روايه كامله للكاتبه شروق خالد

لمحة نيوز
والقبر ده يرجع بيت تاني.
ابتسمتُ بإنهاك وأومأتُ لها بالقبول.
مرت الأيام، وبدأت الحياة تتسلل بالفعل إلى أركان القصر. إيمان لم تعد مجرد خادمة تنظف الممرات، بل أصبحت الروح التي تحرك المكان. كانت تجبرني على الخروج إلى الحديقة والتنفس في الهواء الطلق، وتصر على أن أتناول وجباتي معها ومع عمر في مكان واحد، ملغيةً كل الفوارق الطبقية التي صنعتها بنفسي.
ولكن في عالم الجريمة والسلطة بالقاهرة، لا يدوم الهدوء طويلاً.
بعد أسبوعين، وبينما كانت إيمان تتفقد ترتيب مكتبة القصر، اقتحم عمر الغرفة ووجهه شاحب كالأموات.
دانيال.. الحوت رجع.
كان الحوت هو المنافس الأشرس في السوق، والرجل الذي شككتُ دائماً أنه يقف وراء حادثة القناص التي أقعدتني.
قال عمر بصوت مرتجف بلغوه إنك بقيت ضعيف، وبعت تهديد صريح.. قدامك 48 ساعة تسلّم فيها إدارتك للشبكة، يا إما هيستهدف كل حد قريب منك.. وبدأوا يراقبوا تحركات إيمان.
اشتعل الغضب في صدري كالنار، وقبضت على ذراعي الكرسي حتى ابيضّت مفاصلي. تحول وجهي إلى الماسك القديم الذي يرعب الجميع.
عمر.. أمن إيمان بكتيبة كاملة. محدش يقرب منها.
لكن قبل أن يخرج عمر، دخلت إيمان الغرفة بكل ثبات. كانت قد سمعت كل شيء.
وقفت أمامي ونظرت في عينيّ بثبات هزّ ثقتي أنا مش هتهرب يا دانيال، ولا هسيبك تواجه الشياطين دي لوحدك. أنت رجّعتلي أمي وحميت كرامتي.. والنهاردة جه دوري أقف جنبك.
إنتِ مش فاهمة دول مين! صرختُ فيها بغضب وخوف حقيقي لأول مرة. دول ما عندهمش رحمة!
اقتربت مني، وجثت على ركبتيها أمام كرسيّ، وأمسكت بيدي بثبات وقالت وأنت عندك عقل هم ما يملكهوش، وعندك قوة أنت نسيتها من يوم ما قعدت على الكرسي ده. ارفع رأسك.. الخوف هو الوحيد اللي مشلول هنا، مش أنت.
كلماتها كانت كالصدمة الكهربائية التي أعادت تشغيل قلبي الميت. في تلك اللحظة، علمت أن المعركة القادمة لن تكون مجرد دفاع عن إمبراطوريتي.. بل ستكون حرباً لحماية المرأة الوحيدة التي أعادتني إلى الحياة.
أمسكت بيدها بقوة، ولأول مرة منذ سنتين، شعرت بأن الشلل لم يسلبني القوة، بل كشف لي عن مكامنها الحقيقية.
عمر! صرخت بنبرة هزت أرجاء المكتب، النبرة القديمة التي كانت ترعب رجال الأعمال والمافيا على حد سواء.
حكايات_شروق_خالد
أمرك يا دانيال بيه، رد عمر مستنفزاً كل حواسه.
اجمع كبار رجال الأعمال والشركاء لشركاتنا في القاهرة، الاجتماع بكرة الساعة عشرة صباحاً في المقر الرئيسي. والحوت… خليه يعرف إني هكون هناك بنفسي.
في الصباح التالي، كانت سماء القاهرة ملبدة بالغيوم. تحرك موكب السيارات المصفحة نحو قلب العاصمة. في السيارة الرئيسية، جلست إيمان بجانبي ترتدي زيّاً رسمياً أنيقاً، نظراتها ثابتة ولا تحمل أي أثر للخوف.
دخلت القاعة الكبرى على كرسيّ المتحرك، وكان الهدوء يخيم على المكان. في صدر القاعة، كان الحوت يجلس بابتسامة خبيثة ورجاله يحيطون به، يظن أنني قادم لأستسلم وأوقع على تنازل عن ممتلكاتي.
أهلاً بالبطل المتقاعد، قال الحوت بنبرة ساخرة. كنت فاكر إنك خلاص نسيت شكل القاهرة من برة القصر.
لم أبتسم، ولم أرد بنفس السخرية. أومأت لإيمان، فقدمت لي ملفاً أسود شديد الأهمية.
فتحت الملف وألقيته على الطاولة أمامه ده مش التنازل يا حوت.. دي ثغرات كل الصفقات المشبوهة اللي أدرتها في الساحل والقاهرة آخر سنتين، بالأرقام، والأسماء، والمستندات.
اتسعت عينا الحوت وتلاشت ابتسامته تدريجياً إنت جبت الكلام ده منين؟
جبتها من عقول رجالك اللي فاكرين إن الفلوس بتشتري الولاء، قلتها بنبرة حادة كالسيف. قدامك خيارين إما تطلع برة مصر نهائياً وتنسى اسم دانيال، يا إما المستندات دي هتكون في مكتب النائب العام خلال عشر دقائق.
وقف الحوت غاضباً وتحرك رجاله لإخراج أسلحتهم، لكن رجال عمر كانوا قد أحاطوا القاعة بالكامل في صمت قاطع.
أدرك الحوت أن اللعبة انتهت، وأن الوحش الذي ظنه مكبلاً بالكرسي المتحرك كان يجهز لقاضية لم يتوقعها أحد. لم يجد أمامه سوى الجمع والانسحاب في صمت يجر أذيال الخيبة.
بعد مرور ستة أشهر…
في حديقة القصر ذاتها التي كانت يوماً مقبرة بائسة، كانت أضواء الشموع تملأ المكان.
جلست على كرسيّ المتحرك وأنا أراقب إيمان وهي تبتسم وسط عائلتي الصغيرة وأمها التي تعافت بفضل الرعاية الطبية. اقتربت مني وهي تحمل كوب الشاي الذي اعتادت تقديمه لي.
فكرت في إيه؟ سألتني بنبرة دافئة.
أمسكت بيدها ووضعت فيها خاتماً بسيطاً وأنيقاً فكرت إن البيت ده ما بقاش سجني يا إيمان.. بقى بيتنا. وإن الشخص اللي أنقذني من ظلامي يستحق يستمر معايا للآخر.
نظرت إلى الخاتم ثم إليّ، وابتسامة صادقة أضاءت وجهها وأنا مش هروح في أي مكان يا دانيال.
في تلك الليلة، أدركت أن القوة الحقيقية ليست في الساقين اللتين تحملان الجسد، بل في القلب الذي يرفض الانكسار، والروح التي تعرف كيف تحب.
الوحش والعكاز حارسة الظل
حكايات_شروق_خالد





