ست ارمله

ست أرملة وعايشة لوحدها كانت شايلا حطب وماشية في خلاء.. وفجأة لقت راجل بيقع من طوله ويموت على الطريق وهو حاضن طفل رضيع.. مكنتش تعرف إن شيلتها للطفل ده هتفتح عليها طاقة جهنم، وتكشف سر قديم يزلزل البلد كلها!
إلى أهل قرية صغيرة وهادية في ريف الفيوم، سعاد مكنتش موجودة بالنسبة لهم أصلاً؛ كانت مجرد الست الأرملة الغلبانة اللي بتشيل حطب على ضهرها كل يوم الصبح، ومبتشيلش حطب وبس، دي كانت شايلة معاه حمل تقيل من الوحدة والكسرة بعد ما الناس اتخلوا عنها.
لكن في صباح يوم شتا ساقع، هدوء حياتها البسيطة اتمزع حتت.
لقت راجل غريب واقع على الأرض ومغمى عليه على حافة الطريق الترابي، وكان حاضن بين إيديه طفل رضيع نايم في سابع نومة. سعاد كان ممكن تكبر دماغها وتمشي وتسيبهم، وأصلاً ده نفس اللي أهل البلد عملوه معاها لما جوزها مات وسابوها لوحدها. بس هي اختارت اختيار تاني خالص.
رمت الحطب من على ضهرهاالحطب اللي كان هيدفيها في الليلة الساقعة ديوشالت الراجل الغريب والطفل الرضيع بكل قوتها، وأخدتهم على المكان الوحيد اللي تملكه في الدنيا دي كلها
بيتها المبني من الطوب اللبن.
الحكاية بدأت بعمل إنساني بسيط، بس اتحولت لشيء أكبر بكثير، شي جمع تلات أرواح وحيدة مفيش مخلوق في الدنيا كان عاوزهم أو سائل فيهم.
الراجل مكنش بينطق ولا كلمة في أول كام يوم، كان يدوب بيتنفس ببطء وصوت واطي جوه الأوضة القديمة اللي حيطانها شافت دفا ودعاء أكتر من الكلام. سعاد نيمته
براحة على المرتبة القطن القديمة اللي كانت بتاعة جوزها المرحوم عبد الحميد، وده كان المكان الوحيد في البيت اللي لسه فيه ريحة ريحتة الطيبة.. ومع ذلك، هي مترددتش ثانية واحدة.
حطت تحت راس الراجل الغريب أنضف قماشة تملكها، وغطت رجليه المشققة بلحاف قديم كانت شايلاه تحت السرير من سنين. أما الطفل الرضيع، فحطته جوه سبت خوص فرشت فيه قماش قديم ملون من بقايا الأيام اللي كانت بتخيط فيها هدوم لجيرانها.
سعاد سخنت مية من الطلمبة في طبق فخار، وبدأت تنظف رجلي الراجل براحة بقماش دافي.. رجليه كانت متشققة وبتنزف دم من كتر المشي لمسافات طويلة ميعلمهاش إلا ربنا. وكل ما كانت بتمسح التراب والدم الناشف، كانت بتدعي وتبتهل بصوت واطي جداً، بتكلم ربنا وبتطمن قلبها الخايف في نفس الوقت.
الطفل مكنش بيبكي خالص؛ كان نايم في أمان تام كأنه متأكد إن ربنا بعت له الست دي عشان تحميه. وبصتها للطفل الصغير ده حركت جواها وجع قديم مدفون بقاله سنين.. حنين، وشوق، وكسرة نفس؛ هي وعبد الحميد قضوا سنين يدعوا بالذرية الصالحة، بس بطنها عمرها ما شالت عيل. شهر ورا شهر، كانت بتبكي لوحدها ورا البيت وهي شايفا الجيران بيبنوا عائلات وبيربوا عيالهم حواليها.
ودلوقتي، القدر فجأة حط بين إيدها طفل.. مش من دمها، بس هي اللي اختارته.
عملت له شوية بليلة دافية باللبن، وبدأت تأكله بالمعلقة واحدة واحدة بالراحة، وكانت بتجرب سخونية الأكل على ظهر إيدها الأول عشان تضمن إنه مش سخن عليه. العيل كان بيبلع براحة ويسكت، كأنه بدأ يتعود على طعم الحنية والأمان.
في الوقت ده، الراجل الغريب كان لسه غايب عن الوعي ومبين الحياة والموت من كتر السخونية. سعاد كانت بتقعد تتأمل ملامحه؛ كان يبان لسه شاب صغير تحت كل التعب والوجع اللي باين على وشه. مكنش لابس دبلة، ومفيش معاه أي إثبات شخصية.. الحاجة الوحيدة اللي كانت معاه هي سلسلة من الخرز الأزرق على صدره، كأنها أثر من مكان بعيد أوي جه منه.
الوقت بدأ يمر غريب جوه البيت الصغير، الشمس تطلع وتغيب وكأن الدنيا وقفت تسأل الراجل ده يطلع مين وجاي منين؟ سعاد مسابتش جنبه لحظة، جسمها كان واجعها ومكسر من قلة النوم، بس قلبها كان صاحي ويقظ؛ كانت بتغير له الكمادات الساقعة، وتأكل الواد الصغير، وتغني له بصوت واطي الأغاني القديمة اللي أمها كانت بتغنيهالها أيام الضيق والوجع من سنين طويلة.
ولحد ما جه اليوم الثالث الصبح.. وحصلت حاجة غيرت كل حاجة وقبلت الطاولة!
يا ترى الراجل الغريب ده هيطلع مين لما يفوق؟ وإيه السر المرعب اللي مخبيه في هدومه وهيخلي أهل القرية كلهم يجروا وراه بالسلاح؟ وإزاي الطفل الصغير ده هيكون السبب في إن سعاد تواجه أكبر خطر في حياتها عشان تحميه؟





