، السكرتيرة والمساعدة بتاعتها:

“مدام فريدة، أنا أسفة جداً إني ببعت لحضرتك في وقت زي ده قبل الساعة تمانية الصبح، بس كان لازم تشوفي ده بنفسك وقبل أي حد تاني.”

الصورة المرفقة مع الرسالة بدأت تفتح ببطء على الشاشة.

كانت لـ “ريهام” وهي بتضحك من قلبها في مطعم فخم في الزمالك، ورافعة إيدها بالراحة تلمس رقبتها. وعِقد “دموع النيل” بيلعلع وبيبرق تحت دقنها.

لأول مرة من سنين طويلة، فريدة حسيت إن الدنيا حواليها ملامحها اتحددت وبقت واضحة وحادة جداً. موقعتش ولا انهارت.. بالعكس، الرؤية بقت أوضح وأقسى.

فنجان القهوة برد في إيدها والمطر لسه عمال يسيل على الإزاز. في مكان ما جوه الفيلا، الشغالة كانت بتتحرك بهدوء من أوضة لأوضضة، ومش دريانة خالص إن أساس البيت ده وعواميده لسه مفرقعة ومشرومة حالا.

فريدة حطت الفنجان من إيدها على الرخامة. وعملت أول مكالمة تليفون.

“رأفت المنشاوي” رد من تاني رنة بالظبط؛ لأن رأفت كان محامي عيلة “الصاوي” من اتنين وعشرين سنة، وعارف كويس إن فريدة الصاوي مستحيل تتصل برقم تليفونه الخاص قبل الفطار إلا لو كانت الدنيا ولعت فعلاً وفي حريقة قايمة في مكان ما.

“فريدة هانم؟”

“أنا عايزاك تطلعلي كل ورق الأمانات، وحسابات الشركات التابعة، ومحاضر اجتماعات مجلس الإدارة، وعقود القروض، والإقرارات المالية، والضمانات الشخصية اللي عليها اسم سليم الشافعي.”

ساد الصمت لثانية كاملة على الخط. رأفت سألها بنبرة جادة: “لحد سنة كام ورا؟”

“أربع سنين على الأقل.. وست سنين لو احتاجنا.”

سكت تاني، بس المرة دي كانت سكتة قصيرة: “الموضوع كبير قد إيه يا فريدة هانم؟”

“لسه معرفش بالظبط،” فريدة ردت ببرود وهدوء مريب. “وعشان كده أنا بكلمك قبل ما أخليه كبير بجد.”

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *