حماتي بقلم مني السيد1

حماتي كانت بتتعمد تسيب بيتي في فوضى كل ما تزورنا… لحد ما جه اليوم اللي قررت فيه أرد عليها بطريقتي…
أنا عندي 30 سنة، ومتجوزة وعندي طفلين، بنت عندها 11 سنة وولد عنده 8 سنين. ورغم إن تربية ولادي فيها تعب، إلا إن أكبر مشكلة في حياتي عمرها ما كانت هما… كانت حماتي.
حماتي من النوع اللي ييجي البيت من غير حتى ما يتصل أو يستأذن، تدخل كأن الشقة شقتها، وتقلب الدنيا فوق تحت. وكل مرة تمشي، ألاقي نفسي محتاجة ساعات عشان أرجع البيت زي ما كان..حصري على صفحة روايات و اقتباسات..
لو عملت لنفسها كباية شاي، تسيب الكوباية في أي مكان. لو أكلت، الأطباق تفضل على السفرة. ولو دخلت بالبلاط وهي لابسة جزمة من بره، تسيب التراب والطين في كل حتة.
#حكايات_مني_السيـد
ولما كنت أقول لها بهدوء:
“يا طنط، ياريت أي حاجة تستخدميها ترجعيها مكانها.”
كانت تضحك بمنتهى البرود وترد:
“هو مش البيت فيه ست تنظفه؟”
الكلمة دي كانت بتحرق دمي كل مرة، وجوزي هو كمان كان متضايق من تصرفاتها، وحاول يكلمها أكتر من مرة، لكن كل مرة كانت تعمل نفسها المظلومة، وتقول إنها جاية تساعدنا وإننا بقينا بنعاملها وحش.
وفي الآخر… أنا اللي كنت بشيل الليلة كلها…لحد ما جه يوم السبت اللي فات…حصري على صفحة روايات و اقتباسات
زي عادتها، دخلت علينا من غير ميعاد، وقالت إنها هتعمل لنا الغدا…بعد ما خلصنا أكل، دخلت المطبخ… لقيته كأنه حصلت فيه خناقة….. الحلل في الحوض، الرخامة كلها بقايا أكل، الزيت مرشوش في كل مكان، والأطباق متكومة فوق بعض.
وكأن ده مش كفاية…وقعت منها فنجان القهوة على الأرض اللي كنت لسه ماسحاها الصبح، وبصت للبقعة ولا كأنها شافتها، ولفت وشها ومشيت.
وأنا واقفة ببص على اللي حصل…
بصتلي بابتسامتها المعتادة وقالت نفس الجملة اللي بسمعها بقالها سنين: “يا بنتي… ما هو البيت فيه ست تنظفه.”
ابتسمت لها بهدوء ، وقلت:
“معاكي حق… المرة دي عندك حق فعلًا.”
هي افتكرت إني استسلمت…لكن ما كانتش تعرف إن قبل ما اليوم ده يخلص… هتتعلم درس عمرها ما هتنساه، ومش هتكرر الجملة دي في بيتي أبدًا…#حكايات_مني_السيـد
خرجت حماتي من باب الشقة وهي بتدندن بمنتهى البرود، ومدركة تماماً إنها سابت وراها كاطارث محتاجة يومين تنظيف. أول ما الباب اتقفل، بصيت لجوزي “أحمد” اللي كان واقف في الطالة وباصص للأرض بقلة حيلة.
أحمد بصللي وبحرج قال:
“أنا آسف يا منى.. والله كلمتها ألف مرة، بس إنتي عارفة أمي، لو زادت الكلام معاها هتعملنا مناحة وتقول بنطردها.”
رديت عليه بابتسامة هادية جداً، عكس النار اللي كانت شاعلة جوايا:
“ولا يهمك يا أحمد.. خلاص، المشاكل والزعل ما بيفيدوش. أدخل إنت ارتاح مع الولاد في أوضتهم، وأنا هتعامل.”
أحمد اتفاجئ من هدوئي، افتكر إن طفح بي الكيل وخلاص استسلمت للأمر الواقع. دخل الأوضة للولاد، وأنا وقفت في نص الصالة أخدت نفس عميق.. المرة دي مش هعيط، ومش هتحسبن، ومش هسهر لوش الفجر ألم وراها. المرة دي اللعبة هتتغير تماماً.
طلعت تليفوني ورنيت على أخت جوزي، “شيرين”. شيرين نسخة مصغرة من أمها، بس أبرد، وعايشة مع أمها في شقتها الكبيرة اللي في نفس الحي.
“ألو.. إزيك يا شيرين؟ بقولك إيه، طنط كانت عندنا وعملت شوية أكل حلوين، بس وهي ماشية نسيت شنطة أدوية المهمة ومفاتيحها على السفرة، وقالتلي أعدي أجيبهالها بسرعة عشان محتاجة الدوا ضروري.”
شيرين ردت بكسل:
“أه أه.. هي فعلاً لسه داخلة بتقول نسيتم هناك.. طب تعالي هاتيها يا منى.”
قلت لها بكل ثقة:
“تمام، أنا جاية حالا.”
رحت على المطبخ، وبدل ما أبدأ أنظف.. فتحت درج الأكياس الكبيرة، وأخدت شنطة سفر واسعة كانت عندي في الدولاب. وبدأت الرحلة:
جمع كل الأطباق المتوسخة بالزيت والسمنة، الحلل اللي فيها بقايا الأكل المحروق، فنجان القهوة المكسور بالمسحوق بتاعه، وحتى الكوبايات اللي سابت فيها تفل الشاي على الرخام.. كل ده اترمى جوة الشنطة الكبيرة بحرص عشان ما يتكسرش زيادة، بس اتساب بوساخته وكركبته.
ما اكتفيتش بكده.. دخلت حمام الضيوف اللي هي استخدمته وسابت الفوطة مرمية على الأرض والمية مغرقة الدنيا، أخدت الفوطة المبلولة بالصابون وحطيتها في زاوية الشنطة. وبحركة سريعة، مسحت بقايا الطين اللي سابته بجزمتها في الممر بقطعة قماش، وحطيتها معاهم.
أحمد خرج من الأوضة على صوت الحركة، وبصلي بذهول وهو شايفني بلم الوساخة كلها في الشنطة بدل ما أغسلها في الحوض!
“منى! إنتي بتعملي إيه؟ الشنطة دي فيها إيه؟”
بصيتله بثبات وقلتله:
“أنا رايحة أرجع لأمك حاجتها.. مش هي قالت ‘البيت فيه ست تنظفه’؟ تمام.. بيتها هي بقى!”
أحمد وقف مبهوت:
“إنتي تجننتي يا منى؟ هتروحي ترمي الحاجة في بيتها؟ دي هتولع الدنيا!”
مسكت إيده بهدوء وقلتله:
“أحمد.. بقالنا 12 سنة متجوزين، وأنا شايلة قرف وقلة ذوق، وحاولت مع أمتك بالذوق والأدب والأصول وهي مصرة تهينني في بيتي وتخليني خادمة وراها. لو بتحبني بجد ومقدر تعبي، سيبني المرة دي أرد كرامتي.. وإلا قسماً بالله ما قاعدالك فيها.”
أحمد شاف في عيني نظرة عمري ما وريتها له.. نظرة ست جابت أخرها وخلاص مش باقية على حاجة. بلع ريقه وسكت، وما قدرش يمنعني.
أخدت الشنطة الكبيرة، وطلعت على بيت حماتي. المسافة كانت عشر دقائق بالمشي. طوال الطريق، قلبي كان بيدق بسرعة، بس العند والوجع كانو مقوين قلبي.
وصلت عند باب شقتها، خبطت. فتحتلي شيرين وهي لابسة البيجامة ومسكينة ماسكة تليفونها.
“إيه يا منى تأخرتي ليه؟ فين الحاجة؟”
زقيت الباب بدراعي ودخلت الصالة بمنتهى القوة. حماتي كانت قاعدة على الكنبة المذهبة في الصالة، رافعة رجليها بتتفرج على التلفزيون ومستكنة، وبتبصلي باستعلاء وهي فاكرة إني جاية أخدمها لحد عندها وأجيب لها الدوا.
“أهلاً يا منى.. حطيت الشنطة فين؟ هاتي الدوا يختي.”
وقفت في نص صالة حماتي النظيفة والمفروشة سجاد عجمي غالي، وبصيت لها بابتسامة عريضة.
“لا يا طنط.. أنا ما جبتش الدوا.”
حماتي حواجبها اترفعوا بغضب:
“يعني إيه ما جبتيش الدوا؟ أومال جاية ليه وشايلة شنطة كد ده؟”
مسكت الشنطة الكبيرة، وفتحت السوستة للأخر.. وبكل قوة، قلبت الشنطة في نص صالة حماتي وعلى السجاد العجمي!
المنظر كان دمار شامل!
الأطباق المتوسخة بالزيت والدمس طارت على السجادة، الحلل اللي فيها بقايا الطبيخ والمحروق نزلت على طقطوقة الإزهار، فنجان القهوة بالدفن بتاعه اتقلب على الكنبة، والفوطة المبلولة بالطين نزلت في نص الصالة!
شيرين صرخت بصوت هز العمارة:
“نهار أسود!! إنتي بتعملي إيه يا مجنونة إنتي؟!”
حماتي اتنفضت من على الكنبة، وشها بقى أصفر زي الليمونة، وعينيها كانت هتطلع من مكانها من الصدمة:
“إنتي جراك إيه في عقلك؟ إنتي اتجننتي يا بت؟ بترمي الزبالة والأكل في بيتي؟!”
وقفت حاطة إيدي في وسطي، وبصيت في عين حماتي مباشرة، ومن غير ما أرفع صوتي، قلت بنبرة أبرد من التلج:
“جرى إيه يا طنط؟ أصل أنا افتكرت كلامك.. لما قلتلك يا ريت تنظفي وراكي، قلتيلى ‘هو مش البيت فيه ست تنظفه؟’.. وأنا الصراحة اقتنعت بكلامك جداً! أهي شقتك، وإنتي الست اللي فيها.. اتفضلي نظفي بقى قرفك بنفسك!”
حماتي كانت هتقع من طولها من الفضيحة والكركبة، وبدأت تزعق وتولول:
“والله لأوريكي يا منى! أنا هطلب أحمد دلوقتي يطلقك ورجلك ما تطأش البيت ده تاني! يا قليلة الأدب يا تربية الشوارع!”
طلعت تليفونها وهي إيدها بتموت من الترعش وترن على أحمد.. وقالت وهي بتصرخ في التليفون:
“تعالى شوف مراتك المجنونة عملت إيه في بيت أمك يا أحمد! رمت الأكل والحلل الوسخة على السجاد في الصالة! تعال طلقها حالاً!”
أنا فضلت واقفة مكاني ما تحركتش خطوة، ومستنية أشوف رد فعل أحمد..
يا ترى أحمد هيقف جنبي بعد ما شاف كرامتي وهي بتهدر سنين؟ ولا هيسمع كلام أمه ويهد بيتنا عشان شحنة غضب؟
السماعة كانت على السبيكر.. وصوت أحمد جه من التليفون هادي جداً عكس توقعات حماتي تماماً.. وقال كلمة واحدة خلت الصالة كلها تسكت..
#حكايات_مني_السيـد
(يتبع في الفصل الثالث…)




