العقد الاول

وأكيد طبعاً مكنش ملك للبنت اللي عندها أربعة وعشرين سنة دي، الواقفة بفستانها الساتان الأبيض المكشوف وهي مايلة على صاحباتها وبتلمس فصوص الياقوت الأزرق بصوابعها المتزينة بمانيكير فاقع، كأنها جايزة كسبتها بمهارتها وشطارتها.

“قالّي إن مراته مبقتش تستاهله خلاص!” ريهام قالت الجملة دي بصوت عالي وضحكة رخيصة سمّعت الترابيزات القريبة كلها. “تخيلوا عِقد بالجمال ده كله يفضل مقفول عليه في خزنة لمجرد إن صاحبتها كبرت ومبقتش قادرة تلبسه وتظهر بيه زي الستات؟!”

واحدة من صاحباتها شهقت وحطت إيدها على بوقها، نصها متبسط وميت من الضحك والنص التاني مخضوض من قلة الأدب. صاحبتها التانية بلقطت بعينها ناحية ترابيزة فريدة، وعلى طول نزلت راسها وبصت في الأرض برعب.

فريدة حتى متهزتش ولا حواجبها اتحركت.

بكل برود وهدوء، نزلت كاس النبيذ الأحمر من إيدها وحطته فوق مفرش التربيزة الكتان الأبيض النضيف، وطوت الفوطة القماش بتاعتها بنظام ودقة، وحطتها جمب الطبق كأنها واحدة لسه واخدة قرار حالا بإن قعدة العشا دي انتهت خلاص، واللعب التقيل هيبدأ دلوقتي.

قدامها على الترابيزة، “ابتسام هانم الورداني” وقفت كلامها في نص الجملة.

ابتسام هانم كانت عندها تلاتة وسبعين سنة، ست من ولاد الذوات بتوع زمان، كلامها ناعم زي القطيفة بس ناشفة وقوية تحت القطيفة دي زي الألماس، وعاصرت وشافت كوارث وفضايح ياما حصلت في صالونات وقاعات مصر الراقية تخليها تفهم بمجرد النظر إنتى الهوا في المكان اتسحب ودخلت فيه ريحة مصيبة مفيش منها رجوع. شفايفها المرسومة بالروج الأحمر اتضمت لبعضها بحركة تكاد متتلاحظش وهي بتمشي بعينها ورا نظرة فريدة للجهة التانية من الصالة.

“يا خبر..” ابتسام هانم قالتها بصوت واطي وبقلق.

فريدة ابتسمت ابتسامة هادية جداً وباردة.

ابتسامتها مكنتش فيها أي دفا، ولا كانت لطيفة أو مريحة، ومكنتش متوجهة لحد عشان يفهمها. كانت من نوع الابتسامات اللي بتترسم على الوش لما الحزن ينسحب من المشهد ويسيب مكانه لطبول الحرب اللي بتدق.

“شايفة اللي أنا شايفاه يا ابتسام هانم؟” فريدة سألتها بنبرة هادية ترعب.

ابتسام هانم ردت بصوت واطي: “شايفة يا بنتي.. ونص القاعة هنا كمان بقى شايف واخد باله.”

فريدة رجعت تبص على ريهام تاني. البنت كانت حلوة حلاوة واضحة وجوعانة، جلدها ناعم وعندها ثقة عمياء ومستهترة، من نوع الستات اللي بتفتكر اللفتة والاهتمام قوة وسلطة، لمجرد إن الاهتمام ده لسه جديد عليها ومفتكرة إنه هيدوم ليها العمر كله. ريهام ميلت راسها لورا عشان تضحك تاني، وفصوص الياقوت لقطت ضوء الشموع اللي على الترابيزة. عكس الياقوت ضي أزرق زي النار على عضم رقبتها.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *