روايه للكاتبه مني السيد 1

فيها كل حاجة تخصني؛ لبسي، حاجتي الشخصية، ودهبي اللي شيلته من شقايا وتعب السنين. مسبتش فتفوتة واحدة تدل إن كان فيه هنا ست بتدير البيت ده وتستحمل قرفه. كنت بحط كل حتة قماش وأنا بفتكر منظر أمي وهي واقفة على الباب بشنطتها المكسورة، ودموعها المحبوسة وهي بتقولي معلش يا بنتي.. جوزك برضه وبيت برضه، أنا همشي عشان متخربيش على نفسك.
قفلت سوستة الشنطة، والصوت ده عمل صدى جوه نفوخي. نزلت الشنطة في الصالة، وطلعت تليفوني وكلمت أخويا الكبير، حازم.
أيوة يا حازم.. إنت فين؟
حازم حس بنبرة صوتي في الشغل يا منى.. خير يا بنتي؟ صوتك ماله؟
قلتله بجمود عمري ما عيشت فيه قبل كده تعالالي دلوقتي حالا يا حازم.. خد إذن وانزلي.. مستنياك تحت البيت.
مسافة السكة يا أختي.. ربع ساعة وأكون عندك.
قفلت مع حازم، وكنت عارفة إن الخطوة الجاية هي القنبلة اللي هتنفجر في وشه. رحت على المطبخ، وعملت كوباية شاي، وقعدت في الصالة أشربها بمنتهى الهدوء. البيت كان هادي هدوء ما قبل العاصفة. أنا مش بكره أخته، وربنا يعلم إني شلت همها لما ابنها مات، بس أنا برفض أكون مكملة عدد في مكان ماليش فيه كلمة، برفض إن كرامة أهلي تداس عشان خاطر الأصول اللي هو ميعرفش عنها حاجة لما الموضوع يخصني.
بعد ربع ساعة، تليفوني رن، كان حازم. نزلت بالشنطة الكبيرة، شلتها بقوة مكنتش أعرف إنها فيا. أول ما حازم شافني وشاف الشنطة، وشه اتقلب في إيه يا منى؟ جوزك طردك ولا إيه؟
قلتله وأنا بركب معاه العربية لأ يا حازم.. منى هي اللي مطردتش.. منى هي اللي مشيت بكرامتها. اطلع بيا على بيت أمي.. وهناك هحكيلك كل حاجة.
طول الطريق وحازم بيحاول يفهم وأنا ساكتة، باصة من الشباك على الشوارع والناس، وحاسة بنوع من الراحة الممزوجة بالخوف.. بس راحة الكرامة غالية أوي.
أول ما وصلنا بيت أمي، وفتحتلنا الباب، اتخضت لما شافت الشنطة.
في إيه يا ضنايا؟ اتخانقتوا؟
حضنتها.. حضنتها جامد أوي، وشميت ريحتها اللي اتحرمت منها في بيتي بسبب تحكماته. قلتلها مفيش حاجة يا أمي.. أنا جيت أقعد عندك كام يوم.. وحشتيني.
أمي بذكائها وطيبتها فهمت إن الموضوع كبير، بس سكتت وطبطبت عليا البيت بيتك يا قلب أمك.. تنوري في أي وقت.
دخلت أوضتي القديمة، حطيت الشنطة، وقعدت على السرير. طلعت تليفوني وقفلت خاصية الانتظار، وعملت تليفونه هو بالذات صامت.. كنت عايزة أسيبه يضرب دماغه في أجدع حيط.
الساعة جت ٤ العصر.. يعني زمانه وصل البيت ومعاه أخته وشنطها.
أتخيلت المشهد كأني شايفاه قدام عيني.. هو داخل بابتسامة النصر، بينادي بعلو صوته يا منى.. يا منى تعالي سلمي على أختي.. وشوفي الشنط دي.
ومفيش رد.
يدخل المطبخ.. مفيش حد.. البوتاجاز مطفي والمواعين ناشفة. يدخل الأوضة.. يلاقي الدولاب مفتوح وفاضي من لبسي.. ويسأل نفسه بذهول هي راحت فين؟
وفعلاً.. التليفون بدأ ينور. شاشة التليفون متبطلوش رن.. جوزي بيطلبني. سبته يرن مرة.. واتنين.. وتلاتة.. وعشرة. لحد ما بعت رسالة على الواتساب إنتي فين يا منى؟ وإيه الشنطة اللي حازم جيه خدها دي؟ واحد من الجيران كان شافه.. وإيه الدولاب الفاضي ده؟ إنتي اتهبلتي؟ أختي واقفة معايا في الصالة ومصدومة.. ردي عليا حالا!
مسكت التليفون، وكتبتله رسالة واحدة، واضحة ومفهاش أي مجال للمناهدة
البيت اللي ملوش صاحب.. مش فندق لأهلك يا شريف. إنت قولت لأختك إني مش هقدر أرفض.. وأنا بقولك إني مبرفضش.. أنا سيبتلك البيت كله بحاله ومحتاله يشيلك ويشيل أختك. كلمتي اللي ملهاش قيمة عندك.. هي اللي هتحكم من هنا ورايح. أنا في بيت أمي.. الست اللي إنت كسرت بخاطرها ومنعتها تخش بيتي. ورقتي تفركشها وتجيبها معاك وأنت جاي.. لو عايز تطلق.. أهلاً وسهلاً.. لو عايزني أرجع.. يبقى بيتي ليه شروط.. وأول شرط إن أمي هي اللي تحدد مين يدخل ومين يخرج. سلام.
عملت لرقمة بلوك، ورميت الجهاز على السرير. قمت وقفت قدام المراية، وبصيت لوشي.. لأول مرة من سنين أحس إن عيني فيها لمعة قوة مكنتش موجودة.. الكسرة اختفت وحل مكانها عناد ست قررت تاخد حق سنين من التنازل.
عدى يومين.. والبيت عند أمي هادي، بس هدوء يسبق العاصفة التانية. حازم عرف كل حاجة، وكان قايد نار بقى الواطي ده يعمل فيكي وفي أمي كده؟ والله ما هيرجعلك إلا وهو حافي!
وأمي كانت قاعدة تدعي ربنا يصلح حالكم يا بنتي.. أنا مش عايزة أكون سبب في خراب بيتك.
قلتلها وأنا ببوس إيدها يا أمي إنتي مش سبب في حاجة.. إنتي السبب إني لسه عايشة بكرامتي. هو اللي خرب بيته بإيده لما افتكر إن ماليش ضهر.
في اليوم الثالث.. الباب خبط خبطات متتالية وقوية. حازم قام يفتح، وأنا وقفت وراه في الطرقة.
كان شريف.. وشه كان أصفر، وعينيه حواليها هالات سودا، وباين عليه التعب والعصبية في نفس الوقت. أول ما شاف حازم قال بزعيق فين منى؟ فين مراتي اللي سابت بيتي في وقت أختي محتاجلنا فيه وفضحتني قدام أهلي؟
حازم وقفله في الباب زي السد المنيع صوتك ميعلاش هنا يا شريف.. وإلا والله العظيم أرميك برة السلم. أختي عندك جوه.. وبكرامتها.. والبيت ده ملوش دعوة بفضايحك.
شريف شافني واقفة.. بصلي بنظرة عتاب ممزوجة بغل بقى بتبيعي السنين دي كلها عشان خناقة على أوضة؟

الصفحة السابقة 1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *