رجعت بيتي

الساعة ستة؟
من غير ما يرفع عينه من الشاشة آه.
ومحدش فكر يعمل لقمة تتاكل؟
الحجة سعاد لوحت بإيدها وتفتفت بقهر يا بنتي احنا ضيوف هنا!
في اللحظة دي، في حاجة جوايا سكتت تماماً، انطفأت
ضيوف؟
الضيوف مابيخلصوش خزين البيت ويمسحوا بيه الأرض.
الضيوف مابياخدوش سرير أصحاب البيت.
الضيوف مابيلبسوش شبشبك الشخصي.
الضيوف مبيستنوكيش تعمليلهم لقمة سخنة وطبيخ بعد يوم شغل 12 ساعة برة البيت!
نشفت إيدي في الفوطة ببرود.
دخلت الأوضة.
طلعت شنطة سفر صغيرة تانية تخصني.
طارق جه ورايا علطول وهو مستغرب بتعملي إيه؟
بألم هدومي.
ضحك بسخرية وقال بلاش دراما وقلب دماغ بقا، مش طالبة نكد.
طويت عبايتين، قميص نوم، لاب توب الشغل بتاعي، أوراقي المهمة، الشاحن، وأدويتي.
وشه اتغير تماماً وملامحه جِديت فريدة!
أنا ماشية، وهغيب خمس أيام.
على فين إن شاء الله؟
عشان أشوف البيت ده محتاج زوجة وشريكة حياة.. ولا محتاج مجرد خدامة وسُخرة من غير أجر.
وقف قدام الدولاب وقفل الدرفة بايده أمي بره وقاعدة في الصالة وبتتفرج، متهيننيش وتصغريني قدامها!
بصيت في عينه مباشرة أنا اللي بتهان وبتقطع قدام أمك بقالي أربع أيام ومفتحتش بقك بكلمة.
وطى صوته وبدأ يكلمني بغل دول جايين من مشوار وبلد تانية، معلش اتأقلمي وتعالي على نفسك شوية، عديها!
الكلمة دي.. تعالي على نفسك اتأقلمي.. الأغنية المفضلة اللي بتتقال في جنازات الزوجات المقهورات.
قفلت سوستة الشنطة بقوة
طارق، يا إما تطبخ وتنظف وتضايف وتدفع من جيبك وتدير عيلتك بنفسك للخمس أيام الجايين دول… يا إما تعترف لنفسك وقدامهم إنك اتجوزتني عشان السُخرة والشغل البلاش.
وشه خشب وتنشن أنتي بتهولي الموضوع وبتعملي من الحبة قبة.
جميل، يبقا غيابي مش هيقصر في حاجة والخمس أيام هيعدوا عليم بسهولة.
وخرجت.
الصالة سكتت تماماً كأن على رؤوسهم الطير.
الحجة سعاد بحلقت في الشنطة وهي مبرقة.
عمتي فاتن كتمت صوت التلفزيون بالريموت.
ندى اعتدلت في قعدتها وبصتلي بصدمة.
طارق مشي ورايا لحد الباب وهو بيهمس ورا ودني بغل وعصبية رايحة فين؟
أوتيل.
بفلوس مين إن شاء الله؟
التفتّ وبصيت له بابتسامة
بمرتبي.. المرتب اللي الكل متمتع بيه وبخيره هنا، بس محدش بيحترمه.
فكه اتشنج وعروق رقبته ظهرت لو مشيتي وخرجتي من الباب ده دلوقتي، متبقيش تستنيني أتحايل عليكي أو أقولك ارجعي.
ابتسمت بتعب أنا بطلت أستنى منك أي حاجة من زمان.
ومشيت.
لمدة خمس أيام، تليفوني مهدِييش ولا ثانية، كان قايد نار.
طارق اتصل بيا 22 مرة أول ليلة بس.
بعدين الرسايل بدأت تتحدف عليا ورا بعض
فين السكر؟
فين الملايات النضيفة الزيادة؟
العيال عايزين مكرونة بالبشاميل ومحدش عارف يعملها.
دواء الضغط بتاع أمي مش لاقينه في الدرج.
شحن الغاز خلص والبيت وقف.
الشغالة مابتجيش ليه؟
أنتي صغرتيني وقدامهم وشكلي بقا زبالة.
ارجعي دلوقتي حالا وبطلي جنان.
بعدين النبرة اتغيرت تماماً وبقت كلها هجوم
أنتي بتهينيني وبتكسري كلامي.
أمي قاعدة بتعيط بسبك.
الكل بيقول إن برستيجك عالي وعِندية وراسك ناشفة.
الزوجة الأصيلة ومتربية مابتسيبش ضيوف جوزها جعانين وتمشي.
قريت كل الرسايل دي.. وما رديتش على حرف واحد.
ولأول مرة من سنين طويلة، نمت وأنا مرتاحة، من غير ما أكون متوترة أو مستنية حد ينادي اسمي بزعاق من المطبخ عشان أعمله حاجة.
في اليوم الخامس بالليل، رجعت الشقة.
مقلتش لطارق إني جاية؛ كنت عايزة أشوف الحقيقة بعيني قبل ما يلحقوا يلموا وراهم وينظفوا ويداروا قرفهم.
أول ما فتحت الباب، الريحة لَطَمتني في وشي!
ريحة زيت تزنخ، عرق كاتم، أكل حمضان بايت برة التلاجة، فوط مبلولة مرمية، وزبالة.
البيت كأنه اتنهب واتسرق من الناس اللي عايشة فيه!
الرز كان ملزوق ومحروق في الأرض ومنداس عليه.
كوبايات الشاي الفاضية والناشفة محطوطة تحت الكنبة وفي كل ركن.
ملاية سريري البيضا بقت مليانة بقع كركم وصلصة حمرا.
الحوض مليان مواعين ومطافح على آخره لدرجة مش شايفين الرخام.
باسكت الزبالة بيطرد ومتبهدل حواليه.
حد كسر الفازة الإزاز بتاعتي الغالية.
حد استخدم كرسي المكتب والشغل بتاعي كشماعة يرمي عليها الهدوم المش نظيفة.
وزَرعتي اللي بداريها وبحبها.. ماتت وناشفت.
بس مش ده الأوخش الأسوأ في الليلة دي..
الأسوأ كان طارق نفسه!
كان واقف في المطبخ، شعره منكوش كأنه طالع من خناقة، قميصه متبهدل ومليان بقع، عينه حمرا من قلة النوم والتعب، وماسك طاسة محروقة وسودة في إيده كأنه عسكري راجع من حرب وخسرها قدام حلة عدس!
لثانية واحدة غبية، افتكرته هيعتذر لما يشوفني.
لثانية واحدة، افتكرته فهم الدرس وعرف قيمتي وقيمة تعبي.
بعدين عينه جت في عيني..
وشه مالحقش يحن ولا يلين، ملامحه اتلوت غضب وغل
مبصوطة كدة؟ قالها بزعاق شوفي وصلتيني لإيه وخليتي شكلي إيه!
بصيت حواليا في الشقة المتدمرة دي وقلتله بنبرة باردة أنا اللي وصلتك لكدة؟
رمى الطاسة المحروقة في الحوض ورزعها
عيلتي بقوا فاكرين إني ماليش كلمة في بيتي ومش عارف أمشي كلامي وأتحكم في مراتي!
أتحكم..
مش وحشتيني، مش البيت وحش من غيرك، مش محتاجك، مش بحبك.. الكلمة كانت أتحكم!
من وراه، الحجة سعاد خرجت من الأوضة وهي لافة شالي الشتوي الشخصي والناعم حولين كتافها.
ندى كانت قاعدة على التربيزة وبتكتب حاجة بتركيز في كشكول سلك.
عمتي فاتن بصت من بعيد وهمست بلؤم البرنسيسة شرفت اهي.
طارق قرب مني خطوة وقال بثقة تامة
أنتي سيبتيني ومشيتي وكسرتي رقبتي قدام الكل.. وعشان كدة كان لازم أخد قرار حاسم للبيت ده.
إيدي اتشدت بقوة على يد شنطتي وقلتله قرار إيه؟
بص لندى.. قامت قفلت الكشكول السلك وركنته على جمب.
بعدين طارق قال بصوت بارد وناشف، لدرجة إني مِعرفتهوش
من النهاردة، البيت ده ملوش غير كلمة واحدة.. وهيمشي كله تحت قوانين وقواعد أمي.
ضحكت ضحكة واحدة..
صغيرة، حادة، ومكتومة.
ضحكة غلط في وقت غلط.. لأن

الصفحة السابقة 1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *