رجعت بيتي

على التربيزة جمب الكشكول اللي قفلته ندى، كان في ورقة بيضا مكتوب عليها فوق بالخط العريض فريدة.
وتحت اسمي علطول، حد من عيلته الكريمة كان بدأ يكتب لستة طويلة عريضة بالواجبات، الطلبات، والمهام اليومية اللي لازم أنفذها غصب عني من أول ما أصحى لحد ما أنام!
أنا فضلت واقفة مكاني، باصة للورقة اللي على السفرة وباصة لطارق، والضحكة اللي ضحكتها كانت لسه مرسومة على وشي بس قلبت ببرود مرعب.
قربت من السفرة بالراحة، وندى حطت إيدها على الكشكول كأنها بتخبي سر حربي. زقيت إيدها بصباع واحد، وسحبت الورقة اللي مكتوب عليها اسمي.
قريت أول كام سطر
600 صباحاً تجهيز الشاي باللبن والحاجة الحلوة للحجة سعاد.
700 صباحاً تنظيف الصالة قبل ما العيال يصحوا.
المصروف أسبوعي ويُسلم ليد طارق أول الشهر.
بصيت لطارق وقلتله أنت بجد بتتكلم؟ يعني الشقة متبهدلة كأن قنبلة فرقعت فيها، وأنت وعيلتك الكريمة بدل ما تفكروا هتنظفوا القرف ده ازاي، قاعدين بتعملوا لي جدول حصص؟
أمه، الحجة سعاد، خبطت على صدرها وقالت جرى إيه يا بت يا فريدة؟ صوتك عِلي على جوزك وأنا واقفة! طارق راجل، والراجل لما يطلب مراته تلتزم ببيتها وتسمع كلام أمه، يبقا تقول حاضر ونعم. الخمس أيام اللي سيبتي فيهم البيت دي لو كانت أيام أبويا الله يرحمه، كان طلقك فيها غيابي!
طارق اتشد بكلام أمه، ورفع راسه وقال بثقة عمياء أمي عندها حق. الورقة دي هتمشي بالحرف، وأول بند فيها إنك هتبدأي تنظفي المطبخ والصالة دلوقتي حالا، عشان عمتي وأختي يعرفوا يناموا. ورجوعك للشغل ملوش لازمة، أنا هقعدك من الشغلانة اللي مقويا قلبك دي.
في اللحظة دي، حسيت بنقاء شديد في دماغي. الزعل مشي، والعياط اللي عيطته من خمس أيام اتخرس تماماً. مفيش أي مشاعر متبقية للشخص ده ولا لعيلته.
سيبت الورقة من إيدي على السفرة، وبصيت لندى وقلت لها بلّي الورقة دي واشربي ميتها يا ندى، يمكن تنفعك في بيتك.
وبعدين التفتّ لطارق الشقة دي إيجار جديد يا طارق، وباسمي أنا.. والعقد مكتوب فيه اسم فريدة. والفرش اللي متبهدل بصلصة الكركم وعصير القصب ده، كله جايباه بفلوسي وبوصولات أمانة أنا اللي بمضي عليها كل شهر من مرتبي اللي مش عاجبك.
طارق وشه جاب ألوان أنتي بتقولي إيه؟ أنتي هتطردي أهلي؟
مسكت يد شنطتي تاني، وفتحت باب الشقة على آخره وقلت بصوت هادي ومسموع للشارع كله أنا مش هطرد حد.. أنا هخرج المحضر اللي معايا من الموبايل اللي بعته للمالك عشان أفسخ العقد. قدامكم بالظبط لحد بكرة الصبح، الشقة دي تتسلم زي ما كانت، وأنت وعيلتك والجدول بتاعك تطلعوا برة حياتي. والطلاق هتوصلك ورقتة على بيت أمك في البلد.
عمتي فاتن شهقت، والحجة سعاد بدأت تصوت وتدعي، وطارق جرى ورايا وهو بيحاول يمسك إيدي ويقول فريدة استني.. احنا بنتفاهم.. أمي مكنش قصدها!
زقيت إيده للمرة الأخيرة، وخرجت وقبل ما أقفل الباب قلتله أنت قولتلي شوفي وصلتني لإيه؟ أنا بقا هوريك الراجل اللي ملوش كلمة لما مراته تسيبه بجد بيعمل إيه.. شيلوا قرفكم بقا.
ورزعت الباب ورايا، ونزلت السلم وأنا حاسة إن الهوا بتاع فيصل، رغم ترابه وزحمته، أخيراً بقيت قادرة أتنفسه.

الصفحة السابقة 1 2 3

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *