خلف الستارة الاخير مايا خالد

بارت3
فاتت سنة كاملة على الليلة دي.
سنة بحالها وأنا بحاول أجمع بقايا نفسي. غيرنا شقتنا ونقلنا لمنطقة تانية خالص بعيد عن ذكريات “كريم” وعمارته وشباكه. نهى سافرت مع أهلها برا المحافظة كلها عشان تنسى الصدمة، وأنا بدأت أنزل الكلية تاني وأحاول أعيش سنّي، بعد ما أحمد طمني إن كريم في السجن المشدد، ومقضي عقوبته وورا الحديد.
الحياة بدأت ترجع لطبيعتها.. أو ده اللي كنت دايماً بوهم نفسي بيه.
في يوم، كنت قاعدة في كافيتريا الكلية مع أصحابي الجداد، بنضحك ونتكلم، وفجأة تلفوني نور على الطاولة. شاشة التلفون مكنش عليها “رقم غريب”.. كان مكتوب: (رقم خاص – Private Number).
قلبي سقط في رجلي، والضحكة جمدت على شفايفي للمرة الألف. أصحابي للاحظوا وواحدة منهم قالتلي: “مالك يا هند؟ وشك اتقلب ليه؟ ردي يمكن حد تبعك.”
أخدت التلفون وقمت وقفت بعيد، فتحت الخط وأنا بدعي في سري إنها تكون شركة إعلانات أو أي حد بيغلس. حطيت السماعة على ودني ومطقتش.
جه الصوت.. بس مكنش صوت كريم.
كان صوت ست كبيرة، صوتها مبحوح وبتعيط بكسرة:
— “يا بنتي.. أنا طنط سعاد، أم كريم.. أبوس إيدك اسمعيني ومتقفليش السكة.”
نفسي هدي شوية لما عرفت إنها أمه، بس فضلت حذرة:
— “أهلاً يا طنط.. عايزه إيه؟ أظن ابنك أخد جزاءه، وأنا مش عايزة أسمع السيرة دي تاني.”
الست انفجرت في العياط:
— “والله يا بنتي أنا عارفة إنه غلطان ومريض واستاهل كل اللي جرى له.. بس أنا بكلمك من المستشفى.. كريم اتقطع عليه في السجن من كام يوم من مساجين تانيين، وحالته خطر.. وهو بيموت يا هند، مش طالب غير حاجة واحدة بس.. عايز يسامحك وتسامحيه، وطالب يشوفك نظرة أخيرة قبل ما يقابل ربنا.. الدكتور قال هي ساعات.. أرجوكي يا بنتي، تعالي معايا المستشفى، اعتبريني زي أمك.”
وقفت مكان مذهولة. كريم بيموت؟ الشخص اللي دمر حياتي ورعبني وكان عايز يقت*لني، بيلفظ أنفاسه الأخيرة؟
الرحمة والإنسانية جوايا صرخوا إني لازم أروح، خصوصاً إن أحمد هيكون معايا ومفيش خطر، وفي نفس الوقت، كان في صوت جوايا بيقولي: “كريم دايماً وراه فخ.”
اتصلت بأحمد وحكيت له، أحمد استغرب جداً بس قال لي: “أنا هتحرى من المستشفى العسكري وجاي لك فوراً.. متتحركيش.”
بعد ساعة، أحمد جالي ووشه عليه علامات حيرة: “الكلام بجد يا هند، كريم فعلاً في العناية المركزة بعد خناقة كبيرة في السجن، وحالته حرجة جداً والدكاترة بيقولوا مسألة وقت. لو عايزة تروحي تقفلي الصفحة دي وتريحي ضميرك.. أنا معاكي ومش هسيبك خطوة.”
رحنا المستشفى. الأجواء كانت كئيبة، وريحة المطهرات تزيد الرعب. وصلنا الدور الخاص بالمساجين المحتجزين، وكان في حراسة على الباب. طنط سعاد كانت قاعدة بره ووشها دبلان، أول ما شافتني جريت عليا وبوّست إيدي: “شكراً يا بنتي.. شكراً إنك جيتي.”
الدكتور سمح لي أدخل أنا وأحمد بس.
دخلت الأوضة.. الأجهزة كانت بتصفر بانتظام، وكريم كان نايم على السرير، وشه شاحب جداً، ومليان جروح وضمادات، وعينيه مقفولة. شكله مكنش يوحي بأي شر.. كان مجرد جسد ضعيف بيموت.
قربت من السرير ببطء، وأحمد واقفت ظهره للباب وعينه عليه.
همست بصوت واطي: “كريم..”
حواجب كريم اتحركت، وفتح عينيه ببطء شديد.. أول ما شافني، ملامحه متغبرتش لجنون زي زمان، بالعكس، عينيه دمعت، وشفايفه اترعشت. شاور لي بإيده التانية السليمة اللي مش متثبتة في السرير عشان أقرب.
وطيت برأسي شوية عشان أسمع صوته الضعيف وهو بيلهث:
— “هند.. سامحيني.. أنا.. أنا كنت مريض بيكي.. مش هتشوفيني تاني خلاص..”
هزيت رأسي وأنا دموعي نزلت غصب عني من هول المنظر: “مسامحاك يا كريم.. ربنا يتولاك.”
كريم ابتسم ابتسامة باهتة، وتحرك ببطء كأنه بيطلع حاجة من تحت المخدة بتاعته.. الممرضة كانت دخلت في اللحظة دي تغير المحلول. كريم طلع ورقة صغيرة مطوية جداً، وحطها في إيدي وضغط عليها، وهمس بآخر نفس عنده:
— “دي.. دي عشان ترتاحي.. السلسلة.. وكل حاجة.”
في ثانية.. جهاز ضربات القلب طلع صوت صفارة مستمرة.. بيييييييييييييييب.
الدكتور والممرضين جريوا، وأحمد سحبني بسرعة وخرجنا بره الأوضة والكل بيجري.. كريم مات.
وقفنا في الممر، وأنا مصدومة.. مش قادرة أستوعب إن الكابوس انتهى بجد، وإن الشخص ده خلاص مبقاش موجود في الدنيا.
افتكرت الورقة اللي في إيدي. فتحتها وأنا بترعش عشان أشوف كريم كتب لي إيه وهو بيموت.. تفتكروا كتب إيه؟ اعتذار؟
الورقة كان مكتوب فيها بخط إيد منظم جداً، نفس الخط اللي كان على علبة الهدايا القديمة:
“التمثيلية دي كلفتني كتير.. والراجل اللي نايم على السرير ده دفع ماله وصحته عشان ياخد مكاني في السجن وفي الموت.. الشريحة الجديدة معاكي في الشنطة يا هند.. مستني مكالمتك برضه.”
نزل عليا صمت رهيب.. بصيت لأحمد اللي كان بيكلم العساكر، وبصيت للورقة.. وسمعت صوت تلفون بيرن.. مش تلفوني.. صوت تلفون جاي من جوة شنطتي، رقم جديد خالص مكنتش أعرفه!
بقلم مايا خالد
الدنيا لفّت بيا، والممر كله اتهز تحت رجلي. أنا كنت واقفة وسط دكاترة وعساكر وأخويا الظابط واقف على بعد خطوتين مني، ومع ذلك حسيت إني لوحدي تماماً في كوكب مهجور.. الكابوس مامتّش، الكابوس كان بيمثّل إنه بيموت!
الصوت اللي جاي من جوة شنطتي مكنش بيرن رنة عادية، دي كانت النغمة القديمة بتاعت صندوق المزيكا.. النغمة اللي بتخلّي دمي يتجمد.
إيدي امتدت جوة الشنطة كأنها بتتمد في جحر تعابين. صوابعي لمست تلفون صغير وزرار، مش تلفوني خالص! سحبته براحة.. الشاشة كانت بتنوّر وتطفي برقم غريب.
أحمد لمحني وأنا واقفة متخشبة وتلفون غريب في إيدي، قفل كلامه مع الدكتور وجري عليا:
— “هند! إيه التلفون ده؟ جيت منين؟!”
ملحقتش أرد، صباعي داس على زرار الرد لوحده من كتر الصدمة، وفتحت السبيكر..
جه الصوت.. النبرة الهادية، البطيئة، اللي فيها بحة ثقة تخلي العضم يقشعر.. مكنش صوت حد بيموت، كان صوت حد في كامل قوته وصحته:
— “البقاء لله فيا يا هند.. عشتي اللحظة وعيطتي عليا كمان؟ تؤ تؤ، مكانش العشم.. أنا قولتلك أنا في كل مكان حواليكي، بس إنتي اللي لسه مش عايزة تصدقي.”
أحمد شد التلفون من إيدي وزعق بعلو صوته في الممر، لدرجة إن الحرس كلهم انتبهوا:
— “كريم!! أنت فين يا ابن الـ…؟ اللي جوة ده مين؟! أنطق!”
كريم ضحك ضحكة باردة وطويلة:
— “أهلاً يا سيادة الظابط.. وحشتني عصبيتك. اللي جوة ده؟ ده مسجون غلبان، محكوم عليه بالإعدام في قضية تانية ومقطوع من شجرة، شبهمي قوي سبحان الله.. الفلوس بتعمل معجزات يا أحمد بيه، والنفوذ بيخلي النفوس تبيع أي حاجة.. أهو خد مكاني، وخرجت أنا في وسط لمتكم ومن غير ما حد يحس.”
أحمد عيونه كانت هتطلع من مكانها، وبص للدكتور وزعق: “اقفلوا المستشفى!! محدش يخرج!! ارفعوا البصمات عن الج*ثة فوراً!!”
كريم كمل وكأنه سامع حركتنا:
— “مفيش داعي للتعب يا أحمد.. أنا خرجت من المستشفى من ربع ساعة بالظبط.. وبصراحة كدة، أنا زهقت من قعدة مصر والمطاردات دي.. أنا مسافر، وطيارتي كمان ساعتين.”
أحمد صرخ فيه:
— “مش هتلحق تخرج من المطار يا كريم! اسمك هيتوزع على كل الموانئ والمطارات في دقيقة!”
كريم ضحك بثقة ترعب:
— “باسم مين يا فالح؟ كريم خلاص مات رسمي وج*ثته جوة والثلاجة مستنياه.. أنا معايا جواز سفر جديد، وباسم جديد، وشكل جديد.. بس في حاجة واحدة م اتغيرتش.. هند.”
الصوت فجأة اتقلب لحدة ووعيد، ووجه كلامه ليا:
— “أنا هسافر يا هند.. بس مش هسيبك. التلفون ده هيفضل معاكي، وكل بلد هروحها، هبعتلك تذكرتك عشان تحصلي أول ما أستقر.. لو فكرتي تقفليه، أو أخوكي حاول يعمل ذكي.. افتكري إن نهى وأمها، وأمك إنتي كمان، لسه عايشين في مصر.. وأنا رجالي دايماً صاحيين. باي باي يا هند.. أشوفك في بلد جديدة.”
الخط قطع.. والإرسال راح تماماً.. التلفون اللي في إيد أحمد اتحرق البوردة بتاعته فجأة وطلع دخان رمادي صغير.. تدمير ذاتي!
أحمد رمى التلفون في الأرض وهو بيشتم بهستيريا، وجري مع العساكر عشان يعملوا تحريات ويقلبوا الدنيا.. بس أنا كنت عارفة إنها فوتت.. كريم خطط لكل حاجة بالملي وسنتين السجن دول كانوا مجرد وقت بيرتب فيه لهروبه الكبير.
فات شهر.. وشهرين.. وسنة كمان.
إحنا دلوقتي في سنة 2026.. كريم مظهرش تاني، مفيش أي مكالمات جت، ومفيش أي هدايا اتلقت على السرير. أحمد اترقى وبقى بيموت نفسه في الشغل عشان يوصل لأي خيط، بس كريم اختفى كأنه فص ملح وداب.. مات في الورق، وعايش في الحقيقة.
أنا حاولت أكمل حياتي.. اتخرجت، واشتغلت، وبقيت بخرج وبمشي في الشارع عادي.. بس الحقيقة إني م بمشيش لوحدي.
كل ما بسافر مكان، كل ما بدخل مطار، كل ما بفتح بريدي الإلكتروني وألاقي رسالة من عنوان مجهول فيها صورة ليا وأنا ماشية في الشارع وعليها إيموجي “قلب”.. بعرف إن الكابوس م انتهىش.
كريم مسافرش عشان يهرب مني.. كريم سافر عشان يوسع الدايرة.. وأنا لسه عايشة جوة دايرته، مستنية اليوم اللي هيتبعتلي فيه “أمر الاستدعاء”.ومع كل صورة كانت بتوصلي، كنت بحس إن حبل المشنقة بيقرب من رقبتي أكتر. أنا مبقتش هند بتاعة زمان، الضحكة م دخلتش بيتنا من يومها، وأحمد أخويا بقى زي المجنون، ليله بانهاره شغال على القضية دي “غير الرسمية” لأن بنظر القانون.. كريم مات واندفن.
لحد ما جه اليوم اللي غير كل حاجة.. يوم 9 يوليو 2026.
كنت قاعدة في الصالة مع أمي، بنشرب شاي وبنحاول نعيش يوم طبيعي، وفجأة جرس الباب رن. قمت فتحت، ملقيتش حد.. بس لقيت على الأرض ظرف أسود شيك جداً ومكتوب عليه اسمي بخط يده المألوف.
سحبت الظرف ودخلت أوضتي بسرعة قبل ما أمي تلمحني. فتحته وإيدي بتترعش.. كان جواه تذكرة طيران “ذهاب فقط” لبلد أوروبي، ميعادها بعد 48 ساعة بالظبط، ومعاها ورقة صغيرة مكتوب فيها:
“المرادي مفيش شروط، ومفيش تهديد.. أنا مستنيكي في المطار هناك. لو مجيتيش، الصورة اللي في ظهر الورقة دي هتتنفذ.”
قلبت الورقة.. وجسمي كله اتجمد.
الظهر كان فيه صورة حية ومباشرة لأحمد أخويا وهو نازل من عربية الشغل، وفي “ليزر أحمر” بتاع قناص متوجه على نص دماغه بالظبط! الصورة كانت متصورة من دقايق مش أكتر!
المرة دي م عيطتش.. الدموع هربت مني وحل مكانها برود مرعب. عرفت إن الهرب ملوش لازمة، وإن المواجهة هي الحل الوحيد.. بس مش بطريقته هو، بطريقتي أنا.
اتصلت بأحمد وجاء البيت فوراً، لما شاف الصورة والتذكرة ملامحه اتقلبت لغضب جنوني، وكان عايز يقلب الدنيا، بس أنا مسكت إيده وقولتله بهدوء غريب:
— “أحمد.. إحنا هنعمل اللي هو عايزه.. أنا هسافر.”
أحمد صرخ: “أنتي اتجننتي يا هند؟! عايزاني أسيبك تروحي للموت برجليكي؟!”
رديت بابتسامة ثقة: “لا يا أحمد.. أنا هروح ومعايا أنت.. ومعايا المخابرات.. ومعايا الإنتربول. كريم فاكر إنه دايماً خطوة قدامنا، بس هو نسى حاجة واحدة.. إنه لما هيروح المطار يستقبلني، هيكون مكشوف تماماً وبره أرضه، وفي منطقة دولية مفيهاش رجاله بتوعه.”
الـ 48 ساعة عدوا كأنهم دهر. أحمد رتب مع أجهزة الأمن الدولية والإنتربول، وتم التنسيق في السر التام عشان محدش من رجالته جوة مصر يحس بحاجة.
يوم السفر.. وقفت في مطار القاهرة، أخدت نفس عميق وبصيت ورايا لأحمد اللي كان واقف بعيد بيلبس لبس مدني وبيأمن ممر خروجي. ركبت الطيارة، وطول الرحلة كنت بفتكر كل لحظة رعب عشتها بسببه.. من أول “البيجامة الوردي” لحد ليلة المستشفى.
الطيارة هبطت.. نزلت المطار وبدأت أتحرك وسط زحمة المسافرين الأجانب. قلبي كان بيدق زي الطبلة، وعيني بتدور في كل مكان. خرجت لصالة الاستقبال.. وفجأة.. لمحته.
كان واقف بعيد، ملامحه اتغيرت فعلاً وعامل عملية تجميل بسيطة في مناخيره ومغير قصة شعره، ولابس بدلة شيك جداً، بس عيونه.. عيونه الهيستيرية المريضة هي هي. كان ماسك باقة ورد أحمر وواقف مستنيني بابتسامة انتصار.. فاكر إنه كسب اللعبة خلاص.
مشيت ناحيته بخطوات بطيئة، وأنا باصة في عينيه مباشرة. أول ما قربت منه، ملامحه نورت وقالي بنبرته البطيئة:
— “حمدالله على السلامة يا هند.. قولتلك الشريحة الجديدة مش هتبعدني عنـ…”
ملحقش يكمل جملته.. في ثانية، أربعة من رجال الأمن الدوليين (الإنتربول) بلبس مدني هجموا عليه من ظهره ونزلوه الأرض في نص الصالة، والورد الأحمر اتبعثر في كل مكان!
كريم اتصدم، وبدأ يصرخ بهستيريا وهو بيبصلي: “هند!! أنتي عملتي إيه؟! أنا هقت*لك! هق*تل أخوكي!”
في اللحظة دي، أحمد ظهر من ورايا، وقرب منه وثبته في الأرض وهو بيطلع الكلبشات الدولية وبيقوله بابتسامة تشفي:
— “أخوها هو اللي كبّشك يا كريم.. اللعبة خلصت بره وجوة مصر، ورجالتك اللي كانوا بيراقبوني اتقبض عليهم كلهم من ساعتين.. أنت مبقاش عندك كروت تلعب بيها.”
كريم كان بيترعش وبيتلوى في الأرض زي التعبان اللي اتكسر سمه، وعينيه كانت مليانة غل وذهول مش مصدق إن البنت اللي كان بيرعبها بمكالمة عشوائية، هي هي البنت اللي جرجرت رجله لأكبر كمين في حياته.
سحبوه بره الصالة وهو بيصرخ وبصماته الدولية كشفته تماماً.. وبصيت أنا لأحمد وأخدت أعمق نفس في حياتي.
أنا دلوقتي راجعة مصر.. راجعة عشان أعيش حياتي بجد، من غير رعب، من غير شبابيك مقفولة، ومن غير خوف من أي رقم غريب. اللعبة بدأت بمكالمة عشوائية تافهة.. بس انتهت بإن الكابوس انقبر.. للأبد.
تمت بقلم مايا خالد





