خيانة زوجي ل سهر

​واقفة في المطبخ، ريحة المحشي وصينية المكرونة بالبشاميل مالية الشقة. تلات سنين… تلات سنين كاملة بتعد الأيام يوم بيوم، وبتحوش القرش على القرش من شغلها في المشغل الصبح، وتطريز الفساتين بالليل. كل ده عشان “محمود” حبيبها وابن خالتها اللي سافر دبي يبني مستقبلهم.
​إيديها اللي كانت ناعمة بقت خشنة من الإبرة، وتحت عينيها إرهاق سهر الليالي مع خالتها “أم محمود” المريضة. بس كله كان بيهون عشان اللحظة دي. النهارده محمود راجع، والنهاردة هيتحدد ميعاد كتب الكتاب.
​”ريم” مسحت إيديها في الفوطة بسرعة لما سمعت صوت كلاكس عربية تحت. طلعت البلكونة بلهفة، قلبها بيدق زي الطبلة. تاكسي مخصوص وقف تحت العمارة. الباب اتفتح ومحمود نزل…
​اتغير.. اتغير أوي. بدلة شيك جداً باين عليها الغلا، ساعة بتلمع في إيده، وشعره متسرح بعناية ومختلف. ريم ابتسمت والدموع في عينيها، ولسه هتنادي عليه بصوتها كله، لقت محمود بيلف ويفتح الباب التاني للتاكسي.
​نزلت منه واحدة… آية في الجمال. لابسة فستان ما يتلبسش في حارتهم الشعبية دي أبداً، وشعرها الأصفر نازل على ضهرها، ريحة البيرفيوم بتاعها وصلت لريم فوق في البلكونة. محمود حط إيده على وسط الست دي بحماية وقفل باب التاكسي، وشاور للسواق ينزل الشنط… شنط كتير أوي وكلها ماركات.
​ريم

حسّت إن جردل ماية تلج اتدلق عليها. ملامحها بهتت، ونزلت السلم جري وهي مش حاسة برجليها، بتكذب عينيها وبتقول لنفسها أكيد دي مديرته في الشغل.. أكيد جاية معاه لسبب تاني.
​فتحت باب العمارة في اللحظة اللي محمود كان داخل فيها والست دي في إيده.
عينيه وسعت من الصدمة لما شافها:
“ريم؟!”
​الست اللي معاه بصت لريم بقرف من فوق لتحت (ريم كانت لافة طرحة عادية على إسدال الصلاة عشان تنزل بسرعة).
الست قالت بدلع وتناكة:
“مين دي يا مودي؟ دي الشغالة اللي قلتلي إنها بتراعي والدتك؟ شكلها مبهدل أوي.”
​كلمة “الشغالة” رنت في ودن ريم كأنها طلقة رصاص. محمود بلع ريقه ومقدرش يبص في عينيها، بص في الأرض وقال بصوت واطي مهزوز:
“أصل يا ريم… دي شيرين.. شيرين هانم صاحبة الشركة اللي أنا… أقصد شيرين مراتي. أنا مكنتش عارف أقولك إزاي، بس إنتي عارفة الظروف، وإنتي زي أختي ومقامك عالي.”
​لحظة صمت مرت كأنها دهر.
ريم مابكيتش. ولا صرخت. ولا حتى عاتبت. ملامحها اتجمدت زي الحجر في تحول مرعب. بصت لمحمود، وبصت لمراته اللي بتبصلها باحتقار، وطلعت من جيب الإسدال مفتاح الشقة.
​”مبروك يا عريس.” قالتها بصوت هادي، هادي لدرجة تخوف. “بس ياريت تاخد مراتك وتشوفلك فندق تباتوا فيه. لأن البيت ده مبقاش بيت أمك، ولا لك مكان فيه. البيت ده خالتك كتبته باسمي بيع وشرا من سنة لما كنت إنت بتبني مستقبلك مع الهانم وسايبها تموت.”
​محمود اتصدم ووشه جاب ألوان، ولسه هيزعق ويقولها “إنتي بتقولي إيه؟”…
​قاطعهم صوت فرامل عربية چيب سودا ضخمة ومُفيمة وقفت فجأة وراهم سدت الشارع كله. نزل منها راجل ضخم، لابس بدلة سودا ونضارة شمس رغم إن الدنيا ليل، ومعاه اتنين حرس. الحارة كلها وقفت تتفرج في رعب.
​الراجل الضخم ده مقربش من محمود، ده وقف قدام “ريم”، وطى راسه باحترام شديد وقال بصوت خشن هز الشارع كله:
“اتأخرتي ليه يا هانم؟ (الباشا الكبير) مستنيكي من بدري ومفيش وقت… ولازم نتحرك حالاً، الأمانة جاهزة.”
​محمود وشيرين فتحوا بقهم من الصدمة وهما بيبصوا لريم اللي قلعت طرحة الإسدال ببطء، وابتسمت ابتسامة غامضة ومرعبة…

​الشارع كله اتجمد. الجيران اللي كانوا مطلعين راسهم من الشبابيك عشان يتفرجوا على “منظر” محمود ومراته الجديدة “شيرين”، كتموا نفسهم مرة واحدة. العربيات السوداء والراجل اللي لابس نضارة شمس في نص الليل خلوا الحارة الشعبية الضيقة كأنها معسكر.
​محمود واقف فاتح بقه، عينه بتروح وتيجي بين “ريم” اللي لسه قالعة طرحة الإسدال ببرود، وبين الراجل الضخم اللي واقف قدامها زي العسكري. شيرين، مراته، لزقت في ضهره، والخوف ظهر على ملامحها لأول مرة.
​محمود بصوت بيترعش:
​”ريم.. إيه.. مين دول؟ ومين الباشا الكبير اللي بيتكلموا عنه؟ إنتي بتعرفي الناس دي منين يا بت؟”
​ريم مبصتلوش أصلاً. عدلت شعرها الملموم ببساطة، وبصت للراجل الضخم وابتسمت ابتسامة هادية وثابتة، تختلف تماماً عن ريم الضعيفة اللي كانت بتطرز فساتين لحد الفجر.
​ريم بثقة:
​”معلش يا متر.. سيادة المستشار، دقيقة واحدة هجيب الشنطة الصغيرة من الشقة وأكون معاك. الأمانة في الحفظ والصون.”
​المستشار بأدب شديد:
​”براحتك يا فندم، الحرس مع الكابتن تحت لتأمين الشارع، وإحنا في الانتظار.. بس الباشا مستعجل جداً، طيارة المحامي الدولي هتقوم كمان ساعتين.”
​محمود حس إن عقله هيطير. المحامي الدولي؟ الأمانة؟ الباشا؟ بص لشيرين اللي بدأت تشد كم بدلتة بغضب وخوف.
​شيرين بصوت واطي حاد:
​”محمود! إيه القرف ده؟ مين الشغالة دي بالظبط؟ إنت مش قلت لي إنها حتة بت يتيمة ملهاش حد وبتخدم أمك بلقمتها؟ إيه العربيات دي؟ إحنا هندخل في مشاكل؟”
​محمود وهو بيحاول يستعيد هيبته قدام مراته والناس:
​”استني بس يا شيرين.. ريم! خدي هنا يا بت.. أنا بكلمك! شقة أمي اللي بتقولي كتبتها باسمك دي مش هسيبها.. دي شقتي.. ورثي! والناس الصيع اللي واقفين تحت دول مش هيخوفوني!”
​الراجل الضخم لف ببطء، وبص لمحمود من فوق النظارة السوداء. نظرة واحدة خلت محمود يبلع باقي كلامه.

1 2الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *