عروسة بقلم سهر

الراجل قاطعه بعنف.
لأ… أنا اللي هحكي.
بص لفدوى وقال أبوك الحقيقي كان أخويا. يوم ما مات في حادث، كنت أنا السبب… دخلت في مشاكل كبيرة، والشرطة كانت بتدور عليا. سبتك رضيعة عند سالم، وقلتله يعتبرك بنته لحد ما أرجع.
دموع عم سالم نزلت.
وأقسم بالله كنت ناوي أقولها الحقيقة لما تكبر… لكن خوفت. بقيت بنتي بجد.
فدوى انهارت على الكرسي.
يعني… طول عمري كنت عايشة بكذبة؟
عم سالم قرب منها.
لا يا بنتي… يمكن الدم منه، لكن التربية مني.
الراجل ضرب بعصاه في الأرض.
خلصنا من الكلام ده.
وبص لحسن.
أنا راجع آخد بنت أخويا.
حسن وقف قدامه.
هي مراتي.
طلقتها.
لسه كاتب كتابي عليها من ساعة.
أنا هدفعلك اللي تتمناه.
ابتسم حسن ابتسامة كلها وجع.
أنا بعت الدنيا كلها قبل كده… عمري ما بعت بني آدم.
الراجل ضحك ضحكة باردة.
فاكر نفسك قدّي؟
طلع الحرس خطوة لقدام.
وفجأة…
صوت أم حسن خرج لأول مرة بعد شهور.
حسن…
الأوضة كلها سكتت.
حسن جرى على أمه.
أمي!
كانت بتحاول ترفع إيديها المرتعشة، وعينيها مليانة خوف.
بصت ناحية الراجل وقالت بصعوبة
إياه…
الراجل اتجمد مكانه.
وأم حسن كملت وهي بتقاوم كل كلمة
هو… اللي… قتل… أبوك…
سقط الصمت على الجميع.
نورهان بدأت ترتعش، وصرخت وهي ماسكة دماغها
خلاص… كفاية! أنا مش قادرة أشيل السر ده أكتر من كده!
كل الأنظار اتجهت لها.
دموعها كانت بتنزل بجنون.
وقالت بصوت متقطع
أبويا… كان موجود الليلة دي… وأنا سمعت كل حاجة من غير ما يقصدوا… لكن لو قلت الحقيقة… مش هيضيع حسن بس…
بلعت ريقها، ونظرت ناحية الرجل صاحب البدلة.
…هيقع ناس أكبر بكتير منه.
وفي اللحظة نفسها…
دوى صوت فرامل عربية بعنف تحت البيت.
وتلاه صوت رجال بيجروا على السلم، وصوت واحد منهم بيصرخ
محدش يتحرك من مكانه!صوت الأقدام كان بيقرب بسرعة، والسلم الحديد كان بيترج من كتر الجري.
الراجل صاحب البدلة لف ناحية الباب،
وملامحه اتبدلت لأول مرة.
همس للحرس اقفلوا الباب.
لكن قبل ما حد يتحرك…
الباب اتفتح بقوة.
دخل أربعة رجال بملابس مدنية، يتقدمهم رجل في الخمسينات، ملامحه هادئة لكن عينيه حادة.
طلع بطاقة من جيبه وقال إحنا جايين بأمر ضبط وإحضار.
الراجل صاحب البدلة ابتسم باستهزاء.
بعد العمر ده كله افتكرتوني؟
الرجل رد بهدوء إحنا ما بننساش… لكن كنا بندور على الدليل.
نورهان فجأة جريت لقدامه وهي بترتعش.
أنا… أنا معايا الدليل.
كل اللي في الأوضة اتصدم.
حتى أبوها السابق في الكلام بص لها وكأنه لأول مرة يشوفها.
صرخ فيها إوعي تنطقي!
لكنها طلعت فلاشة صغيرة من السلسلة اللي في رقبتها.
وقالت وهي بتعيط أنا خبيت دي من سنتين… يوم سمعتكم بتتكلموا.
الرجل أخدها منها بحذر.
الراجل صاحب البدلة فقد هدوءه لأول مرة.
صرخ في الحرس هاتوهالي!
واحد من الحرس اندفع ناحية الضابط، لكن حسن اعترض طريقه.
ورغم إنه كان مرهق من شغل اليوم كله، إلا إنه مسك الحارس من دراعه بكل قوته.
الحارس زقه بعنف.
حسن وقع على الأرض، ودم نزل من جانب جبينه.
فدوى صرخت حسن!
وجريت ناحيته.
لكن حسن قال وهو بيحاول يقف أنا كويس… ابعدي.
الضابط سلّم الفلاشة لأحد رجاله.
خدها بسرعة للعربية… ومتسيبهاش من إيدك.
الرجل خرج يجري.
في اللحظة دي…
الراجل صاحب البدلة ابتسم ابتسامة غريبة.
وقال بهدوء مخيف
فاكرين إن دي النسخة الوحيدة؟
الجميع سكت.
فتح جاكيت بدلته ببطء، وأخرج ظرفًا أصفر قديمًا.
رفعه قدام حسن وقال
ده… أصل الحكاية كلها.
حسن ضيق عينيه.
إيه ده؟
رد وهو بيهز الظرف
وصية أبوك… بخط إيده.
الكلمة نزلت كالصاعقة.
حسن اتقدم خطوة.
مستحيل… وصية أبويا اتحرقت بعد وفاته.
ابتسم الرجل بسخرية.
اللي اتحرق كانت نسخة.
فتح الظرف ببطء، وأخرج ورقة صفراء عليها توقيع واضح.
ثم قال وهو ينظر مباشرة إلى حسن
أبوك كتب فيها سرًا واحدًا… لو عرفته، هتعرف إن كل اللي حصل خلال السنين دي ماكانش بسبب الفلوس أصلًا… وإنما بسبب شيء كان مخبأ باسم شخص واحد.
وسكت لحظة…
ثم وجّه إصبعه ببطء نحو فدوى.
والاسم ده…
يتبع…كل العيون اتحولت ناحية فدوى.
هي نفسها رجعت خطوة لورا، ووشها شحب.
قالت بصوت مكسور أنا؟! أنا مالي؟
الراجل رفع الورقة قدام حسن.
اقرأ بنفسك.
حسن أخد الورقة بإيد بترتعش، وبص فيها بسرعة.
كانت بخط أبوه فعلًا…
لكن أول سطر خلاه يتجمد.
لو حصلي حاجة، أوعوا تظلموا بنت الراجل اللي أنقذ حياتي…
حسن رفع عينه باستغراب.
بنت الراجل؟!
الراجل ابتسم وقال كمل.
حسن كمل قراءة، وكل كلمة كانت بتخليه يتنفس بصعوبة.
أبوه كان كاتب إنه قبل سنين، اتعرض لحادث على طريق صحراوي، والعربية اتقلبت بيه في الترعة.
الناس كلها خافت تنزل تنقذه.
إلا راجل واحد فقير… خاطر بنفسه، ونزل المية، وطلعه وهو بينازع.
الراجل ده رفض ياخد أي فلوس.
وقال له لو عايز ترد الجميل… ادعي لبنتي ربنا يسترها.
ومن يومها، أبو حسن وعد نفسه إنه لو احتاجت البنت دي أي حاجة في يوم من الأيام، هيكون أول واحد يقف جنبها.
لكن قبل ما يقدر ينفذ وعده…
الراجل مات.
والسنين عدت.
وأبو حسن فضل يدور على أسرته، لحد ما عرف إن الراجل ده…
كان أخو عم سالم.
وإن البنت الصغيرة اللي سابها…
اسمها فدوى.
حسن نزل الورقة من إيده ببطء.
بص لفدوى، وهي كانت واقفة مذهولة، مش قادرة تستوعب.
الراجل صاحب البدلة قال
أبوك كان ناوي يكتب جزء من أملاكه باسمها وفاءً بوعده.
حسن عقد حاجبيه.
وده يغضب مين؟
ابتسم الرجل ابتسامة باردة.
ناس كتير… لأن وقتها كانت فيه أراضٍ بملايين الجنيهات.
وسكت لحظة.
لكن أبوك ما لحقش.
الضابط كان واقف بيسمع في هدوء، وقال
يعني كل اللي حصل بعد كده… كان سببه إن حد كان عايز يمنع تنفيذ الوعد؟
الرجل رد وهو بيبص بعيد
مش الوعد بس…
كان فيه مستند تاني… أخطر من الوصية.
حسن اتقدم خطوة.
إيه هو؟
الرجل قال
المستند ده اختفى ليلة وفاة أبوك.
وفجأة…
خرج صوت خبط خفيف من السرير.
الجميع التفت ناحية أم حسن.
كانت بتحاول تشير بإيدها المرتعشة ناحية الدولاب الحديد القديم الموجود في ركن الأوضة.
وبصعوبة همست
المفتاح…
حسن جرى عليها.
مفتاح إيه يا أمي؟
أشارت بعينيها ناحية المخدة.
رفع المخدة…
فلقى مفتاحًا نحاسيًا صغيرًا مربوطًا بخيط قديم.
أول ما الراجل صاحب البدلة شاف المفتاح…
اتغير لون وشه تمامًا.
وتراجع خطوة للخلف وهو بيقول بقلق لأول مرة
لأ…
أما حسن، فاتجه نحو الدولاب، ومدّ إيده بالمفتاح…
ولسه هيحطه في القفل…
إذا بصوت ارتطام قوي هز باب الأوضة من الخارج، وكأن شخصًا آخر وصل، وهو يصرخ
إوعوا تفتحوا الدولاب… هتضيعوا كل حاجة!الصوت كان مألوفًا…
حسن وقف مكانه، والمفتاح بين صوابعه.
الكل بص ناحية الباب.
وببطء…
دخل رجل كبير في السن، هدومه متربة، ونفسه مقطوع من طلعة السلم.
عم سالم أول ما شافه شهق
يا ساتر… الحاج عبدالتواب!
كان الحاج عبدالتواب أقدم محاسب اشتغل مع والد حسن أكتر من ثلاثين سنة، لكنه اختفى يوم الوفاة، والناس افتكرته هرب بعد ضياع الأموال.
حسن قرب منه بسرعة.
إنت عايش؟!
هز الرجل رأسه وهو يلهث.
عشت… بالعافية.
وبص مباشرة للدولاب.
متفتحوش دلوقتي.
الضابط سأله ليه؟
رد بصوت منخفض
لأن اللي جوا مش مجرد ورق… اللي جواه هيثبت الحقيقة، لكن هيكشف كمان أسماء ناس لحد النهارده محدش يقدر يقف قصادهم.
الرجل صاحب البدلة صرخ بعصبية
كذاب! ده راجل هربان!
لكن الحاج عبدالتواب بصله بثبات وقال
أنا ما هربتش… أنا اتخفيت.
وساد صمت ثقيل.
ثم كمل
ليلة وفاة الحاج محمود… قبل ما يموت بساعات، سلمني مفتاح الدولاب ده بنفسه.
حسن بلع ريقه.
وأبويا قالك إيه؟
تنهد الرجل وقال
قال لي لو جرالي حاجة، ماتفتحش الدولاب إلا قدام ابني… وبعد ما تتأكد إنه بقى راجل يعرف يفرق بين الانتقام والعدل.
حسن نزل بعينه للأرض.
افتكر سنين التعب، والشغل، وسداد الديون، ورفضه يهرب من حقوق الناس.
رفع رأسه مرة تانية.
الحاج عبدالتواب ابتسم لأول مرة.
واضح إن الوقت جه.
مد حسن المفتاح ناحية القفل.
لفه ببطء…
صدر صوت تك خفيف.
الدولاب اتفتح.
كان جواه صندوق خشب





