عروسة بقلم سهر

صغير، عليه طبقة تراب سميكة.
حسن شاله بحذر، وحطه على الترابيزة.
فتحه…
فالكل اتفاجأ.
الصندوق ماكانش مليان فلوس ولا دهب.
كان فيه
دفتر حسابات قديم.
مجموعة أظرف مختومة بالشمع الأحمر.
وساعة يد فضية مكسور زجاجها.
أم حسن، أول ما شافت الساعة…
دموعها نزلت.
همست
دي… كانت في إيده… آخر يوم.
الحاج عبدالتواب أخد الدفتر، وفتحه على صفحة معينة.
وأشار لسطر مكتوب بخط والد حسن.
وقال
من هنا… كل حاجة هتتغير.
وفي اللحظة نفسها…
رن هاتف الضابط.
رد بسرعة، وتغيرت ملامحه.
قال بصوت منخفض
إيه؟!… إزاي؟!
قفل المكالمة، وبص لحسن مباشرة.
في حد دخل مخزن الشركة القديمة من عشر دقايق… وكأن حد كان مستني اللحظة اللي الدولاب يتفتح فيها.
ثم أضاف بجدية
واضح إن الحكاية لسه بدأت حسن قبض على الدفتر بقوة.
وقال للضابط أنا جاي معاك.
فدوى مسكت طرف جلابيته بسرعة.
إوعى تروح لوحدك.
بصلها لحظة، ولأول مرة من ساعة كتب الكتاب، ابتسم ابتسامة خفيفة.
ولا هسيبك… ولا هسيب حق أبويا.
الضابط قال بحزم مفيش وقت. عربية الشرطة تحت.
قبل ما يتحركوا…
الحاج عبدالتواب فتح أول صفحة من الدفتر بسرعة.
استنى.
كلهم وقفوا.
أشار لسطر مكتوب بالقلم الأزرق.
الحاج محمود كان بيسجل كل قرش يدخل ويخرج… لكن كان عامل علامة معينة جنب أي عملية مشبوهة.
حسن قرب.
كانت العلامة عبارة عن نجمة صغيرة.
الحاج عبدالتواب قلب الصفحات بسرعة.
نجمة…
ونجمة…
ونجمة…
ثم وقف عند صفحة أخيرة.
وسكت.
حسن قال بقلق في إيه؟
رفع الدفتر قدامه.
في آخر الصفحة كان مكتوب
لو الصفحة دي اتفتحت،

يبقى أنا مت، أو حد حاول يضيع الحقيقة. الدليل الأخير مش هنا… الدليل في المخزن رقم 7.
الضابط رفع رأسه بسرعة.
المخزن اللي جالنا عنه البلاغ!
رد الحاج عبدالتواب أيوه… لكن فيه حاجة أخطر.
إيه هي؟
المخزن رقم سبعة من عشر سنين مقفول… ومحدش يعرف إنه فيه بدروم تحت الأرض.
الراجل صاحب البدلة، اللي كان ساكت من شوية، اتغيرت ملامحه تمامًا.
ولأول مرة فقد أعصابه.
صرخ محدش يروح هناك!
الضابط ابتسم.
يبقى أكيد هنروح.
تم تقييد الرجل والحرس، وخرجوا بيهم من البيت.
أما حسن، فقبل ما ينزل السلم، رجع بص لأمه.
كانت عينيها مليانة دموع… لكنها رفعت إيدها المرتعشة تدعيله.
وفدوى قربت منها، باست إيدها وقالت
اطمني يا أمي… هرجعهولك.
نزلوا بسرعة.
بعد أقل من عشر دقائق…
وصلت سيارات الشرطة قدام شونة الغلال القديمة.
المكان كان مهجور، والظلام مالي كل حتة.
لكن باب المخزن رقم 7…
كان مفتوحًا.
رغم إن الضابط أكد إنه كان مقفول بالشمع الأحمر من أسبوع.
حسن همس حد سبقنا.
دخلوا بحذر.
الأرض كانت مليانة تراب…
لكن كان فيه آثار أقدام حديثة.
وصلوا لنهاية المخزن.
ماكانش فيه أي حاجة.
الحاج عبدالتواب خبط بعصاه على الأرض.
مرة…
واتنين…
وفجأة…
طلع صوت أجوف.
ابتسم وقال
هنا.
بدأ رجال الشرطة يرفعوا ألواح الخشب القديمة.
وبالفعل…
ظهر باب حديدي صغير تحت الأرض.
وعليه قفل صدئ.
حسن أخرج المفتاح النحاسي اللي لقاه تحت مخدة أمه.
بص للحاج عبدالتواب باستغراب.
هو ده؟
هز رأسه.
جرب.
دخل المفتاح في القفل…
ولف بسهولة.
وانفتح الباب ببطء…
وخرج منه هواء بارد ورائحة مكان مقفول من سنين.
أضاء أحد الضباط الكشاف.
فنزل الضوء على سلالم حجرية تؤدي إلى غرفة واسعة تحت الأرض…
وفي آخر الغرفة…
ظهر صندوق حديدي ضخم.
لكن لم يكن هو أغرب ما في المكان.
الأغرب…
أن على الأرض، بجوار الصندوق مباشرة…
كان هناك كوب شاي لا يزال يتصاعد منه بخار خفيف.
يعني…
الشخص الذي دخل البدروم قبلهم بدقائق فقط…
ما زال في الداخل، يراقبهم من مكان لا يراه أحد حسن رفع إيده بسرعة، وأشار للجميع يسكتوا.
الصمت لف المكان.
ولا صوت…
غير نقطة مية بتنزل من السقف.
الضابط أمر رجاله ينتشروا بهدوء.
وفجأة…
خرج صوت من آخر الغرفة
ماحدش يقرب من الصندوق.
اتسلط ضوء الكشاف ناحية الصوت.
طلع رجل كبير في السن، دقنه بيضا، ولابس هدوم شغل قديمة.
الحاج عبدالتواب شهق.
سيد!
كان سيد الخفير القديم لمخازن والد حسن، والناس كلها كانت فاكرة إنه مات من سنين.
الرجل رفع إيده وقال بهدوء
أنا ما متش… أنا كنت بحرس الأمانة.
حسن قرب منه بحذر.
أمانة إيه؟
قال سيد
أبوك عرف قبل وفاته إن في ناس بتحاول تلبسه سرقة فلوس الناس. فجمع كل المستندات اللي تثبت الحقيقة، وحطها في الصندوق ده، وطلب مني أحرسه لحد ما ييجي اليوم اللي ابنه يفتح الصندوق بنفسه.
الضابط فتح الصندوق.
كان مليان دفاتر حسابات أصلية، وإيصالات، وعقود، وتسجيلات صوتية قديمة.
بعد مراجعة المستندات لساعات، اتكشفت الحقيقة كاملة.
والد حسن لم يسرق أموال أحد.
كان مجرد أمين على الأموال، لكن مجموعة من أصحاب النفوذ زوّروا أوراقًا، واستولوا على رأس المال، ثم حاولوا تحميله المسؤولية. وعندما رفض يوقّع على مستندات مزورة، تعرض لاعتداء أدى إلى وفاته، بينما سُجلت الوفاة على أنها سكتة قلبية.
كل الأموال التي دفعها حسن لسداد الديون كانت في الحقيقة حقوقًا سددها مرتين بسبب عملية الاحتيال.
أما الرجل صاحب البدلة، فاعترف بكل ما فعله بعدما واجهته المستندات، وكشف أسماء شركائه، وتم القبض عليهم جميعًا.
نورهان بكت وهي تعتذر لحسن.
قالت خفت… وسكت. وسكوتي كان غلط.
رد حسن بهدوء
الاعتذار بيرجع كرامة صاحبه… لكن الزمن ما بيرجعش.
ثم التفت إلى فدوى.
كانت واقفة كما هي، منذ أول يوم، تسانده دون أن تطلب شيئًا.
ابتسم لأول مرة من قلبه.
وقال أمام الجميع
أنا يوم كتب الكتاب كنت فاكر إني باخد منك عمرك… النهارده عرفت إن ربنا كان بيعوضني بيكي.
فدوى دموعها نزلت، لكنها ابتسمت.
بعد شهور، صدر الحكم برد اعتبار والد حسن، وإلغاء كل الاتهامات التي لاحقته بعد وفاته.
وأُعيدت لحسن حقوقه المالية وفق ما أثبتته المستندات، لكنه رفض أن يعيش كما كان.
أول شيء فعله أنه جمع أهل البلد في نفس المندرة التي وقف فيها يومًا يقول حقكم في رقبتي.
وقال لهم
النهارده اللي رجعلي من حقي، أولى بيه الناس اللي وقفت جنبي وقت الشدة.
فسدد ما بقي من أي حقوق معلقة، وساعد الأسر المحتاجة، وجدّد الشونة وشغّل فيها شباب القرية.
أما أمه، فمع العلاج والاهتمام، بدأت حالتها تتحسن شيئًا فشيئًا، وصار صوتها يملأ البيت بعدما كان الصمت رفيقها.
وفي كل مرة كان أحد يسأل حسن
إيه أغلى حاجة رجعتلك بعد كل اللي حصل؟
كان ينظر إلى فدوى، وهي تقدم الشاي لأمه بابتسامتها الهادئة، ثم يقول
الفلوس ممكن تضيع وترجع… لكن ربنا لما يرزقك بإنسانة تقف جنبك وقت الانكسار، دي نعمة ما تتقدرش بثمن.
تمت.

الصفحة السابقة 1 2 3

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *