ليلة فرحي
خرجنا إلى النور، وأنا لا أزال أتحسس الوشم على ظهري الذي بدأ يتلاشى تدريجياً مع ابتعادنا عن عتبة ذلك البيت. عرفت حينها أننا هربنا من الموت، لكن الخوف من أن الحاج محسن لا يزال يراقبنا من خلف تلك النوافذ المظلمة، سيظل يطاردنا ما حيينا.
لم نتوقف عن الركض إلا حين وصلنا إلى منزل أهلي. دخلتُ وأنا في حالة انهيار عصبي، بينما ظل مصطفى واقفاً عند الباب، يرتجف وكأنه يرى كوابيسه تجسدت أمامه. لم يكن الهروب نهايةً للأمر؛ فمنذ تلك الليلة، بدأنا نرى “أشباحاً” في منزلي، وأصواتاً تنادي باسمنا في الليل. كان واضحاً أن الحاج محسن لم يكتفِ بالهزيمة، وأن “العهد” الذي حاول ربطي به لم يمت بمجرد خروجي من البيت.
في ليلة مقمرة، ظهر الحاج محسن أمامنا، ليس بجسده النحيل، بل بطيفه الذي يملأ الغرفة ببرودة ثلجية. قال بصوت يتردد في كل زاوية: “ظننتم أن الهروب يحرركم؟ الوشم الذي حملتِه هو مفتاح بوابتي. طالما أنني على قيد الحياة، ستظلون مربوطين بي”.
أدركتُ حينها أن الهروب الجسدي لم يكن كافياً، كان يجب كسر “المصدر”. تذكرتُ الدفتر الذي رأيته في الغرفة المحظورة؛ كان يحتوي على رموز، وأسماء، وتواريخ. لم يكن مجرد كتاب، كان هو “السجل” الذي يستمد منه قوته.
أمسكتُ بيد مصطفى، وقلت له بثبات لم أعهده في نفسي: “لن نهرب مجدداً. القوة التي يستمدها هي قوة خوفنا. لنحرق ما يربطه بالعالم”.
عدنا في الليل، ليس كضحايا، بل كمنتقمين. تسللنا للمنزل الذي كان يلفه صمت مطبق. اتجهنا مباشرة للغرفة المحظورة، كانت الأبواب مفتوحة على مصراعيها، وكأنها تدعونا للدخول. وجدنا الحاج محسن جالساً على الكرسي في منتصف الغرفة، كان يبدو هزيلًا جداً، وكأن حياته مرتبطة بالفعل بذلك السجل.
بمجرد أن اقتربتُ من الطاولة، حاول أن ينهض، لكن مصطفى ألقى عليه غطاءً ثقيلاً وأحكم قبضته عليه. التقطتُ السجل ورميته في موقد النار الذي كان مشتعلاً في زاوية الغرفة. صرخ الحاج محسن صرخةً هزت أرجاء البيت، صرخة لم تكن بشرية، ومع كل صفحة كانت تحترق، كان يتلاشى شيئاً فشيئاً حتى تلاشى تماماً أمام أعيننا، ولم يتبقَ منه سوى كومة رماد.
في تلك اللحظة، شعرتُ بحرارة شديدة في ظهري، حيث كان الوشم؛ تلاشت العلامة تماماً، تاركةً مكانه جلداً صافياً. نظر مصطفى إليّ، وبدت عيناه طبيعيتين لأول مرة منذ ليلة زفافنا. لم يعد هناك حمايا، ولا تقاليد ملعونة، ولا خوف. خرجنا من البيت، وأشعلنا فيه النيران لنتأكد من أن أحداً لن يعاني مما عانينا منه مجدداً.



