روايه كامله للكاتبه شروق خالد

الخادمة التي لم تخف من الوحش الجالس على الكرسي المتحرك
استيقظت في منتصف الليل وشعرت بأحدهم يستلقي بجانبي.
وصلت يدي على الفور إلى المسدس المخبأ تحت وسادتيلكن عندما نظرت إلى الأسفل، تجمدت في مكاني، لأن الشخص الموجود في فراشي كان المرأة الوحيدة في قصري التي لم تخف مني قط.
قبل عامين، جردتني رصاصة قناص من القدرة على استخدام ساقيّ.
قبل تلك الليلة، كنت أسيطر على نصف العالم السفلي في القاهرة من قاعات الاجتماعات، والأندية الخاصة، والسيارات المصفحة. وبعدها، ظلت الإمبراطورية ملكي، لكنني صرت أحكمها من كرسي متحرك مصمم خصيصاً لي داخل قصر بملايين الجنيهات تحول ببطء إلى سجني الخاص.
ولم يكن الشلل هو الجزء الأسرع سوءاً.
بل كان الألم الوهمي.
في بعض الليالي، كان ألم جارف يمزق ساقين لا تشعران بغرزة إبرة، بينما تذكرت مخيلتي أريج الرصيف تحت قدمين لن تحملاني مجدداً.
تعلم الناس تجنبي.
استقال الممرضون.
وقدم المعالجون استقالاتهم.
حتى الرجال المسلحون كانوا يخفضون أبصارهم عندما أدخل الغرفة.
في إحدى الليالي العاصفة، دخل نائبي عمر إلى مكتبي وألقى بلوح كتابة على طاولتي.
المعالج الاستقال.
كاد رأسي لا يرتفع. ابحث عن غيره.
هذا هو الثالث هذا الشهر يا دانيال.
كان يتحدث معي وكأنني في الخامسة من عمري.
لقد ألقيت بثقالة الورق على رأسه.
حدقت فيه بغضب.
لم يتحرك عمر.
قال بصوت خفيض هذا البيت لم يعد قلعة، إنه قبر، وأنت تدفن نفسك داخله.
في الليلة نفسها، وصلت إيمان.
كانت في السادسة والعشرين من عمرها، وتعمل بالفعل تسع ساعات في مطعم شعب قبل أن تستقل حافلتين عبر القاهرة لتنظيف قصري ليلاً.
خمسمائة جنيه في الساعة.
كان هذا هو سبب مجيئها.
والدتها تعيش في دار لرعاية مصابي آلزهايمر، والمحصلون لا يتوقفون عن الاتصال، والإرهاق ترك ظلالاً دائمة تحت عيني إيمان.
أعطتها كبيرة الخدم ثلاثة قوانين
لا تحدقي فيه.
لا تتحدثي إلا عند الضرورة.
لا تمسي معداته الطبية أبداً.
سألت إيمان ببساطة من أين أبدأ؟
التقيتها في تلك الليلة بينما كانت تجثو على ركبتيها في الممر الخاص بي، تنظف حواف الجدران.
من تكونين بحق السماء؟
إيمان. التنظيف الليلة.
ثم عادت إلى عملها.
لا أحد يتجاهلني في بيتي.
لم أصل لكِ واصلي التنظيف.
جلست إيمان ببطء على عقبيها.
هل تريد مني أن أتوقف عن العمل؟
حدقت فيها.
لأنني إذا توقفت، لن أتقاضى أجري. وإذا لم أتقاضَ أجري، لن أتمكن من البقاء هنا.
لبضع ثوانٍ، لم أعرف ماذا أقول.
أنهي الممر.
مرت الأسابيع.
بطريقة ما، أصبحت إيمان الشخص الوحيد الذي لا يمشي على أطراف أصابعه حولي.
صرخت في وجه الطهاة، وطردت الممرضين، وأخفت كل من حول تقريباً.
كانت إيمان تنظف حول غضبي وكأنه بقعة أخرى لا تملك وقتاً لتضييعه في الشجار معها.
ثم، في حدود الساعة الثانية من صباح أحد أيام الثلاثاء، تمزقت روحي بسبب الألم الوهمي.
وجدتني إيمان منحنياً على كرسي المتحرك، والعرق يغطي وجهي.
اخرجي، هسست بغضب.
أين حبوبك؟
اخرجي.
المطبخ أم الحمام؟
المطبخ. على يسار الحوض.
عادت بحبة واحدة وماء.
حبتين.
قرأت إيمان العلبة.
لا.
حكايات_شروق_خالد
التقطت عيناي حركتها بفزع. لا؟
حبة واحدة كل ست ساعات.
أنتِ تعملين لحسابي.
ويبدو أن ذلك يشمل ليلة اليوم منعك من ارتكاب حماقة.
ثم نظرت إلى صينية العشاء التي لم ألمسها.
أنت لم تأكل أيضاً.
كان يجدر بي طردها.
بدلاً من ذلك، ابتلعت الحبة.
بعد تلك الليلة، بدأت ألاحظ أشياء عن إيمان.
كانت يداها ترتجفان أحياناً تحت سلال الغسيل.
وتتعثر عندما تعتقد أن أحداً لا يراقبها.
وأحياناً تتكئ على الجدار وتغلق عينيها لبضع ثوانٍ قبل أن تواصل.
قلت لنفسي إن الأمر لا يعنيني.
ثم في إحدى الليالي، استيقظت فجأة.
شيء دافئ يضغط على جانبي.
شخص ما في فراشي.
انزلقت يدي تحت وسادتي وأغلقت على المسدس.
ثم نظرت إلى الأسفل.
وتجمدت.
لم تكن مستيقظة.
كانت إيمان نائمة بالكامل، رأسها مستند على حافة الفراش وجسدها المنهك ملقى بجانبي. كانت ما تزال ترتدي ملابس العمل، وفي يدها زجاجة دواء وميزان حرارة.
شعر جبهتها كان مبتلاً بالعرف، وتنفسها ثقيل ومجهد.
سحبت يدي ببطء من تحت الوسادة، وأبعدت المسدس. أدركت حينها ما حدث في منتصف الليل، أثناء نوبة ألمي الخفيفة، ألمّت بها حمى شديدة نتيجة الإرهاق الفادح الذي تحمله جسدها لأسابيع دون راحة. كانت قد جاءت لتعطيني دواء السخونية، لكن جسدها انهار من التعب وسقطت بجواري دون أن تشعر.
حدقت في وجهها لفترة طويلة. المرأة التي يرتعد منها أباطرة السوق في القاهرة، والتي تتحدى غضبي كل ليلة، كانت تبدو الآن ضئيلة وهشة للغاية.
رفعت يدي المترددة، ولمست جبهتها. كانت حرارتها مرتفعة جداً.
ضغطت على زر الاستدعاء بجانب السرير. في دقائق، دخل عمر مسرعاً والمسدس في يده، يتوقع الخطر، لكنه تجمد عندما رآني أومئ له بهدوء نحو إيمان.
اطلب الدكتور الخاص فوراً، قلت بصوت خفيض ونبرة لم يسمعها مني منذ حادثة إطلاق النار. وهات غطاء إضافي.
نظر عمر إليّ بدهشة، ثم إلى إيمان، وأومأ برأسه قبل أن يخرج مسرعاً.
خلال الساعات التالية، لم أنَم. جلست بكرسيّ المتحرك بجانب السرير، أراقب الطبيب وهو يضع لها المحاليل، وأقيس حرارتها بنفسي كل نصف ساعة. ليلتها، ولأول مرة منذ سنتين، نسيت ألم ساقيّ الوهمي.. لأن عقلي كان مشغولاً بحماية الشخص الوحيد الذي أصلح شيئاً مكسوراً في داخلي.
حكايات_شروق_خالد
عندما أشرقت الشمس، فتحت إيمان عينيها ببطء.
نظرت حولها بشرود، وعندما رأت المحاليل المعلّقة ورأتني أجلس بجوارها، اتسعت عينها برعب وحاولت الاعتدال بسرعة دانيال بيه! أنا أسفة.. أنا مش عارفة إيه اللي حصل، أنا بس…
اهدئي، قلتها بصوت هادئ، وأمسكت بيدها لأول مرة.
تجمدت هي الأخرى، ونظرت إلى يدي التي تحتضن يدها.
أنتِ حرارتك كانت 40، واصلت كلامي بثبات. ومن النهاردة، شغلك في المطعم انتهى. أمك هتتنقل لأحسن مستشفى في مصر، وكل ديونك مدفوعة.
حدقت فيّ بذهول والدموع تتجمع في عينيها أنا مش أقبل صدقة…
قاطعتها بابتسامة خفيفة لأول مرة منذ أعوام دي مش صدقة.. دي شروطي عشان تفضلي شغالة هنا. أنا محتاج حد يمنعني إني أعمل حماقات كل ليلة.. وأنتِ الوحيدة اللي ما بتخافيش مني.
ساد الصمت الغرفة لبضع لحظات. كانت إيمان تطالعني بنظرة تجمع بين الذهول والعزة، ثم مسحت دمعة هربت من طرف عينها وقالت بصوت بحّه التعب بس أنا مش هسيب شغلي إلا بشرط واحد يا دانيال بيه.. التعامل هنا يتغير،





