رقصت قدام عربية ومكنتش تعرف ان في حد شايفها جوة

فتحت باب العربية بسرعة وركبت وهي بتنهج من التوتر، وقبل ما تنطق بكلمة، العربية انطلقت بسرعة رهيبة خلتها تترمي لورا على الكرسي الجلد الفخم.
​قاسم كان قاعد جنبها، حاطط رجل على رجل، وباصص في موبايلها بتركيز مستفز. صبا حاولت تهجم على الموبايل وتاخده، لكنه مسك إيدها في الهوا بقبــ,,ـــــضة قوية ونظرة حادة خلتها تتسمر مكانها.
​قاسم بنبرة واثقة:
اثبتي مكانك.. أنا مش بخطفك، أنا بس بحافظ على “حقوق الملكية” للفيديو اللي اتصور على عربيتي.
​صبا وصوتها بيترعش من الغضب:
أنت بني آدم غريب ومستفز! نزلني حالا وخد الفيديو والعربية وكل حاجة، بس سيب الموبايل.. عليه حاجات تخصني.
​قاسم لف الموبايل ناحيتها وورّاها الفيديو وهو شغال، وقال بهدوء:
على فكرة.. رقصك مش وحش، بس كان ناقصك إضاءة أحسن من كدة.
​صبا وشها بقى زي الدم من الكسوف، غطت وشها بإيديها وقالت:
يا ربي على الرخامة.. بجد أنت عايز إيه؟ لو عايز فلوس هديك، بس خلصني.
​قاسم سكت لحظة، وبص لها بتمعن، وكأنه بيفكر في حاجة تانية خالص غير الفيديو. قفل الموبايل وحطه في جيبه الداخلي للجاكيت وقال:
أنا مش محتاج فلوسك.. أنا محتاج “مرافقة”. عندي اجتماع مهم في المطار مع وفد أجنبي، ومحتاج بنت تكون شكلها بريء وزي الملاك زيك كدة تكون قاعدة جنبي.. كأننا في ميعاد غرامي عشان أخبي الغرض الحقيقي من المقابلة.
​صبا فتحت بؤها بصدمة:
نعم؟! أنت عايزني أمثل معاك؟ أنت أكيد فيلم هندي!
​قاسم ابتسم ابتسامة خطيرة وقرب منها:
تقدري تقولي كدة.. الاجتماع يخلص، والموبايل يرجعلك بكلمة السر بتاعته، وفوقيهم اعتذار رسمي.. ها؟ قولتي إيه؟ المطار مفيش بيننا وبينه غير 5 دقايق.
​صبا بصت له بذهول، كانت حاسة إنها في حلم أو كابــ,,ـــــوس مش مفهوم، بصت على باب العربية اللي مقفول بـ “سنتر لوك” وبصت لقاسم اللي ملامحه مش بتهزر، وقالت بصوت واطي ومقهور:
يعني مفيش مفر؟
​قاسم ببرود وهو بيعدل ساعة إيده:
مفيش مفر.. ده بيزنس يا..؟
​صبا بضيق:
صبا.. اسمي صبا.
​قاسم هز رأسه وكأنه بيسجل الاسم في ذاكرته:
اسم رقيق.. زيك. دلوقتي يا صبا، مفيش وقت للشرح. الوفد ده لازم يفتكر إننا “كابل” وقاضيين ليلة سعيدة، مش عايز حرف عن الفيديو ولا الموبايل، والضحكة اللي شفتها في الفيديو دي عايزها تطلع دلوقتي، وإلا الموبايل ده هيفضل معايا للأبد.
​العربية وقفت فجأة قدام صالة كبار الزوار، والسواق نزل بسرعة فتح الباب. قاسم نزل ومد إيده لصبا بحركة جنتل مان كلاسيكية، بس نظرة عينه كانت بتقول “لو ما نزلتيش هسحبك”.
​صبا نفخت بضيق، وحطت إيدها في إيده وهي بتهمس من تحت ضرسها:
حسبي الله ونعم الوكيل في التيك توك واللي بيعملوه.
​قاسم ضغط على إيدها بخفة وهو بيشدها ناحيته، وهمس في ودنها وريحة برفانه بتسكرها:
اضحكي.. الخطر مبيحبش الوشوش العبوسة.
​أول ما دخلوا الصالة، كان في راجل أجنبي طويل ومعاه سكرتيرة واقفين مستنيين. قاسم فجأة تحول لشخص تاني، ابتسامة ساحرة، وبدأ يتكلم لغة إنجليزية بطلاقة وهو بيقدم صبا:
— “Meet my fiancé, Saba. I’m sorry we’re a bit late, she insisted on a quick stop before the flight.”
​صبا كانت واقفة مشلولة، “خطيبته”؟ الكلمة رنت في ودنها وهي بتحاول ترسم ابتسامة باهتة على وشها. الأجنبي سلم عليها بحفاوة وقال:
— “She is stunning, Qassim. Now I understand why you were ready to miss your private jet.”
​قاسم بص لصبا بنظرة كلها “حب” مصطنع، ولف دراعه حوالين وسطها وقربها منه أكتر، لدرجة إنها حست بدقات قلبه المنتظمة والقوية. قاسم رد وهو باصص في عيونها:
— “She is worth every minute.”
​صبا حست إن جسمها كله بيترعش، مش عارفة ده من التوتر ولا من وجوده القريب منها بالشكل ده. الاجتماع بدأ وهما قاعدين على ترابيزة واحدة، وقاسم كان بيناقش صفقات بملايين الدولارات وهو لسه ماسك إيد صبا تحت الترابيزة، بيضغط عليها كل ما يحس إنها هتفصل من الدور.
​فجأة، موبايل صبا اللي في جيب قاسم بدأ يرن.. وصوت التراك اللي كانت بترقص عليه طلع عالي جداً في وسط هدوء الصالة.
​قاسم اتصرف ببرود، لكن صبا وشها بقى أحمر من الكسوف.الكل سكت تماماً، وصوت الأغنية “التريند” مالي القاعة الفخمة ومخلي الموقف كوميدي ومرعب في نفس الوقت. الراجل الأجنبي رفع حواجبه باستغراب، وقاسم ملامحه ما اتهزتش، مد إيده في جيبه ببرود وطلع الموبايل، وبص للشاشة وابتسم بتمثيل متقن وهو بيبص لصبا:
— “معلش يا حبيبتي، أكيد صاحبتك (سارة) بتلح عليكي عشان الفيديو اللي صورتيه لها.”
​بص للأجنبي وقال بضحكة واثقة:
— “صبا مهووسة بتصوير الطبيعة، وصاحبتها مش صبورة خالص.”
​صبا كانت عايزة تنشق الأرض وتبلعها، بس لقت نفسها بتساير التمثيلية وقالت بصوت مهزوز:
— “آه فعلاً.. أنا آسفة جداً.”
​قاسم قفل الموبايل خالص وحطه قدامه على التربيزة بوضوح، وكأنه بيديها أمل إنها هتاخده. الاجتماع كمل، وقاسم كان بيدير الكلام بذكاء لدرجة خلت الوفد يمضي الورق وهما مبهورين بشخصيته.
​أول ما الوفد مشي، قاسم قام وقف، ملامحه رجعت لبرودها القاتل تاني، وساب إيد صبا فجأة.
صبا نفخت بجدية:
— “ها.. المهمة تمت بنجاح يا سيادة النجم. هات الموبايل بقى وخليني أمشي، أنا أعصابي باظت.”
​قاسم مسك الموبايل، وبدأ يقلب فيه ببطء وهو ماشي ناحية باب الصالة:
— “الحقيقة أداؤك كان معقول، بس لسه الفيديو عندي.. وبعدين مين قال إن المهمة خلصت؟”
​صبا مشيت وراه بسرعة:
— “أنت هتستعبط؟ الورق اتمضى والناس مشيت!”
​قاسم وقف فجأة، فخبطت في ظهره العريض. لف ليها وقال وهو بيبص في عيونها بقوة:
— “الناس دي هتركب معايا الطيارة دلوقتي، وهينزلوا معانا في (بيروت). الاجتماع ليه تكملة هناك.. ولو اختفيتي دلوقتي، هيشكوا إن في حاجة غلط، وأنا مش بخسر صفقات يا صبا.”
​صبا شهقت:
— “بيروت إيه؟ أنت فاكرني مين؟ أنا عندي جامعة وعندي أهل!”
​قاسم طلع باسبورها من جيبه (اللي كان في شنطتها اللي السواق جابها من العربية):
— “باسبورك معايا، وشنطتك في الطيارة، وأهلك.. السواق بتاعي كلم والدتك وقالها إنك مع صاحبتك وهتباتوا سوا عشان مشروع التخرج.”
​صبا اتصدمت من جبروته:
— “أنت شيطان! أنت إزاي تعمل كده؟”
​قاسم قرب منها وهمس:
— “أنا قاسم الألفي.. اللي بعوزه باخده. وقدامك حل من اتنين: تركبي الطيارة دي كـ (خطيبتي) وتعيشي يومين ملكة في لبنان وترجعي بموبايلك ومعاه هدية اعتذار.. يا إما تفضلي هنا، وباسبورك وموبايلك هيسافروا معايا.”
​صوت المحركات بره بدأ يعلى، وقاسم بدأ يتحرك ناحية الممر المؤدي للطيارة وهو مش بيبص وراه، واثق إنها هتمشي وراه.
​صبا وقفت في نص الصالة، دموعها قريبة من عينها بس غيظها أكبر..صبا كانت واقفة بتغلي، بتبص لظهره وهو ماشي بكل ثقة وبرود، وكأنه ضامن إنها خاتم في صباعه. بصت حواليها لقت أمن المطار والناس، فكرت تصرخ وتلم الناس عليه، بس افتكرت إن باسبورها وموبايلها معاه، وهو “قاسم الألفي” يعني بكلمة منه ممكن يقلب الترابيزة عليها ويطلعها هي اللي غلطانة.
​جريت وراه ولحقته قبل ما يدخل الممر، مسكت دراعه بقوة وقالت وهي بتجز على سنانها:
— “أنا موافقة.. بس وحياة أمي يا قاسم يا ألفي، لادفعك تمن كل دقيقة رعب عيشتها، وهخليك تندم إنك فكرت تستخدمني في ألعابك القذرة دي.”
​قاسم وقف، وبص لإيدها اللي ماسكة دراعه بابتسامة سخرية، وبعدين بص لعيونها اللي بتشرار غضب:
— “بلاش طولة لسان عشان نعرف نتعامل.. وبعدين ‘وحياة أمك’ دي مش لايقة على فستانك الرقيق خالص.”
​شدها من إيدها ودخلوا الطيارة الخاصة. صبا أول ما دخلت انبهرت بالفخامة، بس حاولت تداري ده ورمت نفسها على أول كرسي بضيق. قاسم قعد قدامها بكل هدوء وفتح اللابتوب بتاعه وكأنها مش موجودة.
​الطيارة بدأت تتحرك، وصبا حست بقلبها هيقف من القلق، بصت له وقالت:
— “الموبايل.. هاته دلوقتي عشان أمسح الفيديو قدامك.”
​قاسم من غير ما يرفع عينه من على الشاشة:
— “لما نوصل بيروت ونطمن إن الصفقة تمت.. الموبايل هيرجعلك. دلوقتي ارتاحي، قدامنا ساعتين طيران.”
​صبا قامت وقفت وقربت منه، وبكل جراءة قفلت له اللابتوب بإيدها:
— “أنا بكلمك! أنت فاكرني جارية عندك؟ أنا هنا عشان مصلحتك، يعني تعاملني باحترام.”
​قاسم رفع عينه ببطء، والنظرة المرة دي كانت مختلفة.. كانت تقيلة ومركزة في ملامحها أوي. قام وقف وطوله خلى صبا ترجع خطوة، بس فضل يقرب لحد ما لزقت في جدار الطيارة. حط إيده الاتنين على الجدار حواليها، وحاصرها تماماً:
— “أنا مابحبش حد يقاطــ,,ـــــعني وأنا بشتغل.. ومابحبش حد يملي عليا شروط. أنتِ هنا عشان غلطتي، والغلط تمنه غالي عندي أوي.”
​صبا كانت حاسة بنفاسه قريبة منها، وقالت بصوت مهزوز حاولت تخليه قوي:
— “تمن الغلط اعتذار، مش خطف!”
​قاسم قرب من ودنها وهمس بصوت خلى جسمها كله يتنفض:
— “أنا مابعتذرش.. أنا باخد تعويض. والتعويض بتاعك إنك هتفضلي ‘خطيبتي’ لحد ما نرجع.. ولو الدور عجبني، يمكن أخلي الخطوبة بجد.”
​صبا زقته بكل قوتها وهي بتصرخ:
— “في أحلامك يا قاسم! أنا مستحيل أتجوز واحد مغرور وشيطان زيك.”
​قاسم ضحك بصوت عالي لأول مرة، ضحكة رجولية هزت كيانها، ورجع قعد مكانه وقال ببساطة:
— “نشوف.. لبنان جوها بيغير النفوس.”
​أول ما وصلوا مطار بيروت، كانت في مفاجأة مستنية صبا..
​لقوا صحافة وتصوير في انتظار “قاسم الألفي وخطيبته الغامضة”.
أول ما باب الطيارة اتفتح، صبا اتصدمت بفلاشات الكاميرات وصوت الصحفيين وهما بينطقوا اسم قاسم الألفي. بصت له برعب وهمست من بين سنانها:
— “إيه ده؟ أنت ما قولتليش إن في صحافة! أنا هروح في داهية لو حد من قرايبي شاف الصور دي.”
​قاسم لبس نظارته الشمسية بمنتهى الثبات، ومسك إيدها وضغط عليها بقوة وكأنه بيفكرها بالاتفاق، وقال بهمس قاتل:
— “اثبتي.. أي حركة غلط الموبايل هيتفرمت بكل اللي عليه قبل ما توصلي للأرض. اضحكي يا خطيبتي العزيزة.”
​نزلوا من على سلم الطيارة، وقاسم لف دراعه حوالين وسطها بتملك واضح، وبدأ يمشي وسط الصحفيين وهو بيرد بكلمات مقتضبة وذكية. واحد من الصحفيين قرب المايك وسأل:
— “قاسم بيه، مين الجميلة اللي خطفت قلب صقر الاقتصاد العربي فجأة كده؟”
​قاسم بص لصبا بنظرة كلها “عشق” مزيف، وقال بصوت واثق:
— “دي صبا.. الإنسانة الوحيدة اللي قدرت تخليني أوقف شغلي عشان خاطر عيونها. وأعتقد إن خصوصيتنا خط أحمر.”
​صبا كانت حاسة إنها في دوامة، بس غريزة البقاء عندها اشتغلت. فجأة، وبدل ما تفضل ساكتة ومكسوفة، قررت ترد له القلم بطريقتها. لفت وشها له، وحطت إيدها على صدره بدلال مصطنع، وقالت بصوت مسموع للصحفيين:
— “قاسم دايماً بيبالغ.. بس الحقيقة هو اللي أصر يغير كل خططه عشان نكون سوا هنا في بيروت.. مش كده يا حبيبي؟”
​قاسم ضيق عيونه، وعرف إنها بدأت تلعب “البيضة والحجر” معاه. ابتسم ببرود وقال:
— “طبعاً يا روحي.”
​ركبوا العربية اللي كانت مستنياهم، وأول ما الباب اتقفل والخصوصية رجعت، صبا نفضت إيده عنها بغل:
— “حبيبي في عينك! أنا عملت اللي أنت عايزه، دلوقتي هات الموبايل والزفت الباسبور، أنا عايزة أرجع مصر حالا.”
​قاسم سحب سيجارة وولعها بهدوء، ونفخ الدخان بعيد عنها وهو بيبص من الشباك على شوارع بيروت:
— “اللعب لسه في أوله يا صبا. إحنا رايحين دلوقتي على فندق (الفينيسيا).. وعندنا عشا عمل مع الوفد. وبعد العشا، هنقرر إذا كنتِ تستحقي ترجعي ولا محتاجة ‘تدريب’ أكتر على دور الخطيبة.”
​صبا صرخت فيه:
— “أنت مريض! أنت مستمتع بإذلالي؟”
​قاسم رمى السيجارة وبص لها بنظرة خلت ريقها ينشف، قرب منها لحد ما وشهم بقى مفيش بينهم سنتيمترات، وقال بنبرة هادية ومرعبة:
— “أنا مش مستمتع بإذلالك.. أنا مستمتع بكسر مناخيرك العالية دي. وبعدين، الفيديو اللي صورتيه وانتي بترقصي.. أنا لسه ممسحتوش، وعجبتني فيه حتة معينة.. تحبي أشوفها لك تاني؟”
​صبا رفعت إيدها عشان تضــ,,ـــــربه بالقلم من كتر غيظها، بس قاسم مسك إيدها في الهوا قبل ما تلمس وشه، وعصرها بين صوابعه وهو بيقول:
— “إياكي.. المرة دي هعديها، المرة الجاية العقاب مش هيعجبك.”
​العربية وقفت قدام الفندق، والحراس فتحوا الأبواب. قاسم نزل وعدل جاكيت بدلتة، ومد إيده ليها تاني ببرود:
— “يلا يا (عروسة).. العشا مستنينا.”
​صبا دخلت الفندق وهي بتخطط لكارثة تهدم له الصفقة وتخليه يندم.
​صبا نزلت من العربية وهي بتجر أذيال الخيبة والغل، حطت إيدها في إيده ومثلت الابتسامة قدام طاقم الفندق اللي كان واقف في استقبالهم بالورود. قاسم كان بيتعامل بملكوت خاص، كأنه يملك المكان واللي فيه، وده كان بيستفزها أكتر.
​دخلوا الجناح الملكي اللي قاسم حجزه، وصبا أول ما شافت إن الجناح فيه غرفة واحدة كبيرة، لفت له وهي بتبرق:
أنت فاكر إيه؟ أنا مش هنام هنا، أنت اتجننت رسمي!
​قاسم رمى مفاتيح العربية على التربيزة وبدأ يفك كرافتته بهدوء مستفز:
الجناح فيه كنبة مريحة جداً لو حابة، أو تقدري تنامي في البلكونة تتفرجي على بحر بيروت.. أنا مش فاضي لخناقاتك، قدامك ساعة واحدة، الماكير والكوافير هيجوا يجهزوكي لعشا العمل، عايزك تبهري الكل.. وممنوع الغلط.
​صبا قعدت على طرف السرير وهي بتفكر في مصيبتها، ولقت إن دي فرصتها الوحيدة. لما جم المتخصصين يجهزوها، بدأت ترسم في دماغها خطة عشان تبوظ الصفقة وتخليه يرجعها مصر بجنازة.
​الساعة جت ٩، وصبا خرجت من الغرفة وهي لابسة فستان أحمر نــ,,ـــــاري يخطف الأنفاس، مكياجها كان جريء وعيونها فيها تحدي. قاسم كان واقف مستنيها وهو لابس بدلة سودة كلاسيكية، أول ما شافها سكت لحظة، وعيونه اتسعت بإعجاب حاول يداريه بسرعة:
مش بطال.. بس يا ريت لسانك يفضل جوه بقك طول القعدة.
​صبا ابتسمت بـ مكر:
ما تقلقش يا حبيبي.. هبهرك.
​وصلوا المطعم الفاخر اللي فيه الاجتماع، والوفد الأجنبي كان قاعد ومستني. قاسم بدأ يتكلم في الأرقام والشروط، وصبا كانت قاعدة بتسمع وهي بتلعب في كاس الماية اللي قدامها. فجأة، وفي نص كلام قاسم عن الأمان والنزاهة في شركته، صبا ضحكت ضحكة عالية خلت الكل يسكت ويبص لها.
​قاسم بص لها بنظرة تحذير مميتة، بس هي تجاهلته وبصت لرئيس الوفد وقالت بدلع مصطنع:
تصدق يا مستر (جون)، قاسم ده أطيب حد في الدنيا.. لدرجة إنه بيحب يجمع “فيديوهات” للناس اللي بتتعامل معاه عشان يفضل فاكرهم.. مش كده يا قاسم؟
​قاسم ضغط على شوكة الأكل لحد ما إيده ابيضت، والوفد بدأ يتبادل نظرات القلق. صبا كملت وهي بتبص لموبايلها اللي قاسم كان حاطه على التربيزة جنبه:
حتى أنا.. صور لي فيديو رائع الصبح قدام عربيتة، بيحب يوثق كل لحظة “ابتزاز” قصدي “حب” في حياته.
​رئيس الوفد سأل باستغراب عن معنى كلامها، وقاسم في ثانية قدر يسيطر على الموقف، مسك إيد صبا وعصرها بقوة تحت التربيزة وهو بيضحك:
صبا بتهزر.. هي تقصد إني مهتم بالتفاصيل الدقيقة في الشغل لدرجة التوثيق.. هي غيورة شوية وبتحب تلفت انتباهي في نص الكلام.
​قاسم قرب من ودنها وهمس بصوت زي فحيح الأفعى:
لو نطقتي كلمة تانية، الفيديو ده هينزل على كل مواقع التواصل قبل ما نقوم من هنا.. وهتتمني إنك كنتِ لسه بترقصي وما دخلتيش اللعبة دي.
​صبا حست بوجع في إيدها، بس الخوف الحقيقي بدأ يتسرب لقلبها من لمعة الشر اللي في عيونه. قاسم كمل الاجتماع وكأن مفيش حاجة حصلت، بس أول ما الوفد قام عشان يوقع العقود في مكتب الفندق، شد صبا من دراعها ومشي بيها ناحية الأسانسير وهو بيجرها وراه بغضب حطّم كل بروده.
​دخلوا الأسانسير وقفل الباب، قاسم حاصرها في الركن وهو بيتنفس بسرعة من الغيظ:
أنتِ كنتِ عايزة تدمري مستقبلي؟ أنتِ عارفة أنا ممكن أعمل فيكي إيه دلوقتي؟
​صبا صرخت فيه بدموع بدأت تنزل:
اعمل اللي تعمله! أنت خطفتني وذليتني، عايزني أسكت لك؟ أنا بكرهك يا قاسم!
​قاسم فجأة سكت، وبص لدموعها اللي نزلت على خدها، وقربه منها اتحول من غضب لحاجة تانية مش مفهومة. مد إيده ومسح دمعتها بصباعه ببطء، ونبرته انخفضت تماماً:
مبكرهكيش.. بس مابحبش حد يتحداني.
​الأسانسير فتح، وقبل ما تخرج، قاسم طلع الموبايل من جيبه وحطه في إيدها:
الموبايل اهو.. والباسبور في الجناح. تقدري تمسحي الفيديو وتغوري على مصر في أول طيارة الصبح.. بس خليكي عارفة، إنك أول واحدة تخليني أخسر هدوئي بالشكل ده.
​صبا بصت للموبايل في إيدها وهي مش مصدقة، وقاسم سابها ومشي في الممر وهو بيعدل قميصه، وسابها واقفة في حيرة.. هل فعلاً عايزة تمشي وتنهي الحكاية، ولا في حاجة جواها بدأت تتشد لقاسم الألفي؟
​صبا فضلت واقفة مكانها، الموبايل في إيدها تقيل كأنه حتة جمر. بصت لظهره وهو بيبعد، كان ماشي بخطوات واسعة وواثقة، بس كان فيه حاجة في كتافه بتقول إنه مشدود لآخر درجة. فتحت الموبايل بسرعة، دخلت على “الصور” وعينها بتدور على الفيديو.. لقت الفيديو قدامها، صبا وهي بتضحك وبترقص بعفوية قدام إزاز عربيتة السوداء.
​صبا حطت صباعها على علامة المسح، بس فجأة ترددت. بصت لنفسها في الفيديو، كانت باينة فرحانة وبسيطة، وبصت لقاسم اللي اختفى ورا باب الجناح. مسحت دموعها بعنــ,,ـــــف ودخلت وراه الجناح، لقت الباسبور محطوط على التربيزة فعلاً وجنبه تذكرة طيران لـ 7 الصبح.
​قاسم كان واقف في البلكونة، مد ظهرها ليها، وريح سجايره مالية المكان. صبا مشيت بهدوء ووقفت وراه وقالت بصوت خالي من الانفعال:
أنا مسحت الفيديو.
​قاسم ما لفش، رد وهو بيبص للبحر:
كويس.. مبروك عليكي حريتك. التذكرة معاكي، والسواق هيستناكي الصبح يوصلك المطار.
​صبا قربت خطوة:
ليه سيبتني أمشيه دلوقتي؟ الصفقة لسه ما كملتش، والوفد لسه ما وقعش العقود النهائية.
​قاسم لف ببطء، ملامحه كانت متعبة والبرود اللي فيها انكسر شوية:
عشان اكتشفت إنك خطر على الصفقة وعلى أعصابي.. وأنا مابحبش الحاجات اللي ماليش سيطرة عليها. أنتِ يا صبا، دخلتي حياتي في وقت غلط، وبطريقة غلط.
​صبا سكتت، وبصت في عيونه لقت نظرة إعجاب حقيقية، مش تمثيل زي اللي كان قدام الناس. لقت نفسها بتقول بتلقائية:
أنت مش شيطان زي ما قولت.. أنت بس متعود تاخد اللي أنت عايزه بالقوة، وده بيخليك لوحدك.
​قاسم ضحك بسخرية:
ودلوقتي بقيتي محللة نفسية كمان؟ خدي باسبورك يا صبا ونامي، ورانا يوم طويل.. قصدي وراكي سفر طويل.
​صبا خدت الباسبور، بس بدل ما تدخل تنام، وقفت قدامه وقالت بذكاء:
أنا مش همشي الصبح.
​قاسم رفع حاجبه باستغراب:
نعم؟ ده العرض ده مش هيتكرر تاني.
​صبا ابتسمت بـ ثقة بدأت ترجع لها:
أنا بوظت لك القعدة النهاردة، ومستحيل أمشي وأنا مديونة لحد.. هكمل معاك الصفقة لآخرها، وهخلي الوفد يمضي وهما بيضحكوا، بس بشرط.
​قاسم ربع إيده وبص لها باهتمام:
وشرطك إيه؟
​صبا:
بعد ما نمضي العقود، الموبايل ده يفضل معايا، وتعتذر لي اعتذار رسمي قدام السواق بتاعك.. وتوعدني إنك مش هتحاول توصلي تاني في مصر.
​قاسم قرب منها، النظرة اللي في عيونه خلت صبا تحس إنها بتلعب بالنــ,,ـــــار فعلاً، بس المرة دي هي اللي ماسكة الكبريت. همس وهو بيبص لشفايفها:
موافق على كل الشروط.. إلا الأخير.
​صبا:
ليه؟
​قاسم:
لأني مش بوعد بحاجة عارف إني مش هقدر أنفذها.. والجميلة اللي رقصت قدام عربيتي، مستحيل تتنسي بالبساطة دي.
​صبا حست بقلبها بيدق بسرعة، والجو بينهم بقى مشحون بحاجة أكبر من مجرد صفقة أو فيديو تيك توك. قاسم مد إيده ولمس طرف شعرها وقال:
يلا، قدامنا شغل كتير الصبح يا “خطيبتي”.
صبا سحبت خصلة شعرها من إيده بهدوء فيه نوع من التحدي، ودخلت نامت وهي بتفكر في بكرة. الصبح طلع، وبيروت كانت صاحية بجمالها اللي يخطف العقل. قاسم كان مستنيها في صالة الجناح، لابس بدلة رمادي فاتح مخلية شكله أصغر وأكثر وسامة، وبص لها ببرود كالعادة بس كان فيه لمعة إعجاب في عيونه بمجرد ما شافها لابسة فستان بسيط وراقي.
​نزلوا وفطروا مع الوفد في مطعم يطل على الروشة. صبا بدأت تنفذ خطتها.. كانت بتتعامل بمنتهى الذكاء، لدرجة إنها أبهرت (جون) رئيس الوفد بثقافتها وقدرتها على الكلام في الاقتصاد بأسلوب بسيط. قاسم كان قاعد مراقبها بصمت، مبهور إزاي البنت اللي كانت “بترقص” من كام ساعة بقت هي المحرك الأساسي للقعدة.
​جون ضحك وقال لقاسم:
قاسم، أنت محظوظ جداً بصبا.. لولا كلامها النهاردة عن رؤيتكم للمشروع، يمكن كنت فكرت أكتر قبل ما أمضي.
​قاسم بص لصبا وابتسم ابتسامة حقيقية لأول مرة، ومسك إيدها قدامهم:
صبا دايمًا بتعرف تظهر الجانب المشرق في أي حاجة بتلمسها.
​وبالفعل، العقود اتمضت، والكل بارك لبعض. أول ما الوفد مشي، قاسم وصبا فضلوا لوحدهم قدام البحر. صبا سحبت إيدها وبصت له:
كده خلصنا.. الصفقة تمت، والديون اتسددت. فاضل الوعد.
​قاسم وقف وبص للسواق اللي كان واقف بعيد، وشاور له يقرب. السواق جه بسرعة، وقاسم بص لصبا وقال بصوت مسموع وواضح:
أمام الكل.. أنا بعتذر لصبا عن أي ضيق سببته ليها، وعن طريقتي في البداية.
​صبا ابتسمت بانتصار، بس قاسم كمل وهو بيبص في عيونها:
لكن بخصوص الشرط الأخير.. إني ما أحاولش أوصلك في مصر.. فأنا قولت لك إني مش هقدر أوعد.
​صبا لسه هترد، قاسم طلع علبة قطيفة صغيرة من جيبه وفتحها، كان فيها خاتم رقيق جداً بس غالي:
الخاتم ده مش عشان التمثيلية.. الخاتم ده عشان لو حبيتي في يوم تخلي الرقصة اللي بدأت قدام العربية، تخلص في بيتي.
​صبا اتصدمت، لسانها عجز عن الكلام. قاسم حط الخاتم في إيدها وقفل صوابعها عليه، وهمس:
الطيارة مستنية.. وموبايلك معاكي، وباسبورك معاكي.. وقرارك كمان معاكي.
​صبا مشيت ناحية العربية وهي مشوشة، ركبت وهي بتبص للخاتم وبعدين بصت لقاسم اللي كان واقف مكانه بيبص عليها وكأنه واثق إن دي مش النهاية.
​وصلوا المطار، وصبا نزلت ودخلت الصالة، وقبل ما تختفي في الممر المؤدي للطيارة، لفت وبصت له لآخر مرة.. لقت قاسم لسه واقف، رافع إيده بيودعها ببرود، بس عينيه كانت بتقول “هستناكي”.
​صبا ركبت الطيارة، فتحت الموبايل، لقت رسالة مبعوتة لها من رقم مجهول:
(الفيديو اتمسح من عندي فعلاً.. بس لسه مطبوع في خيالي. مستني مكالمتك لما توصلي بالسلامة.. يا صبا.)
​صبا ضحكت بوجع وفرح في نفس الوقت، وقفلت الموبايل وهي مقررة إن الحكاية دي لسه فيها كتير.
أول ما الطيارة لمست أرض مطار القاهرة، صبا حست إنها رجعت للواقع اللي هربت منه ليومين. مسكت شنطتها وخرجت، والناس حواليها بيتحركوا عادي، مفيش كاميرات، مفيش وفود أجنبية، ومفيش “قاسم الألفي”.
​طلعت موبايلها وبصت على الخاتم اللي في جيب الشنطة، كانت محتارة تلبسه ولا تخبيه. ركبت تاكسي ووصلت بيتها، وأول ما دخلت، والدتها استقبلتها بلهفة:
— حمد لله على السلامة يا صبا! صاحبتك سارة قالت لي إنكم تعبتوا جداً في تصوير المشروع.. بس وشك منور، لبنان عملت معاكي إيه؟
​صبا ابتسمت بتوتر وهي بتفتكر سارة اللي أكيد قاسم “ظبطها” عشان تغطي عليها:
— لبنان كانت.. كانت تجربة عمري ما هنساها يا ماما.
​دخلت غرفتها ورمت نفسها على السرير، فتحت الموبايل تاني وقرأت رسالته للمرة المليون. كانت عايزة تبعت له مية حاجة، عايزة تشتمه على جبروته، وعايزة تشكره إنه خلاها تحس إنها بطلة في فيلم سينما. فضلت ماسكة الموبايل لحد ما غلبها النوم.
​تاني يوم في الجامعة، صبا كانت قاعدة في الكافيتريا مع سارة، اللي كانت بتمــ,,ـــــوت وتعرف التفاصيل:
— يا بنتي انطقي! مين الراجل اللي كلمني ده؟ وصوته كان يرعب لدرجة إني وافقت على كل اللي قاله من غير ما أفهم!
​صبا لسه هترد، لقت فجأة هدوء غريب حل في الكافيتريا، والطلبة كلهم بيبصوا ناحية البوابة. صبا لفت وشها، واتسمرت مكانها.
​عربية سوداء فخمة، نفس العربية، ونفس الإزاز الفيميه الغامق، وقفت قدام مبنى الكلية. السواق نزل فتح الباب، وخرج منه قاسم الألفي بهيبته اللي بتخطف الأنفاس، كان لابس نظارة شمس وبدلة كحلي، وماشي بخطوات واثقة لدرجة إن الأرض كانت بتتهز تحت رجله.
​قاسم مشي وسط نظرات الذهول من الطلبة والدكاترة، لحد ما وقف قدام تربيزة صبا بالظبط. صبا قامت وقفت وهي مش مصدقة:
— أنت إيه اللي جابك هنا؟ إحنا اتفقنا!
​قاسم قلع النظارة وبص لها بابتسامة جانبية مستفزة وساحرة في نفس الوقت:
— اتفقنا إنك تخلصي الصفقة، وده حصل.. واتفقنا إني أعتذر للسواق، وده حصل.. بس أنا ما وعدتش إني هسيبك تضيعي من إيدي في زحمة القاهرة.
​سارة كانت قاعدة فاتحة بؤها وبتبص لهم بصدمة:
— هو ده؟ يا نهار أسود.. ده قاسم الألفي بجد!
​قاسم تجاهل كل اللي حواليه، وقرب من صبا وهمس بصوت واطي سمعه قلبها قبل ودنها:
— جيت آخد الرد على الخاتم.. ولا لسه بتفكري؟
​صبا بصت حواليها لقت الكلية كلها بتتفرج، والتوتر رجع لها تاني، بس المرة دي كان فيه لمعة تحدي في عيونها. قربت منه وقالت بصوت مسموع:
— والخاتم ده بيجي معاه “عقد احتكار” ولا دي خطوبة بجد المرة دي؟
​قاسم ضحك بصوته كله، ومد إيده ليها قدام الكل:

الصفحة السابقة 1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *