حكايات بسمه

طاهراً بكرامته المصانة، عمّ الصمت لفترة طويلة. فاطمة كانت تنظر إلى الشارع من زجاج النوافذ، والدموع تنحدر في سكون على خدها.
زعلانة مني يا فاطمة؟
سألتها بصوت خفيض وأنا أتابع الطريق بعينين محمرتين من الضغط.
التفتت إليّ وابتسمت ابتسامة شاحبة، لكنها كانت أطهر وأصدق ابتسامة رأيتها في حياتي، وقالت
أنا مش زعلانة يا أحمد. أنا بس مش مصدقة إننا أخيرًا بقينا نقف في نفس الصف. طول السنين اللي فاتت كنت حاسة إني لوحدي في معركة خاسرة، وإن أي كلمة هقولها عن أختك هتتحسب عليّ إني ست شريرة ومش أصيلة.
كلماتها كانت كالسياط على ظهري. تذكرت بدايات زواجنا، كيف كانت فاطمة تستقبل سارة بكل حب وسعة صدر. تذكرت الأيام التي كانت فيها سارة تترك بيتها لأتفه الأسباب مرة لأن زوجها تأخر في العمل، ومرة لأنها تشاجرت معه على نوع العشاء، ومرة لأنها لا تريد تحمل المسؤولية في بيتها. وفي كل مرة، كانت أمي هي المحرض الأول، ترسلها إلى بيتي تحت شعار روحي ارتاحي عند أخوكِ، هو سندك، ومراته لسه صغيرة تتعلم أصول الأصول.
تتعلم أصول الأصول… هكذا كان يُنظر لزوجتي في بيتها! كأنها جارية أُهديت لنا مع عقد القِران لتقضي حوائج العائلة، لا شريكة حياة لها كامل الاحترام والتقدير.
تذكرت كم مرة دخلت بيتي فوجدت فاطمة تقضي الليل كله تطبخ لسارة وتجهز لها الغرف، بينما سارة تتبسم بسخرية وتتحدث في الهاتف مع صديقاتها تشكو من ضيق بيتي ومن بخل فاطمة في تقديم أنواع معينة من الحلويات! وكنت أنا في غفلة من أمري، أخدع نفسي بعبارة يا عم دي أختك، معلش بكرة تعقل.
لكنها لم تعقل، بل زادت شراسة مع الدعم المطلق من أمي التي كانت
تعتبر أي اعتراض من جانبي عقوقًا لها.
الفصل الثالث حرب الإخوة والمقاطعة الكبرى
في اليوم التالي ل حفلة عيد الميلاد، اشتعلت الهواتف. لم تتوقف رنات هاتفي لحظة واحدة. اتصل بي خالي، واتصل بي أعمامي، وحتى بعض أبناء عمومتي ممن لا يعلمون تفاصيل القصة، وكلهم يبدأون الكلام بنفس الأسطوانة المشروخة
عيب يا أحمد! دي أمك! مهما عملت دي الجنة تحت رجليها! إزاي تسيبها وتمشي في عيد ميلادها عشان أختك؟
كنت أرد بكل برود وهدوء أعصاب لم أعهده في نفسي من قبل
أنا ما سبتش أمي عشان عيد ميلادها، أنا مشيت عشان بيتي اتعرض لإهانة ممنهجة ومراتي اتداس على كرامتها بكلمات اتربت في بيت أمي أصلاً. اللي عايز يلومني ييجي يقعد مكاني أسبوع واحد بس ويشوف مراته وهي بتُطرد من أوضة نومها عشان أختي مش مرتاحة على الكنبة!
هذه الجملة مش مرتاحة على الكنبة أصبحت هي الكلمة السحرية التي ما إن يسمعها أي شخص من أقاربي حتى يسكت تمامًا. لأنها واقعة بشعة، واقعة لا يمكن تجميلها أو ترقيعها بأي مبرر اجتماعي. كيف تجرؤ أخت على طرد زوجة أخوها من فراشها في بيتها؟ وكيف يبارِك الأب أو الأم هذا الفعل بحجة أنها صغيرة وتستحمل؟
أما سارة، فلم تتصل للاعتذار، بل شنت حرب رسائل على جروب العائلة على تطبيق واتساب، وكتبت منشورات طويلة عريضة تتحدث فيها عن جحود الإخوة، وتأثير الزوجات الحرباوات على صلة الرحم، وكيف أن الولد ينسى أمه وأخته أول ما يتجوز ست غريبة.
أمي من جهتها أعلنت المقاطعة التامة. أرسلت لي رسالة واحدة نصية قالت فيها
من اللحظة دي، لا أنا أمك ولا أعرفك لحد ما تطلق الحړبية اللي نستك أصلك وترجع لأصلك.
الفصل الرابع العاصفة التي أصلحت البيت
مرّت الشهور الأربعة الأولى قاسېة وصعبة للغاية. كانت عائلتي قد قاطعتنا تمامًا. لم يزرنا أحد، وفي المناسبات العائلية الكبرى مثل الأعياد، كنت أرى صور العائلة مجتمعة على وسائل التواصل الاجتماعي، وأمي في الصدارة تحيط بها سارة وبقية الأخوة، بينما نحن غائبون تمامًا كأننا لم نكن جزءًا من هذه العائلة قط.
في البداية، تأثرت فاطمة كثيرًا بهذا الجفاء. كانت تبكي في الخفاء أحيانًا، وشعرت بأنها سبب القطيعة بيني وبين أمي. كنت أحتضنها بكل قوة وأقول لها كلمتي الثابتة التي لم ترد غيرها
يا فاطمة، بيتنا ده هو مملكتنا. لو خسرنا أهلنا عشان بيطالبونا نبقى عبيد عندهم، يبقى إحنا كسبنا نفسنا وكرامتنا. الرحم وصلته واجبة، لكن الظلم والافتراء ليسوا من صلة الرحم في شيء.
وفي خضم هذه العزلة، بدأنا نعيش حياة حقيقية هادئة لأول مرة منذ تزوجنا. للمرة الأولى، كان بيتنا هادئًا، لا تقتحمه هواتف مفاجئة في منتصف الليل تقول أختك زعلت وجايّة تقعد عندك أسبوعين، ولا توجد ضغوط مستمرة لإرضاء أشخاص لا يقدرون معنى الخصوصية ولا يحترمون حدود البيوت.
فاطمة استعادت بريق عينيها، وبدأت تهتم بعملها وهواياتها، وأصبح بيتنا ينبض بالحب الحقيقي والدفء الأسري الذي نفتقده منذ يوم الزفاف.
الفصل الخامس الشقاق في معسكر الخصوم
لكن الدوام لله وحده، والباطل مهما علا صرحه لا يدوم.
بعد مرور نحو ثمانية أشهر على تلك المقاطعة، بدأت أخبار بيت أمي وسارة تصلني بالتدريج عن طريق بعض الأقارب العقلاء الذين رفضوا المشاركة في هذه المهزلة، وكانوا يزوروننا في الخفاء.
ماذا حدث؟
سارة، التي اعتادت كلما تشاجرت مع زوجها أن تهرب إلى بيتي لتجد الخادمات أي زوجتي في خدمتها، وجدت الوضع مختلفًا تمامًا مع زوجها الحالي. زوج سارة لم يكن مستعدًا لتحمل ذهابها
وإيابها المستمر
لبيت أهلها كلما حدثت مشكلة تافهة. وعندما حدثت مشكلة بينهما

الصفحة السابقة 1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *