السبوع

:طحصري لصفحة روايات رولا
في سبوع ابني، جوزي زق الكرسي اللي أُمي كانت رايحة تقعد عليه… وفي نفس اللحظة حماتي صرخت فيها وقالت:
— “يا بلديّ يا فلاحين، بره من هنا!”
لما شفت أمي مرمية على الأرض، مدمية ومتهانة قدام الكل، عملت مكالمة واحدة بس… وفي خلال دقائق، حياة جوزي بدأت تتهد فوق دماغه قطعة قطعة.
— “لو أمك مش عارفة أصول الذوق والتصرف، يبقى تطلع بره أفضل قبل ما تبوظ سبوع حفيذي!”
صوت “سعاد” رنّ في القاعة الخاصة بفندق “الفور سيزونز” في جاردن سيتي، فوراً بعد ما الشاي والحلويات اتوزعت. كل الضيوف لفت رؤوسها. فيه ناس وقفت أكل، وناس تانية عملت نفسها مش سامعة، زي ما الناس الأكابر بيعملوا لما يحضروا لقطة قذرة ويقرروا يغطوها بالسكوت.
أمي، “الحاجة فاطمة”، كانت قاعدة في أخر الطاولة الرئيسية، لابسَة فستانها الكحلي Simple اللي دايماً بتلبسه، نفس الفستان اللي ودته للخياطة في المنطقة عندنا عشان تضيقه وتظبطه عشان تبان “وجيهة” قدام ناس ابنها في سبوع حفيدها. وسط ستات شايلين شنط براندات بمئات الآلاف ومجوهرات بتبرق، أمي كانت باينة صغيرة، مش مرتاحة، وطيبة زيادة عن اللزوم على مكان مليان ابتسامات مسمومة.
أنا أخدت نفس عميق. أنا اسمي مريم العشري، مع إن بقالي 3 سنين راضية ومستحملة إن عيلة جوزي يتعاملوا معايا كأن اسم عيلتي مالوش قيمة. أحمد عز الدين، جوزي، كان دايماً بيتباهى قدام أصحابه إنه “أنقذني” من حياة بسيطة على قدها. وأمه كانت تكرر كل شوية إن المفروض أحمد ربنا إن راجل زيه إداني بيته واسمه ومستواه.
محدش كان يعرف الحقيقة.
الفيلا اللي في “التجمع الخامس” اللي هما عايشين فيها زي الملوك، أنا اللي شارياها بعقد حراسة وإدارة باسمي. العربية المرسيدس اللي أحمد بيفشخر بيها في اجتماعاته، أنا اللي دفع تمنها. الفلوس اللي أنقذت شركته لما كانت على وش إفلاس محقق، طلعت من حسابي الشخصي. عيلتي هما أصحاب “مجموعة العشري للإنشاءات”، واحدة من أكبر شركات المقاولات والتطوير العقاري في مصر، بس أنا كنت مخبية هويتي الحقيقية لأني كنت عاوزة اعرف أحمد بيحبني أنا… ولا بيحب لمعان الفلوس.
وفي اليوم ده… جالي الرد اليقين.
— “يا حاجة فاطمة،” سعاد قالتها وهي بترفع كاس العصير بتكبر، “حاسبي لتلحوسي المفارش.. دي مستوردة من بره. مش زي البلاستيك اللي بتمشوا بيه عندكم في الحارة.”
كم واحدة من قرايب أحمد أطلقوا ضحكات مكتومة. أمي توطت راسها وبصت في الأرض.
— “حقك عليا يا سعاد هانم.. أنا بس كنت عاوزة أقرب أشوف صور الولد أوضح.”
يوسف ابني كان نايم في حضن المربّية، مش حاسس بحاجة. على الشاشة الكبيرة في القاعة كانت بتتعرض صوره: أول ابتسامة، إيديه الصغيرة، والسبوع. أمي من فرحتها، حاولت تقرب من كرسي فاضي عشان تشوف الشاشة أحسن.
أحمد مسك دراعي بقوة تحت الطاولة.
— “لمّي أمك،” زغدني في جنيبي وهو بيوشوشني.. “شركائي والناس المهمين قاعدين. مش هسمح للست دي تفضحنا قدامهم.”
بصيتله. بدله إيطالي، ساعته الذهب، جزمته اللي بتلمع… كل ده أنا اللي دافعة تمنه. ومع ذلك حاسس إنه يملك الكون.
— “يا أمي تعالَي،” قُلتها وأنا بحاول أقوم.
بس سعاد صرخت قبل ما أتحرك:
— “إياكي تقعدي هنا! المكان ده لابن أختي، مش للمنعزلين واللي جايين بالبركة!”
أمي اتخضت. فنجان القهوة اللي كان في إيدها اتهز ووقعت منه نقط على المفرش الأبيض. وشها اصفرّ من الإحراج.
— “آسفة يا بنتي.. أنا همسحه فوراً.”
أحمد قام مرة واحدة. مشي ناحيتها بغل وعصبية عمره ما ورّاهالي قدام الناس. حسيت إن الهوا اتقطع من صدري.
— “خلاص بقى كفاية قرف!” قالها بعلو صوته.
أمي رجعت لورا خايفة، وبتمسك في ظهر كرسي سند. أحمد، بدل ما يساعدها أو يمسكها، زق رجيلة الكرسي برجله بقوة وغشم.
الكرسي اتقلب لورا.
أمي وقعت بكامل جسمها.
دماغها خبطت في سن الطاولة الاستانلس اللي جنبها. الصوت كان مكتوم ومرعب. القاعة كلها اتسمرت وسكتت تماماً. وبعدها شفت الدم. خط أحمر نازل من جنب قورتها، بيغرق فستانها الكحلي.
جريت واترميت على الرخام جنبها.
— “أمي! بصيلي يا حبيبتي.. أنا هنا اهو.”
أمي، وهي موجوعة ومصدومة، مسكت إيدي بتترعش:
— “ما تعمليش مشاكل يا مريم يا بنتي.. أنا اللي غلطانة.”
وفجأة أحمد نطق، من غير نقطة ندم واحدة في نبرته:
— “الناس البيئة لازم يتعلموا يقعدوا فين وما يتعدوش حدودهم.”
فيه حاجة جوايا اتكسرت ببرود مريب. ما كانتش عصبية… كان استيعاب وفوقان.
قمت بالراحة، ودم أمي كان على صوابعي، وبصيت لجوزي قدام كل شركائه، وعيلته، والضيوف.
— “أحمد،” قُلتها، “انزل على ركبتك دلوقتي واسحب رجلك وبوس إيد أمي واتأسفلها.”
هو ضحك بصوت عالي وبثقة مجنونة.
— “أنا؟! أعتذر للست دي؟ مريم، أنتي نسيتي مين اللي يصرف عليكِ وقاعدك في العز ده؟”
ابتسمت، بس صوتي طلع زي التلج:
— “هي دي المشكلة… أنتي صدقت الكدبة اللي أنا بنفسي سبتك تعيشها.”
قبل ما يلحق يفهم أو يرد، رفعت إيدي واديته قلم على وشه سمع في سقف القاعة كلها، لدرجة وش لف الناحية التانية. الهمس والصدمة انفجروا في المكان.
سعاد جرت وكانت عاوزة تهجم عليا، بس وقفت مكانها لما بصيتلها بصة موت.
طلعت الموبايل وطلبت رقم ما طلبتوش من سنين.
— “يا أستاذ إسماعيل،” قُلت لما الرد جالي.. “أنا مريم العشري. عاوزة أعمل تجميد فوراً وفي اللحظة دي لكل الكروت، والحسابات، والتسهيلات الائتمانية المربوطة باسم أحمد عز الدين. وكمان اسحب كل الدعم المالي والضمانات من شركته، وابعثلي الفريق القانوني فوراً على مستشفى الصفا في المهندسين. أنا هرفع قض\ية طلاق.”
أحمد ايده نزلت من على خده اللي احمرّ.
— “أنتي بتقولي إيه؟!”
موبايله بدأ يرن. إشعار.. ورا إشعار.. ورا إشعار.
تم تجميد البطاقة.
تم إيقاف خط الائتمان.
تم سحب صلاحيات الوصول.
وش أحمد اتمسح منه الدم تماماً واصفرّ زي الورق.
أنا سندت أمي وقومتها بالراحة، والدم لسه ينزل على وشها.
وقبل ما أخرج من باب القاعة، بصيت لمدير الفندق:
— “فاتورة الحفلة والسبوع بالكامل تتحول باسم السيد أحمد عز الدين. ولا مليم واحد هيتدفع من حساباتي.”
ولما أبواب القاعة المقفولة اتقفلت ورايا، سمعت لأول مرة صرخة الرعب والانهيار من جوزي.
ما كانش يعرف إن دي مجرد أول طوبة تقع من المعبد اللي هيهدّه فوق دماغه.
الجزء الثاني
في الطوارئ، أمي خيطت خمس غرز في قورتها. كان وشها دبلان وعينها مليانة ذنب، كأنها هي اللي أجرمت ومش هي Victim اللي اتظلمت واتضربت.
— “يا مريم، عشان خاطري يا بنتي…” قالتلي بصوت واطي ومكسور، “ما تخربيش بيتك وتطلقي عشان خاطري.”
بست إيدها وربت عليها بالراحة:
— “أنا مش بخرب بيتي عشانك يا أمي.. أحمد هو اللي خرب كل حاجة بايده لما قرر يهينك ويجرحك عشان يحس بالسيطرة والهيبة قدام الناس.”
وفجأة الباب الأوتوماتيك بتاع الطوارئ اتفتح… ودخل أحمد، وحماتي سعاد، وكاريمان أخته الصغيرة. التلاتة كان وشهم يطفح بجاحة، ولا كأن عندهم ربع ذنب أو قلق. أحمد كان لسه خده محمرّ من القلم اللي اديتهوله.
— “هترجعي الفندق دلوقتي!” أحمد قالها بأمر وصوت عالي: “هتعتذري قدام الكل وتصلحي الهبل اللي عملتيه ده! الشركاء سابوا القاعة ومشوا.. أنتي فاهمة أنتي هببتي إيه؟!”
كاريمان أخته ضحكت بصفار واستفزاز:
— “شرشحة بجد.. عاملة فيها بنت ناس ومعاها محامين فجأة، وهي أصلها بيئة!”
سعاد قربت من السرير بتاع أمي، بس أنا وقفت في وشها زي السد:
— “خطوة واحدة زيادة وهطلب أمن المستشفى يرموكم بره.”
أحمد جز على سنانه بغل:
— “لو كملتي في المسرحية دي، وحياة أمي هطلعك من الملاكي على الفتيش ومش هخلي معاكي ملطوش!”
رديت عليه ببرود أشد من التلج:
— “أنا موافقة على الطلاق.. بس الأول هترجع كل مليم استخدمته عشان تبني بيه المنظرة الفارغة والتمثيلية دي.”
موبايل رن. كان الأستاذ إسماعيل المحامي.
— “يا مريم هانم، المحامين في الطريق للمستشفى.. وكمان تأكدنا إن فيلا التجمع الخامس متسجلة بالكامل باسم شركة العشري لإدارة الأصول، والأستاذ أحمد مالوش أي حيازة أو حق ملكية فيها.”
فتحت السبيكر عشان يسمعوا كلهم.
أحمد بصلي بزهول وكأنه بيسمع هندي:
— “إدارة أصول إيه؟! أنتي بتقولي إيه؟!”
— “بتكلم عن فيلتك،” رديت عليه. “اللي عمرها ما كانت ملكك من الأساس.”
سعاد رجعت خطوة لورا وشها اصفرّ:
— “ده كدب وتلفيق!”
الأستاذ إسماعيل كمل كلامه من التليفون:
— “وراجعنا كمان سجلات شركة ‘عز الدين كابيتال’.. مجموعة العشري تمتلك ٧٠٪ من أسهم الشركة عن طريق شركة ‘الربوة’ للاستثمار.”
السكوت اللي حل في الأوضة كان مرعب.. ولذيذ جداً.
أحمد فتح بقه، بس ما طلعتش منه كلمة واحدة.
ثاني يوم الصبح، دخلت مبنى الشركة بتاعته في الذكية بالقرية الذكية، لابسَة طقم أسود شيك ووراي فريق المحامين بتاعي. أحمد كان جوه في اجتماع مجلس إدارة، قاعد على رأس الترابيزة وكأنه لسه الفتوة اللي بيحكم.
— “أنتي إيه اللي جابك هنا?!” صرخ أول ما شافني.. “الأمن! طيروا البتاعة دي بره!”
محدش من الأمن أتحرك من مكانه.
المدير التنفيذي للشركة قام واقف فوراً باحترام:
— “أهلاً مريم هانم العشري.”
أحمد بص حواليه بذهول. لأول مرة يفهم إن الناس اللي كان فاكرهم رجالته، بيدينوا بالولاء لاسم تاني خالص.
على الشاشة الكبيرة في أوضة الاجتماعات، اتعرضت وثيقة الأسهم.. اسمي، توقيعي، ونسبة سيطرتي المطلقة.
— “بسبب السلوك العنيف، والإضرار بسبعة الشركة، واستغلال موارد المؤسسة لأغراض شخصية،” قُلت بصوت ثابت: “أنا بطلب العزل الفوري لأحمد عز الدين من منصبه.”
— “أنتوا مش من حقكم تعملوا معايا كده!”
المدير التنفيذي رد عليه بالورق:
— “من حقنا تماماً يا أستاذ أحمد.. التصويت يبدأ دلوقتي.”
كل أعضاء المجلس رفعوا إيديهم للموافقة.
أحمد اتسحب بره المبنى مع الأمن، من غير كارنيه، من غير مكتب، ومن غير حتى عربية الشغل.
بس الصدمة الأوسخ جت في نفس اليوم بعد الظهر.
كاريمان أخته حاولت تتسلل لفيلا التجمع من باب الخدامين، في الوقت اللي رجالتي كانوا بينقلوا فيه الحاجات والتحف والفضيات. أنا شفتها في كاميرات المراقبة: كانت شايلة شنطة خيش كبيرة وماشية بسرعة ناحية الجنينة الخلفية.
أديت أمر للمن الأمن يقفل البوابات.
لما البوليس وصل، فتحوا الشنطة قدام الكل. كان جوة الشنطة: حلق الماس بتاعي، ساعتين غاليين جداً أوريجينال، وعقد ذهب قديم بتاع تيتة.
— “أنا.. أنا كنت بشيلهم عندها بس عشان ما يضيعوش!” صرخت كاريمان وهي بتعيط.
المحامي بتاعي رد:
— “قيمة المسروقات تتعدى الـ 8 مليون جنيه.. هنحرر محضر سرقة بالإكراه في قسم التجمع.”
سعاد اترمت على الأرض بتصرخ:
— “دي لسه صغيرة حارمينها من مستقبلها!”
— “عندها 32 سنة،” رديت عليها وأنا باصة فيها.. “وإيدها طويلة.”
وهما بياخدوا كاريمان في بوكس البوليس، أحمد ظهر عند البوابة، هدومه متبهدلة ووشه مكسور تماماً:
— “مريم.. نتكلم بالراحة طيب.”
— “لا.”
— “عشان خاطر يوسف ابمنا!”
— “إياك تستخدم ابني درع لوساختك.”
وشه اتقلب فجأة. وشفت في عينه حاجة أرعب من العنف بتاع الفندق: كانت قمة اليأس المخلوط بالتهديد.
بالليل، أحمد راح شقة “داليا”، سكرتيرته. نفس الست اللي أمه كانت بتمهدلها بابتسامة سم، أنا وصلت هناك بعديه بـ 10 دقايق ومعايا فايل ثقيل.
داليا فتحت الباب ووشها جاب ألوان:
— “ولا أقولك يا نهى؟” قُلتها وأنا بدخل.
أحمد حواجبة اتعقدت بصدمة.
جوه الفايل كان فيه بطاقتها المزورة، إيميلاتها المتسربة، والحسابات اللي اتسحبت من كروت الشركة عشان السفريات والهدوم والفنادق.
داليا ما كملتش 3 دقايق عشان تبيع أحمد وتنقذ نفسها:
— “أنا مستعدة أشهد بكل حاجة!” قالت بسرعة.. “معايا شات، وتحويلات، وكل حاجة تثبت إنه هو اللي كان بيجبرني!”
أحمد بصيلها برعب:
— “أنتي بتبيعيني يا داليا?!”
— “هي مش بتبيعك،” قُلتله وأنا طالعة.. “هي بس قررت ما تغرقش معاك في نفس المركب.”
افتكرت إن دي للقاع، وإن مافيش أوسخ من كده.
بس طلعت غلطانة.
تاني يوم الصبح، سعاد نزلت وقفت قدام المقر الرئيسي لـ “مجموعة العشري” في المعادي، وجايبة بلطجية وناس مأجرين يرفعوا يافطات ويصرخوا إننا رمينا عيلة غلابة في الشارع. الناس بدأت تتجمع وتصور، والـ Share على الفيس بوك بدأ يعلى.
من مكتبي، كنت شايفاهم في شاشة البث المباشر:
— “نطلع بيان صحفي يا فندم؟” المحرر الإعلامي سألني.
— ” لا،” قُلتله ببرود.. “شغّلوا فيديو السبوع الكامل على الشاشات الإعلانية الكبيرة اللي بره المبنى.”
بعد 10 دقايق، شارع المعادي كله كان شايف سعاد وهي بتهين أمي.. وشايفين أحمد وهو بيزق الكرسي برجله بغل.. وشايفين الدم اللي غرق وش أمي.
الناس اللي كانت واقفة تتفرج اتجمعت عليهم بغضب ورجموهم بالكلام، لسعاد رمت اليافطة وجريت.
وفجأة الموبايل رن في إيدي.
دي كانت ناني يوسف ابني.. كانت بتصرخ وبتعيط:
— “لحقيني يا مريم هانم… أستاذ أحمد جه وأخد الولد خطفه وجري!”
الجزء الثالث
حسيت إن العالم كله اتلخص في صوت نفس ابني في ذاكرتي.
— “أنتي فين يا نوال?!” سألتها وأنا جسمي بيترعش.
— “في الجنينة بتاعة الكومبوند،” قعدت تصرخ وتشهق.. “قال لي عاوز أحضنه بس.. ولما قربت، زقني وركب عربية بسرعة وجري!”
ما صرختش. ما عيطتش. الخوف لما بيزيد عن حده، بيتحول لتلج وتفكير صفي.
— “أستاذ إسماعيل،” قُلت وأنا طالعة من المكتب بيجروا ورايا.. “تتبعوا عربية أحمد فوراً. بلغوا محامي الأسرة وابلغوا النيابة. عاوزة خطة قفل مخرج القاهرة، بس من غير ما يوسف يتحط في خطر!”
بعد 5 دقايق، أحمد كلمني.
— “دلوقتي بقى هتقعدي وتسمعي كلامي زي الجزمة!” صوته كان بيترعش من الجنان.. “هتنازلي عن كل القضايا، وتدفعي 50 مليون جنيه كاش، وتوقعي إن نص أملاكك حقي. وإلا هطلعك في الإعلام والمحاكم أم مجنونة ومش مؤهلة، وهسحلك في المحاكم سنين يا مريم!”
— “ابني فين يا أحمد؟”
— “مع أبوه.”
— “أنت مش أب لما تستخدم عيل عنده شهور درع وس\لاح!”
سكت ثانية..
— “أنا في الحضانة بتاعته في مصر الجديدة.. جايب معايا قنوات وإعلاميين، وهصور إن يوسف مش عاوز يمشي معاكي وأني الأب المظلوم!” وقفل السكة.
لما وصلت هناك، الشارع كان مليان مصورين وصحفيين صفرا. هو كان مفكر هيدخل يعمل شو، يحضن الولد ويعيط قدام الكاميرات ويقول إن المستبدة الغنية حرماه من ابنه.
ما كانش يعمل حسابه إن المحامي بتاعي وصل قبله بأمر تسليم فوري للأبناء صادرة من قاضي الأمور الوقتية في نفس اليوم، مستندة على محضرة ضرب أمي، ومحضر الابتزاز، والبلاغات اللي شغال.
أحمد كان واقف في الجنينة شايل يوسف. ابني ما كانش بيعيط، بس عينيه كانت تايهة وبيدور عليا.
— “أهو جت أهيه!” صرخ أحمد أول ما شافني.. “المفترية اللي عاوزة تحرمني من ابني الوحيد!”
المصورين لفوا الكاميرات ناحيتي.
المحامي بتاعي اتكلم بثبات وسلطة:
— “يا حضرات، قرار محكمة الأسرة الصادر فوراً بتمكين السيدة مريم العشري من حضانة طفلها، والقبض على المدعو أحمد عز الدين بتهمة الخطف والابتزاز.”
أمن الحضانة فتحوا البوابات، ودخل ضابطين شرطة. أحمد رجع لورا برعب:
— “ده ابنييي!”
— “كان لازم تحميه من نفسك الأول،” قُلتله وأنا بقرب.
المدرسة أخدت يوسف منه بالراحة وسلهتولي. أول ما حطيت جسمه الصغير على صدري، كل التلج اللي جوايا انهار ودموعي نزلت، بس ركبي ما اتهزتش.
أحمد اتقبض عليه في ساعتها بتهمة خطف قاصر والابتزاز المالي.
افتكرت إن الكابوس خلص هنا… بس البني آدم لما بيوصل للقاع وبيغرق، ساعات بيفضل يحفر تحت الأرض كمان.
بعد يومين، أمي كانت طالعة من الاستشارة في المستشفى. كان معاها سواقنا الأمين، بس سعاد وابن اختها زنقوا عربيتها في شارع جانبي في المهندسين. لما تليفوني رن، سمعت صوت أمي مكتوم ومخنوع:
— “مريم يا بنتي…”
أحمد (اللي كان طالع بكفالة مؤقتة) مسك التليفون:
— “أنتي فاكرة إنا خلصنا؟ تعالي لوحدك على مخزن قديم في الوراق. هاتي معاكي الشيكات والفلوس، لو بلغي البوليس.. أمك هي اللي هتتدفع التمن.”
بصيت للأستاذ إسماعيل:
— “تتبع المكان فوراً.. بلغوا العمليات الخاصة.. أنا هدخل الأول.”
— “يا مريم هانم ده خطر على حياتك!”
— “أمي خاطرت بحياتها عشاني طول عمرها، مش هتردد ثانية.”
المخزن كان ريحته رطوبة وزيت مكن قديم وخوف. دخلت بشنطة فيها فلوس مزورة جهزها الأمن. كنت لابسَة جهاز تسجيل صغير، وراديو تتبع، ورباط جأش أقوى من حديد المبنى.
أمي كانت مربوطة في كرسي، ووشها عليه آثار ضرب. أول ما شافتني هزت راسها بلا، كأنها بتترجاني أهرب وأسيبها.
أحمد نزل من على سلم صاج.. كان شكله يخوف، شعره منكوش، دقنه طويلة، ومش هو الراجل اللي اتجوزته خالص.
— “طول عمرك كدابة وبوشين!” اتفل على الأرض.. “3 سنين مفهماني إنك حتة بت غلبانة ومقطوعة من شجرة!”
— “لا يا أحمد.. أنت اللي قررت تشوفني صغيرة عشان تصدق الكدبة وتعيش دور السديد عليا.”
سعاد طلعت من الضل:
— “ادينا الفلوس والتنازلات وغوري من وشنا!”
— “مش هغور،” قُلتلها.. “لأنكم أصلًا اتسجلتكم وانتهيتوا.”
أحمد فهم متأخر أوي. بص لجاكتتي، دور على الميكروفون، وعقله طار منه خالص:
— “شدو منها الشنطة دي!”
بلطجيين قربوا مني. وقبل ما يلمسوا طرف الشنطة، أبواب المخزن اتخلعت وصوت ضرب النار والسرينات ملأ المكان! رجال الشرطة والعمليات الخاصة اقتحموا المكان من كل ناحية. البلطجية رفعوا إيديهم، سعاد صرخت، وأحمد جري ناحية أمي ومسك مطواة في إيده!
— “محدش يقرب وإلا هطير رقبتها!”
أنا ما فكرتش. مشيت ناحيته بالراحة ومن غير خوف:
— “بصلي هنا.. اللعبة خلصت خلاص.”
— “اسكتي!”
أمي كانت بتعيط في سكتة.
— “أحمد.. لو عاوز تئذي حد.. إئذيني أنا. سيب أمي في حالها.”
إيده اترعشت. للحظة واحدة، شفت الراجل اللي اتجوزته زمان، أو يمكن القناع اللي كنت مخدوعة فيه. وفي اللحظة دي، الضابط ضربه بصاعق كهربائي من الجنب. أحمد وقع على الأرض بيترعش والمطواة طارت من إيده.
جريت على أمي وفكيت حبلها وحضنتها جامد:
— “سامحيني يا بنتي…” وشوشتني وهي بتنهد.
— “ما تطلبيش المسامحة تاني أبدًا يا أمي.. أنتي سيدتي وتاج راسي.”
القضاء أخد مجراه وكان صارم جداً. الفيديوهات، التسجيلات، المكالمات، شهادة داليا، والورق الرسمي عملوا حيطة سد قدام أحمد. اتحكم عليه بـ 15 سنة سجن مشدد بتهم الخطف، الابتزاز، العنف الأسري، والتزوير. سعاد أخدت 7 سنين بتهمة التستر والمشاركة في الخطف والتهديد. وكاريمان أختهم لبست قض\يّة سرقة بالإكراه.
محدش فيهم لقى مليم واحد من فلوس عيلتي.
فيلا التجمع الاتباعت، وبالفلوس دي فتحت مؤسسة خيرية كبيرة لرعاية الأمهات والكبار في السن اللي اتعرضوا للإهانة أو التخلي من عيلاتهم، وسميتها: “دار فاطمة”.
بعد 6 شهور… رجعت لنفس الفندق “الفور سيزونز” اللي شهد على القذارة دي كلها. مش عشان أنتقم.. عشان أقفل الصفحة دي للأبد.
المرة دي أمي دخلت وهي ماسكة في دراعي. كانت لابسة فستان نبيتي شيك جداً معمول عشانها مخصوص، وشعرها متصفف بوقار وهيبة. لما المذيع أعلن عنها كرئيس مجلس إدارة الفاونديشن Honorably، القاعة كلها وقفت تسقف بحرارة.
مسكت إيدي وقالتلي:
— “أنا مش بعرف أتكلم في المايكات يا مريم.”
— “اتكلمي بطبيعتك يا أمي.. طبيعتك هي أنضف حاجة في المكان.”
أمي طلعت على المسرح، بصت للضيوف، وبعدين بصت ليوسف ابني اللي كان قاعد في أول صف بيسقف بإيديه الصغيرة:
— “زمان، كنت فاكرة إن السكوت على الإهانة والمهانة شطارة عشان أحافظ على بيت بنتي،” قالت بصوت دافي وصل لكل القاعة.. “النهارده فهمت إن مافيش أم بتعلم ابنها الحب وهي ساكتة على الظلم. ساعات، حماية ولادنا بتقتضي إننا نسمحلهم هما يحمونا ويرفعوا راسنا.”
القاعة كلها كانت بتعيط وتسقف.
وأنا كمان دموعي نزلت.
لأن العدل مش دايماً بيجي بشرارة وسرعة.. ساعات بيجي على هيئة بنت قررت ما تطأطيش راسها تاني، أم اتعلمت تقعد في أول الطاولة من غير ما تستأذن حد، وطفل هيكبر وهو عارف إن الاحترام مش بنشحتوه… الاحترام بنفرضوه.
بالليل لما رجعنا البيت، يوسف نام في حضن أمي. كانت بتهزه جنب الشباك، وأضواء القاهرة كلها بتلمع من وراهم.
— “شايفة إننا عملنا الصح يا مريم؟” سألتني.
بصيتلها.. الست اللي نزفت على رخام الفندق عشان ما تعملش مشكلة، هي هي اللي شايلة ابني ومستقبلي بين إيديها دلوقتي.
— “لا يا أمي،” قُلت وأنا ببتسم.. “إحنا عملنا العظمة كلها.”
ولأول مرة من سنين… البيت ما كانش بارد ولا واسع فاضي.
البيت كان مليان بحرية وأمان.





