حكايات بسمه

أمي كانت كل ما أختي تزعل من جوزها تبعتها تقعد عندي، وتطلب من مراتي تخدمها لحد ما أختي طلبت من مراتي تسيبلها أوضة النوم لأنها مش مرتاحة على الكنبة.
أنا أكبر واحد في إخواتي.
ومن وأنا صغير، أمي كانت دايمًا تقول
إنت سند إخواتك.
وعمري ما اعترضت.
لما أختي كانت تزعل من جوزها، أول مكان كانت تيجي له هو بيتي.
في الأول كنت شايف إن ده طبيعي.
يوم
اتنين
أسبوع
لكن الموضوع بقى يتكرر كل شهر تقريبًا.
وأمي كانت كل مرة تكلمني قبلها بنص ساعة.
أختك جاية عندك، خلوها ترتاح شوية.
ومراتي كانت تستقبلها بابتسامة.
تعملها أكل.
تغسل هدومها.
وتقعد تسمع شكاويها بالساعات.
عمري ما سمعت مراتي تشتكي.
كانت دايمًا تقول
دي أختك.
لكن مع الوقت، الطلبات زادت.
أختي بقت تدخل البيت كأنه بيتها.
مرة تقول
اعمليلي قهوة.
ومرة
فيه أكل تاني غير ده؟
ومرة
شغليلي التكييف.
ومراتي كانت تنفذ وهي ساكتة.
لحد الليلة اللي غيرت كل
حاجة.
كنا قاعدين بنتفرج على فيلم.
أختي خارجة من أوضة الضيوف وهي متضايقة.
قالت
أنا مش قادرة أنام على الكنبة دي.
قلت
طب نجيبلك مرتبة إضافية.
قالت بمنتهى البساطة
لأ خلي مراتك تنام هنا، وأنا أنام في أوضة النوم.
افتكرت إنها بتهزر.
ضحكت.
لكن محدش ضحك.
أمي قالت من التليفون وهي فاتحة سماعة
آه يا ابني، هي عندها حق. مراتك صغيرة وتستحمل.
بصيت لمراتي.
كانت

ساكتة.
لكن أول مرة أشوف الانكسار في عينيها.
قالت بهدوء
ولا يهمك أنا هنام بره.
وقفت بسرعة.
قلت
لأ.
البيت سكت.
أختي استغربت.
يعني إيه لأ؟
قلت
يعني أوضة نومي أنا ومراتي محدش يدخلها.
قالت
إنت واخد صف مراتك عليا؟
قلت
أنا باخد صف الحق.
قفلت السماعة مع أمي.
وأختي دخلت أوضة الضيوف وهي بتزعق.
افتكرت إن الموضوع خلص.
لكن تاني يوم أمي راحت زعلت العيلة كلها.
وبقت تسمعني كلام من كل ناحية.
دي أختك.
عيب.
مراتك غيرتك علينا.
حتى خالي كلمني وقال
معلش يا ابني، يومين ويعدوا.
كنت هتنازل.
لكن مراتي قالتلي جملة واحدة.
قالت
أنا مش زعلانة إنها أختك
أنا زعلانة إن محدش شايف إني صاحبة البيت.
الكلمة وجعتني.
لأنها كانت صح.
بعد أسبوع، أختي رجعت لجوزها.
والموضوع هدي.
لحد عيد ميلاد أمي.
العيلة كلها كانت عندها.
وأمي قدام الكل قالت
أهو ابني اتغير بعد الجواز.
ابتسمت.
وقلت
لأ يا أمي أنا بس بقيت فاهم إن بيتي ليه حرمة.
وشها اتغير.
قالت
إيه يعني؟
قلت
يعني لو أختي تزعل من جوزها ألف مرة، بيتي مفتوح ليها كضيفة.
لكن مش من حق حد يطلب من مراتي تقوم من أوضتها أو تخدم حد ڠصب عنها.
أختي قامت وقفت.
وقالت
يعني أنا كنت تقيلة عليكم؟
قلت
لا.
أمال؟
إنتِ كنتِ بتتعاملي على إن البيت بيتك، ومراتي خدامة فيه.
العيلة كلها سكتت.
وأختي بدأت ټعيط.
وقالت
أنا عمري ما قصدت.
كنت هصدقها
لولا إن بنتها الصغيرة، اللي عندها خمس سنين، قالت وهي بتاكل التورتة
ماما، هو إحنا مش هنروح بيت خالو تاني؟ أصل إنتِ قولتي إن مرات خالو لازم تخدمنا لأنها ملهاش كلمة قدام جوزها.
المعلقة وقعت من إيد أختي.
والكل بص لها.
أما أمي
فوشها قلب ألوان.
لأن الجملة دي كانت نفس الجملة اللي كانت بتقولها لأختي كل مرة قبل ما تبعتها على بيتي
الفصل الأول صمت التورتة وسقوط الأقنعة
المعلقة وقعت من يد أختي سارة بصوت حاد رن في أرجاء الصالون الواسع. السكوت الذي حلّ بالمكان لم يكن عادياً، بل كان سكوت صاعقة فرّغت الهواء من الصدر. عيون الجميع في حفلة عيد ميلاد أمي انتقلت تدريجياً من الطفلة البريئة ذات السنوات الخمس إلى سارة، ثم إلى أمي التي تجلس في صدر المائدة ووجهها يتقلب بين شحوب المۏت وحمرة الڠضب العارم.
الكلمة التي نطقت بها الصغيرة لم تكن مجرد عفوية أطفال؛ كانت مرآة عاړية ڤضحت سنوات من التخطيط، والتقليل، والاستخلاص المتعمد لكرامة زوجتي فاطمة. الصغيرة ردت بلسان أمها وأجداتها، رددت ما كانت تسمعه سارة وهي تتأفف في الغرفة، وما كانت تغذيه أمي في عقل ابنتها كلما اشتعلت مشكلة تافهة بين سارة
وزوجها.
قمت من مقعدي بهدوء شديد. لم أرفع صوتي، ولم أضرب بيدي على الطاولة. نظرت إلى أمي التي كانت تطالعني بنظرة تجمع بين الټهديد والاستجداء الصامت، ثم نظرت إلى سارة التي غطت وجهها بيديها وبدأت تجهش بالبكاء، لا من الندم، بل من ڤضيحة انكشاف المستور أمام العائلة الكبيرة بأكملها.
يا خالي… يا جماعة…
قلت بصوت منخفض لكنه وصل لكل زاوية في الغرفة، وجعل الحاضرين ينكمشون في مقاعدهم
أنا مكنتش ناوي أفتح سيرة ولا أكدر يوم ميلاد أمي. بس دام الكلام خرج من بيت الجدّة واتزرع في دماغ الأطفال، يبقى لازم نحط النقط على الحروف نهائيًا، عشان مركب العيلة ده ما يغرقش بينا كلنا.
أمي انتفضت من مكانها، ووجهها يحتقن بالډماء، وقالت بصوت يقطر بالسم
عارف يا ولاد بطني! بقى بتبيع أمك عشان خاطر الست هانم مراتك؟ داسوا على شرفك وكلمتك عشان طنط الهانم قاعدة حاطة رجل على رجل!
محدش داس على كلمتي يا أمي، ولا مراتي حطت رجل على رجل، دي أجدع وأصبر ست في الدنيا، واستحملت اللي ما جبلهاش جبل!
رددت بقوة جعلت أمي تتراجع خطوة للخلف من شدة الصدمة، فهي لم تكن تتوقع مني هذا الثبات أبدًا. طوال حياتي كنت سند الإخوات، الولد المطيع الذي لا يغضب أمه قط، لكنها لم تكن تدرك أن السند لا يعني بحال من الأحوال أن تُهدم بيته فوق رأسه إرضاءً لغرور أخته أو تسلطها.
سحبت يد فاطمة التي كانت تقف جواري ترتجف، لا من الخۏف، بل من ثقل الموقف وهول المفاجأة، وخرجت بها من منزل أمي وسط صرخات سارة وشتائم أمي التي لم تتوقف حتى أغلقنا باب الشقة وراءنا.
الفصل الثاني جذور الأزمة وحسابات الطفولة
في سيارتي، وأثناء طريق العودة إلى بيتنا
الحقيقي، بيتنا نحن، الذي أصبح
لمحة نيوز

1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *