ليلة فرحي

قمت من مكاني مذعورة، قلبي يكاد يخرج من صدري، وإذ بي أرى الحاج محسن يجلس في وضعية القرفصاء على حافة السرير، لا ينظر إليّ، بل كان يهمس بكلمات غير مفهومة وكأنها “تمتمات” بلغة غريبة، ويده تتحرك بخفة كأنه يخطُّ شيئاً في الهواء فوق قدمي. مصطفى كان بجانبي، لكنه كان غارقاً في نوم عميق، نوم غير طبيعي وكأنه تحت تأثير مخدر أو سحر.

صرختُ في الحاج محسن: “أنت بتعمل إيه؟ إيه اللي بتلمسه في جسمي ده؟”. توقف الحاج محسن فجأة، التفت لي ببطء شديد، وجهه في ضوء القمر كان يبدو كقناع من الشمع، وعيناه كانتا تلمعان ببريق أصفر غير بشري. قال بصوت بارد: “ببارك لكِ يا عروسة.. وبضمن أنكِ هتكوني “منا” بالكامل من الليلة الأولى”.

لم أستطع الصراخ، شعرتُ وكأن لساني قد رُبط. ركضتُ نحو باب الغرفة، لكن المقبض لم يتحرك وكأنه ملحوم. التفتُّ لمصطفى، هززته بكل قوتي، لكنه لم يفتح عينيه، فقط كان يتمتم باسم والده بلهجة خنوع تثير القشعريرة. أدركتُ حينها أنني لم أعد في ليلة زفاف عادية، بل وقعتُ في شرك طقس شيطاني يتجاوز مجرد “عادات وتقاليد”.

ساعات الفجر الأولى بدأت تتسلل من شقوق الستائر، وفي تلك اللحظة، توقفت حركات الحاج محسن. نظر إليّ وقال بابتسامة صفراء: “الآن أصبح العهد سارياً”. غادر الغرفة بهدوء وكأن شيئاً لم يكن. وفجأة، استيقظ مصطفى وكأنه استفاق من حلم طويل، نظر إليّ باستغراب وقال: “صباح الخير يا حبيبتي، نمتي كويس؟”.

نظرتُ إليه بذهول، لم يتذكر شيئاً مما حدث. أخبرته بكل ما رأيت، فضحك وقال إنها مجرد أوهام ليلة الزفاف، وإن والده رجل تقي ومبارك. لكن الصدمة الحقيقية جاءت عندما توجهتُ للحمام لأغسل وجهي؛ نظرتُ في المرآة لأجد على ظهري وكتفي علامات “وشم” غريب وداكن يظهر بوضوح تحت الجلد، وكأن شيئاً ما قد طُبع عليّ في تلك الليلة.

خرجتُ من الغرفة وأنا أرتجف، وقررتُ أنني لن أبقى في هذا البيت دقيقة واحدة. وبينما كنت أحاول الخروج، وجدتُ “الحاج محسن” واقفاً في الممر، يمسك بسبحته ويقول بهدوء: “البيت ده له باب بيدخل منه الناس، لكن ملوش باب بيخرجوا منه من غير إذن العيلة.. يا عروسة”.

أدركتُ أن “العهد” قد بدأ فعلاً، وأن رحلة هروبي من هذا البيت ستكون معركة حياة أو موت، ليس فقط ضد الحاج محسن، بل ضد عالم كامل من الأسرار المظلمة التي سكنت روح زوجي وبيته.

1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *