ليلة فرحي
مرت الأيام وكأنني أعيش في جنازة مستمرة، لا في بيت زوجية. مصطفى أصبح شخصاً آخر؛ غريب الأطوار، يتجنب النظر في عينيّ، وكأنه يخشى أن أرى انعكاس ما يفعله والده في نظراته. أما الحاج محسن، فكان يراقبني في صمت، نظراته لم تعد مجرد نظرات “حما” غريب، بل أصبحت نظرات صياد ينتظر أن يستسلم فريسته بالكامل.
في إحدى الليالي، بينما كان مصطفى في عمله، قررت اقتحام “غرفة المحظورات”، الغرفة التي كان الحاج محسن يدخلها دائماً ويقفلها بمفتاح لا يفارق رقبته. بجرأة دفعتها الحاجة للنجاة، استغليت انشغاله في الحديقة، وفتحت الباب بـ “دبوس” شعر، لأجد الصدمة التي لم أتخيلها في أقصى كوابيسي.
الغرفة لم تكن مخزناً، بل كانت “مذبحاً”. كانت الجدران مغطاة بصور قديمة لنساء كثيرات، جميعهن يشبهنني في الملامح، وتحت كل صورة تاريخ زواج، وتاريخ اختفاء. وعلى الطاولة الكبيرة في الوسط، وجدت دفتراً قديماً مكتوباً فيه بخط يد الحاج محسن: “العروسة رقم 12.. الوشم قد اكتمل، والروح ستُسلب في تمام القمر”.
تراجعتُ للخلف وأنا ألهث، ليتجمد دمي حين سمعت صوت خطوات الحاج محسن خلف الباب، وصوت مصطفى وهو يناديه: “يا بابا، هي فين؟ شكلها شكت في حاجة”.
لم يكن أمامي سوى النافذة المطلة على المنور الضيق. تسلقتُها بسرعة لا أعرف من أين أتتني، وسقطتُ على الأرض في الأسفل، جسدي يصرخ من الألم، لكن الرعب كان أقوى. ركضتُ نحو البوابة الكبيرة، لكنها كانت محصنة بسلاسل حديدية ضخمة.
في تلك اللحظة، ظهر الحاج محسن من خلفي، والسكين في يده تلمع تحت ضوء القمر، وقال بصوت فحيح: “إلى أين يا ابنة الأصول؟ العهد لا ينتهي إلا بالموت.. أو ببديل”. نظر إليّ مصطفى الذي كان يقف بجانبه، وعيناه مغلفتان بسواد غريب، وكأنه فاقد للإرادة.
نظرتُ إلى مصطفى بحزن وصرخت: “مصطفى! فوق! ده مش أبوك، ده شيطان بيستغل حبك للأصول عشان يدمر حياتنا!”. لحظة صمت غريبة خيمت على المكان، وفي تلك الثواني الفاصلة، رأيتُ بريقاً من الإدراك في عيني مصطفى. ألقى نظرة على صورة والدته المعلقة في الصالة، ثم نظر إلى السكين في يد أبيه.
لم يتراجع مصطفى، بل تحرك فجأة.. ليس نحوي، بل نحو أبيه. صارع مصطفى أباه للحظات قبل أن يسقط الحاج محسن مغشياً عليه من ضربة قوية. سحبني مصطفى من يدي، ركضنا نحو البوابة، وبعزيمة يائسة، نجحنا في تحطيم القفل الخشبي المتهالك وهربنا إلى الشارع، تاركين خلفنا ذلك البيت الملعون وما فيه من أسرار.