الملك

الملك وعد بنت غلبانة من عامة الشعب إنه يتجوزها لو قدرت تروّض حصانه الجامح لكن اللي حصل تاني يوم خلّى القصر كله يتجمد من الصدمة، ولما اكتشف الملك الحقيقة، عرف إنه كان بيحكم على حصانه بالظلم طول الأسابيع اللي فاتت!
من كام أسبوع، مكنش فيه كلام في المملكة كلها غير عن حصان واحد بس.
حصان أسود ضخم، شكله يخطف العين من أول نظرة، ومن سلالة نادرة جدًا لدرجة إن الملك دفع فيه ثروة ضخمة عشان يشتريه من أشهر مربي خيول في البلاد البعيدة.
كان الملك متخيل إن الحصان ده هيكون أعظم حصان في مملكته، وهيظهر قدام الجميع وهو بيركبه وسط احتفالات ضخمة، وهيبقى رمز لقوته وهيبته.
لكن اللي حصل كان عكس كل توقعاته تمامًا.
من أول يوم دخل فيه الحصان الإسطبل الملكي، رفض تمامًا إنه يقبل أي شخص يقترب منه.
وبالأخص الملك.
كل ما الملك كان يقرب منه، الحصان كان بيرجع ودانه لورا، ويبدأ يصهل بصوت عالي، ويرفع جسمه على رجليه الخلفيتين، ويضرب الأرض بحوافره بعنف.
وفي كذا مرة، كان قريب جدًا من إنه يصيب حتى أمهر العاملين في الإسطبل.
وفي مرة، اندفع ناحية البوابة الخشبية وضربها بحافره بقوة شديدة لدرجة إنها اتكسرت نصين.
حاول رجال الإسطبل السيطرة عليه بالقوة.
حاولوا يربطوه.
حاولوا يحطوا له لجامًا تقيلًا.
وحاولوا يخوفوه عشان يجبره على الطاعة.
لكن كل مرة كانوا بيستخدموا فيها القوة ضده،
كان الحصان بيزداد شراسة.
ومرت الأيام.
أسبوع وراء أسبوع.
والحصان حالته كانت بتسوء أكتر.
بقى بياكل قليل جدًا.
ونومه بقى متقطع.
وكان طول الوقت متوتر، بيتحرك بعصبية، ويرفض تمامًا إن أي شخص يدخل عنده.
حتى أمهر رجال الإسطبل، اللي كانوا متعودين يتعاملوا مع أخطر الخيول، بدأوا يخافوا من الدخول إليه.
وفي صباح أحد الأيام، قرر أحد الجنود إنه ينهي الموضوع بطريقته.
أمسك لجامًا حديديًا ثقيلًا، ودخل إلى الإسطبل.
حاول يضعه حول رأس الحصان بالقوة.
لكن في لحظة واحدة، رفع الحصان جسمه وضرب الرجل بحافره.
سقط الجندي على الأرض فاقدًا للوعي.
وظل في حالة خطيرة لعدة أيام.
بعد الحادثة دي، انتشر الخوف في القصر كله.
بدأ البعض يقول
لازم نبيع الحصان ده لأي حاكم تاني قبل ما يقتل حد!
وقال آخرون
الحيوان ده خطر ومفيش أمل في ترويضه.
وبعضهم اقترح التخلص منه نهائيًا.
حتى الملك نفسه بدأ يندم على الأموال الهائلة اللي دفعها فيه.
كان واقف ذات يوم أمام الإسطبل، ينظر للحصان من بعيد، وملامح الغضب والندم واضحة على وجهه.
وفي اللحظة دي، لاحظ فتاة صغيرة كانت تقف بعيدًا عن الجميع.
اسمها ماري.
كانت بنت مزارع فقير، وكانت قد بدأت العمل في القصر منذ فترة قصيرة كمساعدة في الإسطبل.
لم تكن من النبلاء.
ولا كانت تملك أي خبرة كبيرة مثل رجال الملك.
لكن كان عندها شيء مختلف.
بينما كل الناس كانوا بيحاولوا يبعدوا عن الحصان، كانت ماري بتروح كل يوم وتقف أمام إسطبله.
لا تضربه.
لا تصرخ عليه.
ولا تحاول تلمسه.
كانت فقط تقف وتنظر إليه لفترة طويلة.
وفي أحد الأيام، لمحها الملك وهي واقفة أمام الحصان.
اقترب منها وسألها
إنتِ واقفة هنا ليه؟ مش خايفة منه؟
رفعت ماري عينيها للملك، وقالت بهدوء
أنا مش اللي المفروض أخاف منه.
استغرب الملك.
أمال مين اللي المفروض يخاف؟
بصت للحصان وقالت
هو.
الملك عبس.
إيه الكلام الغريب ده؟
قالت ماري
الحصان ده مش غاضب لأنه وحش أو جامح.
ثم سكتت لحظة وأضافت
هو بس مبقاش واثق في أي حد.
الكلام ده خلّى رجال البلاط يبصوا لبعضهم باستغراب.
إزاي بنت بسيطة تتكلم مع الملك بالشكل ده؟
لكن ماري كملت
كل الناس بتحاول تخليه يخاف منهم، عشان يطيعهم.
ثم نظرت إلى الملك مباشرة وقالت
بس الخوف عمره ما بيخلّي حد يثق فيك.
سكت الملك للحظات.
ثم ابتسم بسخرية.
واضح إنك فاهمة في الخيول أكتر من رجالي!
ردت ماري
يمكن.
ضحك الملك.
وقال
طيب، بما إنك شاطرة أوي كده جربي بنفسك.
رفعت ماري حاجبها.
أجرب إيه؟
قال الملك
تروّضيه.
ثم اقترب منها وقال
ولو قدرتِ تخلي الحصان يطيعك، هديكي أي حاجة تطلبيها.
سألته ماري
أي حاجة؟
قال
أي حاجة.
نظرت إليه للحظات.
ثم قالت بمنتهى الهدوء
إذًا أنا عايزة أتجوزك.
ساد الصمت.
صمت كامل.
الملك نفسه اتفاجئ.
وبعد ثوانٍ، انفجر رجال البلاط والجنود والعمال بالضحك.
بنت فقيرة من عامة الشعب تطلب تتجوز الملك؟
كان الأمر بالنسبة لهم نكتة لا تُصدق.
حتى الملك نفسه ضحك.
ثم قال
إنتِ جريئة أوي بالنسبة لبنت بسيطة.
ردت
يمكن.
قال الملك
طيب، اتفقنا.
ثم أضاف
لو الحصان أطاعك بكرة من نفسه، أنا هفي بوعدي وأتجوزك.
هزت ماري رأسها بهدوء.
ولم تقل شيئًا آخر.
كان الملك متأكدًا إنها في اليوم التالي هتندم على كلامها.
لكن اللي حصل صباح اليوم التالي كان شيء محدش في القصر كله توقعه.
في الصباح، تجمع تقريبًا كل سكان القصر أمام الساحة الكبيرة.
رجال البلاط.
الجنود.
عمال الإسطبل.
الخدم.
وحتى بعض النبلاء اللي سمعوا عن التحدي وجاءوا عشان يشوفوا النهاية.
الجميع كان مستني يشوف ماري وهي تفشل.
كان الملك واقف في المقدمة، وعلى وجهه ابتسامة واثقة.
وبمجرد ما شاف الحصان الجمهور، بدأ يتوتر.
رفع رأسه.
وصهل بصوت عالٍ.
وضرب الأرض بحوافره.
ثم بدأ يجري بعنف داخل الساحة.
قال أحد الرجال ساخرًا
شكلها هتجري من أول دقيقة!
ضحك آخر
دي مش هتلحق حتى تقرب منه!
لكن ماري دخلت الساحة بهدوء.
من غير سوط.
من غير حبل.
من غير سلاح.
ولا حتى لجام في إيدها.
وبمجرد ما الحصان شافها، اندفع ناحيتها بسرعة مخيفة.
صرخ الجمهور.
وتراجع بعض الناس للخلف.
الملك نفسه وقف للحظة وكأنه يستعد لإصدار أمر بإيقافها.
لكن ماري
لم تتحرك.
ولا خطوة واحدة.
فضلت واقفة مكانها.
والحصان بيقرب منها بسرعة.
أمتار قليلة فقط أصبحت تفصل بينهما.
ثلاثة أمتار
متران
متر واحد
وفجأة
الحصان توقف.
توقف تمامًا أمامها.
كأن شيئًا منعه في آخر لحظة.
ساد الصمت في المكان.
لم يعد أحد يتكلم.
حتى الملك نفسه لم يعد يبتسم.
لم يكن يُسمع سوى صوت أنفاس الحصان الثقيلة.
رفعت
لمحة نيوز





