رهينة قصر الأسود كاملة لمايا خاالد

رهينة القصر الأسود مايا خالد حصري
تسللت تيا إلى الغرفة بخطوات مرتجفة، أنفاسها متوترة تلاحق دقات قلبها التي قرعت صدرها كطبول الحرب. استغلت خلوّ المكان من الحراس ومنه، لتقوم بمهمة ظنتها بسيطة: إعادة معطفه الثقيل الذي طوق كتفيها به في ليلة باردة، وكأنه يطوق حريتها بملكيته.
وضعت المعطف على طرف الفراش الفاخر بلمسة مرتجفة، وهمت بالالتفاف للفرار، لكن الباب لم يعد مخرجاً، بل صار إطاراً لقامة قاسم الطويلة التي سدت النور عن الغرفة. كان يستند بكتفه على الإطار، وعيناه الصقريتان تخترقان ارتباكها ببرود مرعب.
ساد الصمت لثوانٍ، قبل أن يكسره صوته الأجش وهو يتقدم نحوها ببطء مدروس:
— قاسم: “إيه اللي بتعمله رهينتي المتجولة في أوضتي؟ مش غريبة شوية إنك تدخلي وكر الديب برجليكي يا تيا؟”
— تيا: “كنت… كنت برجعلك الجاكيت بتاعك، مكنتش عايزة حاجة تفكرني بيك أكتر من كدة.”
ضحكة خافتة، خالية من أي مرح، صدرت عنه وهو يحاصرها بين جسده وبين جدار الغرفة البارد. رفع يده ليزيح خصلة تمردت على وجهها، فلامست أصابعه بشرتها كقطعة جمر.
— قاسم: “تفكري فيا؟ إنتي شكلك نسيتي إنك ملكي، يعني مفيش سم في جسمك ولا فكرة في دماغك متبقاش تخصني. وبعدين.. اللي بيدخل هنا بمزاجه، مبيخرجش غير بإذني.”
— تيا: “أنا مش ملك حد يا قاسم! أنت قولت إنك هتحميني، مش هتحبسني!”
— قاسم: “والحماية في عالمي يعني السجن في حضني. المعطف ده رجع مكان ما كان، بس إنتي.. إنتي لسه مدفعتيش تمن الزيارة دي.”
تحركت يده من ذقنها ببطء شديد، لتستقر أصابعه الباردة على عنقها، لم يكن يضغط، لكن ملمس يده كان كافياً لتعطيل تفكيرها. ارتجفت شفتها السفلى وهي تحاول استجماع شتات نفسها، بينما كان قاسم يستمتع بانهيار حصونها الواهنة أمام عينيه.
مال برأسه أكثر حتى اختلطت أنفاسه بأنفاسها المتهدجة، وهمس بنبرة هادئة مرعبة:
— قاسم: “خايفة ليه؟ مش إنتي اللي دخلتي برجليكي؟ الرهينة اللي بتلعب بالنار لازم تستحمل لسعتها.. وإنتي النهاردة اتخطيتي حدودك أوي.”
— تيا: “أنا مش خايفة منك.. أنا بس قرفانة من الطريقة اللي بتعاملني بيها كأني جماد ملكك!”
ضحك بصوت منخفض، ضحكة رجولية هزت صدره القريب منها، ثم اقترب من أذنها لدرجة أنها شعرت بحرارة أنفاسه تحرق جلدها.
— قاسم: “قرفانة؟ تمام.. خلينى أشوف هتقدري تقاومي الريحة اللي بتخنقك دي لحد فين.”
فجأة، وبحركة خاطفة لم تتوقعها، قبض على رسغيها بيد واحدة ورفعهما فوق رأسها، ليلصق ظهرها بالحائط تماماً، فشهقت بصدمة وقد تجمدت أطرافها.
— قاسم: “الليلة دي مفيش رجوع لأوضتك يا حلوة. هتقعدي هنا، قدام عيني، عشان تتعلمي إن مفيش خطوة بتخطيها في البيت ده إلا وأنا عارفها قبل ما تفكري فيها.”
— تيا: “إنت مجنون! سيب إيدي.. إنت عايز مني إيه؟”
ثبت نظراته في عينيها بعمق، وتغيرت نبرة صوته لتصبح أكثر ظلمة وتملكاً:
— قاسم: “عايزك تعرفي إنك حتى وإنتي نايمة، ملكي. والجاكيت اللي رجعتيه ده؟ هلبسهولك تاني غصب عنك لو فكرتي تهربي.. بس المرة دي هربطك بيه عشان متتحركيش من مكاني.”
ترك رسغيها فجأة، لكنه لم يبتعد، بل ظل يراقبها وهي تتنفس بصعوبة، وكأنه يراقب فريسة تحاول استيعاب حجم الفخ الذي وقعت فيه. ثم أشار بيده نحو أريكة جلدية في ركن الغرفة المظلم.
— قاسم: “اتفضلي اقعدي.. الليلة لسه طويلة، وأنا عندي أسئلة كتير محتاجة إجابات، وإنتي شكلك عندك طاقة للكلام.”
ظلت تيا واقفة في مكانها، أنفاسها تتسارع وكأنها تركض في مضمار لا ينتهي. نظرت إلى الأريكة ثم إليه، وشعرت بمرارة العجز تملأ حلقها. لم تتحرك، بل ظلت متمسكة بمكانها خلف الجدار وكأنه درعها الأخير.
خطا قاسم نحوها ببطء، وانتزع سيجارة من علبة معدنية على الطاولة، أشعلها بهدوء وهو يراقب ارتعاش يديها، ثم نفث الدخان بعيداً عنها لكن عينيه لم تفارق وجهها.
— قاسم: “قربي يا تيا.. مش بحب أعيد كلامي مرتين. الكرسي مريح، والكلام لسه مدخلش في الجد.”
— تيا بصوت يرتجف مش هقعد.. أنا عايزة أمشي. إنت قولت إنك هتحميني من أهلي ومن اللي كانوا بيطاردوني، محستش إن الحماية دي معناها إني أتحول لدمية في إيدك.”
رمى قاسم السيجارة في المنفضة قبل أن ينهيها، واقترب منها مجدداً، لكن هذه المرة لم يحاصرها، بل وقف أمامها مباشرة بصدره العريض، وعيناه تحملان لمعة غامضة تجمع بين الغضب والحزن المكبوت.
— قاسم: “أهلك اللي بتسألي عليهم هما اللي باعوكي يا تيا. قبضوا تمن حريتك كاش.. وأنا اللي دفعت. يعني إنتي دلوقتِ استثمار، وأنا مبهملش في استثماراتي.”
— تيا: (بصدمة) “إنت كداب! أهلي مستحيل يعملوا كدة.. إنت اللي خطفتني وعامل المسرحية دي عشان تكسرني!”
بسرعة البرق، أمسك بفكها وضغط عليه برفق جعلها تنظر لعينيه مباشرة، وقال بنبرة تقطر قسوة:
— قاسم: “لو كنت عايز أكسرك كنت عملت ده من أول ليلة دخلتي فيها البيت هنا. بس أنا لسه صابر.. صابر عشان عايزك تعرفي إن مفيش حد في الدنيا دي باقيلك غيري. الريحة اللي بتقولي إنها بتخنقك؟ هي دي اللي هتحسسك بالأمان لما الكل يبيعك.”
ترك وجهها فجأة وابتعد خطوتين، ثم أردف ببرود:
— قاسم: “اقعدي بقا.. عشان أوريكي الورق اللي أهلك وقعوا عليه وهم بيسلموكي ليا.. وعشان تقرري الليلة دي، هتفضلي رهينة خايفة، ولا هتكوني شريكة في اللي جاي.”
تجمدت تيا في مكانها، الكلمات وقعت عليها كالصاعقة. هل فعلاً باعها أهلها؟ هل هذا الوحش الواقف أمامها هو المنقذ الوحيد المتبقي لها في هذا العالم المظلم؟
سقطت الكلمات على مسامع تيا كأنها شظايا زجاج مزقت ما تبقى من ثباتها. تراجعت خطوة للخلف، واصطدمت بحافة الطاولة، بينما كان قاسم يراقب انهيار عالمها ببرود يشوبه تملك مرعب. لم يتحرك لمواساتها، بل ظل واقفاً كتمثال رخامي، يستمتع برؤية الحقيقة وهي تلتهم روحها.
— تيا: (بهمس مشروخ) “أوراق إيه؟ إنت أكيد بتضحك عليا.. هما مستحيل.. مستحيل يبيعوني ليك!”
— قاسم: (بصوت هادئ كهدوء ما قبل العاصفة) “المستحيل ده كلمة الضعفاء اللي زيك يا تيا. في عالمي، كل حاجة ليها تمن.. وأهلك كانوا مديونين ليا بمبالغ مش هيقدروا يسددوها في عشر سنين. الحل كان بسيط.. إنتي.”
مشى بخطوات واثقة نحو مكتبه الصغير في زاوية الغرفة، وفتح درجاّ سرياً ليخرج منه ملفاً جلدياً أسود. ألقاه على الطاولة أمامها بقوة أحدثت صوتاً جافاً.
— قاسم: “افتحي.. وشوفي إمضاء أبوكي اللي كنتي فاكرة إنه هيموت عشان يحميكي. شوفي هو قبض كام عشان يرميكي في حضني ويقفل الباب وراه.”
اقتربت تيا من الطاولة وكأنها تقترب من حبل مشنقتها. مدت يدها المرتجفة وفتحت الملف. تجمدت عيناها على السطور، والتواريخ، وتلك التوقيعات التي تعرفها جيداً. شعرت ببرودة تسري في أطرافها، وكأن الغرفة بدأت تدور بها.
— تيا: (بصرخة مكتومة وهي تغلق الملف) “ليه؟ ليه يعملوا فيا كدة؟ أنا عملت لهم إيه؟”
في لمح البصر، كان قاسم خلفها مباشرة. وضع يديه على كتفيها، وضغط عليهما برفق يوحي بالقوة، ثم مال برأسه ليهمس بجانب أذنها:
— قاسم: “عملتي إنك غالية أوي يا تيا.. غالية لدرجة إنهم خافوا يفضلوا شايلين مسؤوليتك. بس أنا مش خايف.. أنا اشتريت غلاكِ ده عشان يبقالي لوحدي.”
— تيا: (وهي تلتفت لتمسك بقميصه بانهيار) “إنت وحش.. إنت استغليت ظروفهم! إنت اللي خططت لكل ده عشان تخليني ملكك!”
لم ينفِ التهمة، بل ارتسمت على وجهه تلك الابتسامة المظلمة التي تثير رعبها وجاذبيتها في آن واحد. قبض على يديها اللتين تمسكان بقميصه، وقربهما من صدره حيث ينبض قلبه بهدوء مستفز.
— قاسم: “ومين قال إني أنكر؟ أنا فعلًا خططت.. وصبرت.. ودفعت. ودلوقتي، مفيش قوة في الأرض تقدر تاخدك مني. الليلة دي يا تيا، إنتي مش رهينة.. إنتي “حقيقة” في حياتي. ومحدش هيخرج من الأوضة دي غير لما تستوعبي إنك من النهاردة ملك لقاسم وبس.”
رفع يدها وقبل باطن كفها ببطء وهو يثبت عينيه في عينيها الباكيتين، وكأنه يختم ملكيته عليها للأبد.
— قاسم: “ودلوقتي.. بطلي عياط وقومي البسي الجاكيت اللي رجعتيه ده.. عشان الجو هيبرد أوي، وإنتي محتاجة تتعودي على ريحتي اللي بتقولي إنها بتخنقك.”
سحبت تيا يدها من قبضته بعنف وكأن لمسته أحرقتها، وتراجعت للخلف وهي تلهث، وعيناها تلمعان ببريق لم يره قاسم فيها من قبل؛ لم يكن بريق انكسار، بل كان شرارة غضب ولدت من رحم الصدمة.
نظر إليها قاسم ببرود، واضعاً يديه في جيبي بنطاله، وراقب تحول ملامحها من الضحية المستسلمة إلى القطة الشرسة التي حوصرت في الزاوية.
— تيا: (بصوت حاد يرتجف من القهر) “اشتريتني؟ فاكر إن شوية ورق وإمضاءات ل ناس باعت ضميرها تخليك تملكني؟ إنت اشتريت جثتي يا قاسم.. لكن روحي دي مش هتقدر تلمسها ولو حرقت البيت ده كله بينا!”
— قاسم: (يتقدم نحوها بخطوات واثقة وهادئة) “صوتك عالي.. وده بيعجبني، بس مبيغيرش الحقيقة. الحقيقة إن برا الباب ده، إنتي ملكيش حد.. مفيش بيت يلمك، ولا أب يسأل عليكي. أنا النهاردة بقيت أهلك، وناسك، وسجانك.”
توقفت تيا أمام المعطف الملقى على الكرسي، وبدلاً من أن ترتديه كما أمرها، أمسكت به وقذفته في وجهه بكل قوتها، لكنه التقطه بيد واحدة بمنتهى السهولة قبل أن يلمسه.
— تيا: “أنا أفضل أموت جوع في الشارع ولا إني أكون ‘استثمار’ لواحد زيك! افتح الباب ده وخليني أمشي.. كفاية قذارة لحد كدة!”
اقترب قاسم منها حتى حشرها بينه وبين الطاولة التي تحمل ملف بيعها، انحنى لمستواها وهمس بنبرة فحيح الأفاعي:
— قاسم: “تمشي تروحي فين؟ للي قبضوا تمنك؟ ولا للديابة اللي مستنيينك برا وعارفين إنك مبقاش ليكي ضهر؟ إسمعي يا تيا.. أنا الوحيد اللي يقدر يحميكي من اللي جاي. وأي محاولة منك للهرب، هتخليني أتعامل معاكي بأسلوب مش هيعجبك.. والمرة دي مفيش ‘جاكيت’ يدفيكي، فيه حديد يربطك.”
مد يده وأمسك بخصلة من شعرها، لفها حول إصبعه ببطء تملكي مستفز، بينما كانت هي تنظر إليه بعينين تشتعلان كراهية.
— قاسم: “دلوقتي.. هتقعدي هنا، وهتاكلي، وهتنامي في السرير ده. وأنا هبقى قاعد هناك على الكرسي ده، بقرأ ملفات شغلي وأنا بتفرج عليكي وإنتي بتتعودي على سجنك الجديد. مفيش خروج يا تيا.. لا النهاردة، ولا بكرة، ولا طول ما أنا لسه عايزك.”
ارتمت تيا على الأريكة بانهيار، ودفنت وجهها بين يديها وهي تئن بصمت، بينما توجه قاسم بكل برود إلى كرسيه الهزاز، وأشعل إضاءة خافتة وبدأ يقلب في أوراقه وكأن شيئاً لم يكن، تاركاً إياها تغرق في جحيمها الخاص تحت نظراته التي تلاحقها حتى في الظلام.
ساد صمت ثقيل في الغرفة، لا يقطعه إلا صوت تقليب أوراق قاسم الهادئ، وصوت أنفاس تيا التي بدأت تهدأ تدريجياً، ليس استسلاماً، بل لأن بركاناً من الغل بدأ يتشكل داخلها. كانت تراقب انعكاس صورته على زجاج النافذة المظلمة؛ بدا وكأنه يملك كل شيء، حتى الوقت نفسه.
رفعت تيا رأسها ببطء، ومسحت دموعها بطرف كمها بحركة عدوانية. لم تكن تنظر إليه بخوف هذه المرة، بل كانت عيناها تجوبان الغرفة بحثاً عن أي ثغرة، أي سلاح، أي شيء يكسر هذا الحصار. وقعت عيناها على الملف الأسود الذي لا يزال مفتوحاً على الطاولة بجانبها.
— تيا: (بصوت هادئ ومنخفض، يختلف تماماً عن صراخها السابق) “إنت فاكر إنك كسبت يا قاسم؟”
رفع قاسم عينيه عن أوراقه ببطء، وسند ظهره إلى الكرسي، مشبكاً أصابعه أمام وجهه، وارتسمت على وجهه نظرة اهتمام فضولية.
— قاسم: “أنا مبلعبش عشان أخسر يا تيا. اللعبة انتهت من لحظة ما رجلك عتبت البيت ده.”
— تيا: “اللعبة لسه بتبدأ.. إنت اشتريت واحدة مكسورة، بس نسيت إن المكسور ده بيبقى زي الزجاج.. جرحه بيبقى غائر ومبيلمش.”
وقفت ببطء، وتحركت نحو الطاولة، وبدأت تتصفح الأوراق مرة أخرى بتركيز، وكأنها تبحث عن شيء فاتها. فجأة، توقفت أصابعها عند بند معين في نهاية إحدى الصفحات، واتسعت عيناها قليلاً، لكنها سرعان ما أخفت رد فعلها.
— قاسم: (بلهجة ساخرة) “بتدوري على ثغرة قانونية؟ متبتعديش نفسك، أنا اللي كاتب العقود دي بنفسي.”
— تيا: (وهي تغلق الملف ببطء وتلتفت إليه بابتسامة غامضة) “لا.. أنا بس كنت بتأكد من حاجة. إنت قولت إنك دفعت كتير.. كتير أوي عشان أكون هنا. وده معناه إنك محتاجني ‘سليمة’، مش كدة؟”
نهض قاسم من مكانه، وخطا نحوها بهدوء، يقلص المسافة بينهما وهو يشعر بأن القطة التي أمامه بدأت تخرج مخالبها بطريقة لم يتوقعها. وقف أمامها مباشرة، لدرجة أنها اضطرت لرفع رأسها لتنظر في عينيه.
— قاسم: “محتاجك سليمة؟ أنا محتاجك ‘خاضعة’.. والوسيلة مش مهمة.”
— تيا: (ببرود لم يعهده فيها) “لو فكرت تلمسني غصب عني، أو لو الحديد اللي قولت عليه لمس إيدي، أنا مش هتردد ثانية واحدة إني أنهي ‘الاستثمار’ بتاعك ده بيدي. أنا معنديش حاجة أخسرها يا قاسم.. أهلي وباعوني، وحياتي ودمرتها.. إنت بقى، عندك استعداد تخسر الفلوس اللي دفعتها والوقت اللي ضيعته في التخطيط عشان جثة؟”
تغيرت نظرة قاسم، وتقلصت عيناه بغضب مكتوم. وضع يده على الطاولة خلفها، وحاصرها مرة أخرى، لكن هذه المرة كانت تيا هي من تبتسم.
— قاسم: “بتهدديني بالموت يا تيا؟ فاكرة إن ده هيخوفني؟”
— تيا: “مش بهددك بالموت.. أنا بعرفك تمن ‘امتلاكي’. إنت قولت إن مفيش حاجة مجانية في عالمك.. وأنا بقولك إن خضوعي تمنه غالي أوي، وإنت لسه مدفعتش منه ولا مليم.”
اقترب قاسم من وجهها حتى تلامست أنوفهما، ونطق بكلمات خرجت كالفحيح من بين أسنانه:
— قاسم: “إنتي عايزة تلعبي بالنار؟ ماشي يا تيا.. أنا موافق. بس افتكري إن النار دي أول ما هتحرق، هتحرقك إنتي الأول. ومن اللحظة دي، مفيش نوم على الأريكة.. إنتي هتنامي في سريري، وتحت عيني، وعايز أشوف إزاي واحدة ‘مكسورة’ زيك هتقدر تقف قدام إعصار زي قاسم السيوفي.”
أطفأ قاسم الأنوار المركزية للغرفة بضغطة واحدة، ليحلّ ظلام دامس لم يكسره سوى ضوء خافت ينبعث من أباجورة بعيدة في الركن، مما جعل ظلالهما على الجدران تبدو كعمالقة يتصارعون. أشار بيده نحو السرير الواسع ذو الأغطية الحريرية السوداء بنظرة آمرة.
— قاسم: “اتفضلي.. السرير ده من اللحظة دي بقى سجنك الجديد. ومتحاوليش تمثلي الشجاعة زيادة عن اللزوم، لأني سامع دقات قلبك وهي هتموت من الرعب.”
مشىت تيا نحو السرير بخطوات متثاقلة، تشعر وكأنها تسير نحو حتفها. جلست على طرفه، وشعرت بنعومة الحرير تستفز خشونة الواقع الذي تعيشه. أما قاسم، فبكل برود، بدأ بفك أزرار قميصه، مما جعل تيا تنتفض وتشهق وهي تشيح بنظرها عنه.
— تيا: “إنت بتعمل إيه؟ إنت قولت إنك عايزني خاضعة.. مش…”
— قاسم: (بضحكة مكتومة وهو يلقي بقميصه جانباً) “مش إيه؟ متخافيش، أنا مش محتاج أخد حاجة غصب عنك.. أنا بس هنام في سريري. والظاهر إنك نسيتي إن دي أوضتي أنا قبل ما تكون سجنك.”
استلقى على الجانب الآخر من السرير، واضعاً ذراعه خلف رأسه، وموجهاً نظراته إليها وهي لا تزال جالسة بصلابة الخشب على الحافة.
— قاسم: “نامي يا تيا. اللعب النفسي اللي بدأناه محتاج طاقة، وأنا معنديش خلق لرهينة يغمى عليها من التعب الصبح.”
— تيا: “مش هنام.. مش هقدر أغمض عيني وإنت موجود في نفس المكان.”
— قاسم: “براحتك.. السهر بيخلي الأفكار السوداء تزيد، وأنا مستمتع جداً وأنا شايفك بتتحرقي في أفكارك.”
مرت ساعة كأنها دهر. ساد هدوء قاتل، لولا صوت عقارب الساعة التي كانت تنهش في أعصاب تيا. بدأت جفونها تثقل رغماً عنها، وجسدها المنهك من الصراخ والخوف بدأ يخونها. مالت برأسها ببطء حتى استقرت على الوسادة، وهي تحاول أن تظل مستيقظة، لكن النوم كان كالفخ الذي نصبه قاسم؛ ناعماً وقاتلاً.
في منتصف الليل، استيقظت تيا فجأة على ملمس يد غليظة تزيح خصلات شعرها عن وجهها برقة غريبة لا تتناسب مع وحشية صاحبها. فتحت عينيها لتجد وجه قاسم قريباً منها لدرجة لا تُصدق، وعيناه في الظلام تشعان ببريق لم تفهمه.. لم يكن غضباً، بل كان شيئاً يشبه الجوع القديم.
— تيا: (بهمس مذعور) “قاسم؟”
— قاسم: (بصوت منخفض جداً وكأنه يتحدث لنفسه) “عارفة يا تيا.. الغلطة الوحيدة اللي أهلك عملوها مش إنهم باعوكي.. الغلطة إنهم باعوكي لواحد مبيعرفش يسيب حاجة ملكه أبداً، حتى لو كانت بتكرهه.”
قبل أن تنطق بكلمة، أحكم قبضته على خصرها وجذبها نحوه لتلتصق به تماماً، وهمس فوق شفتيها مباشرة:
— قاسم: “ودلوقتي.. قوليلي بقى، لسه فاكرة إنك هتقدري تكسري زجاجك في وشي؟”
تصلبت تيا في مكانها، شعرت ببرودة أطرافها رغم حرارة جسده التي أحاطت بها. كانت أنفاسه تلفح وجهها، وكل خلية في جسدها تصرخ للهروب، لكن ذراعه التي التفت حول خصرها كانت كقيد من فولاذ لا يلين.
لمعت عيناها في الظلام، وبدلاً من أن تنكمش على نفسها، رفعت يدها ببطء حتى استقرت فوق صدره، تماماً فوق موضع قلبه الذي كان ينبض بهدوء مخيف، وكأنه لا يتأثر بكل هذا التوتر.
— تيا: (بصوت هامس لكنه حاد كالسكين) “إنت فاكر إنك لما تشدني ليك كدة هتخليني أخاف؟ إنت بس بتأكد لي إنك أضعف مما كنت فاكرة.. الوحيد اللي بيحتاج يربط ممتلكاته بالقوة هو اللي عارف إنها لو خدت فرصة ثانية واحدة، هتهرب منه ومترجعش.”
شعر قاسم بعضلات صدره تتشنج تحت لمستها، وضيق عينيه وهو يتأمل جرأتها التي بدأت تتجاوز حدود الخوف.
— قاسم: “الهروب محتاج رجلين قوية يا تيا.. وإنتي رجلينك بتخونك وأنا لسه ملمستكيش. وبعدين.. مين قال إني خايف تهربي؟ الغابة كلها ملكي، ولو خرجتي من الباب ده، هتلاقي نفسك بترجعي تخبطي عليه تاني عشان تدوري على الأمان اللي مش هتلاقيه غير هنا.”
— تيا: “الأمان؟ إنت بتسمي الذل ده أمان؟”
فجأة، وبحركة لم تتوقعها، أفلت خصرها ليمسك بيدها التي كانت فوق صدره، وضغط عليها بقوة وهو يرفعها لتصبح فوق رأسهما، مقترباً من أذنها لدرجة أنها شعرت بابتسامته الباردة تلامس جلدها.
— قاسم: “الأمان هو إنك تكوني تحت حماية قاسم السيوفي. العالم اللي برا يا تيا مش هيرحمك.. أهلك نفسهم ميرحموش. الليلة دي، أنا هسيبك تنامي.. بس بكره الصبح، هتبدأي أول درس ليكي في حياتك الجديدة. هتعرفي إن كل كلمة قولتيها عن ‘الزجاج المكسور’ ملهاش قيمة قدام الإيد اللي تقدر تطحن الزجاج ده وتحوله لتراب.”
ابتعد عنها فجأة، وعاد إلى جانبه من السرير، معطياً إياها ظهره وكأنها لم تعد موجودة، لكن صوته ظل يتردد في أرجاء الغرفة:
— قاسم: “نامي يا تيا.. وبلاش تفكري كتير في الهرب، لأن الحراس عندهم أوامر واضحة.. اللي يحاول يخرج من غير إذني، ميرجعش حي.”
استلقت تيا على ظهرها، تنظر إلى سقف الغرفة المظلم، والدموع المتحجرة في عينيها بدأت تجد طريقها أخيراً لوسادتها. كانت تشعر بأنها في دوامة سوداء، قاسم يشدها من جهة، وخيانة أهلها تحطمها من جهة أخرى. لكن وسط كل هذا الحطام، نبتت فكرة واحدة في عقلها: إذا كان يريدها شريكة أو رهينة خاضعة، فهي ستعطيه ما يريد.. حتى تجد اللحظة المناسبة لتجعل هذا “الاستثمار” يخسر كل ما يملك.
أشرقت شمس الصباح لتتسلل خيوطها عبر الستائر المخملية الثقيلة، كاشفةً عن ملامح تيا التي لم تذق طعم النوم الحقيقي. كانت تراقب قاسم وهو يقف أمام المرآة، يرتدي قميصه الأبيض الناصع ويعدل ربطة عنقه بمنتهى الثبات، وكأنه لم يكن منذ ساعات ذلك الوحش الذي حاصرها في عتمة الليل.
التفت إليها قاسم، ورأى انعكاس وجهها الشاحب وعينيها المجهدتين في المرآة.
— قاسم: “الجمال اللي دبلان ده مش هيليق بمقامي النهاردة يا تيا. قدامك نص ساعة، تلبسي وتجهزي.. عندنا مشوار مهم.”
— تيا: (بصوت مبحوح) “مشوار فين؟ أنا مش هتحرك من هنا.”
ترك قاسم ما بيده واقترب من السرير، ثم انحنى ليمسك بذقنها ويرفع وجهها إليه بقوة مكتومة.
— قاسم: “انتي لسه مأخدتيش بالك إن كلمة ‘مش هعمل’ دي اتمسحت من قاموسك؟ إحنا رايحين نقابل أهلك.. عشان تستلمي ورثك منهم، وتسمعي منهم ‘مبروك’ على البيعة اللي كسبت فيها أنا.”
اتسعت عينا تيا بصدمة، وشعرت بغثيان يجتاح كيانها. هل سيجبرها على مواجهة من باعوها بدم بارد وهو يتفرج على ذلها؟
— تيا: “إنت سادي! عايز تتفرج عليا وأنا بتهان قدامهم؟”
— قاسم: “بالعكس.. أنا عايزهم هما اللي يحسوا بالرخص وإنتي واقفة جنبي، لابسة أغلى لبس ومحمية باسمي. عايزك تشوفي نظرة الندم في عينيهم مش عشانك، لكن عشان عرفوا إنك بقيتي ملك لواحد يقدر يمحيهم من الدنيا بكلمة.”
تركها واتجه نحو الباب، ثم توقف فجأة دون أن يلتفت.
— قاسم: “فيه فستان في الدولاب.. لونه أسود زي قلب أهلك. إلبسيه، وجهزي نفسك عشان تكوني ‘سيدة السيوفي’ لليوم ده بس.. التمثيلية دي لازم تطلع صح.”
خرج وأغلق الباب خلفه بقوة، لتجد تيا نفسها وحيدة مع ذلك الفستان الأسود الذي بدا وكأنه كفن لحياتها الماضية. وقفت ببطء، وفي عقلها بدأت تتبلور فكرة مجنونة؛ إذا كان يريدها أن تمثل دور “السيدة” القوية بجانبه، فهي ستفعل، لكنها ستستغل هذا الخروج لتفعل ما لم يتوقعه أبداً.
بعد مرور الوقت، خرجت تيا من الغرفة. كانت تبدو فاتنة بجمال مظلم، الفستان الأسود يبرز بياض بشرتها الشاحب، ونظرتها كانت جامدة كالحجر.
كان قاسم ينتظرها عند سلم القصر الكبير، نظر إليها من أسفل لأعلى، ولمعت عيناه بإعجاب حاول إخفاءه خلف قناع البرود.
— قاسم: “هايل.. القطة عرفت تطلع مخالبها وتتزين. جاهزة تشوفي العرض الأخير لـ ‘عيلتك’ العزيزة؟”
— تيا: (وهي تضع يدها في يده ببرود) “جاهزة يا قاسم.. بس افتكر إن العرض ده ممكن ميعجبش المخرج في الآخر.”
ابتسم قاسم بمرارة، وضغط على يدها بقوة وهو يسحبها نحو السيارة الفارهة التي تنتظرهما بالخارج، لتبدأ رحلة المواجهة التي ستغير كل شيء.
توقفت السيارة الفارهة أمام منزل أهلها؛ ذلك المكان الذي كان يوماً يمثل لها الأمان، وأصبح الآن في نظرها مجرد “سوق” عُقدت فيه صفقة بيعها. ترجل قاسم من السيارة بهيبته الطاغية، ثم دار ليفتح لها الباب بنفسه، في حركة بدت نبيلة من الخارج، لكن تيا شعرت بقبضته التي امتدت لتساعدها وكأنها قيد حريري يذكرها بمكانها.
همس قاسم بجانب أذنها قبل أن يخطوا نحو الداخل:
— قاسم: “ارفعي راسك.. أنا مش جايبك هنا عشان تعيطي. أنا جايبك عشان تفرجي صاحب البضاعة إن بضاعته بقت أغلى من إنه يحلم يلمسها تاني.”
دخلت تيا الردهة، لتجد والدها وزوجة أبيها جالسين في ارتباك، والعيون تلمع بطمع لم يفلح التوتر في إخفائه. بمجرد رؤيتها، حاول والدها الاقتراب منها وعلى وجهه ابتسامة زائفة.
— الأب: “تيا بنتي.. نورتي بيتك يا حبيبتي، أنا كنت عارف إن قاسم بيه هيحافظ عليكي.”
تراجعت تيا خطوة للخلف، والتصقت بظهر قاسم وكأنها تحتمي بجلادها من بائعيها. في تلك اللحظة، شعرت بيد قاسم تستقر على خصرها بتملك، وضغط برفق وكأنه يمنحها الضوء الأخضر للكلام.
— تيا: (بصوت حاد ومستقر بشكل أذهل قاسم نفسه) “بيت مين يا بابا؟ البيت اللي قبضت تمنه؟ ولا البيت اللي ملوش مكان ليا فيه غير كـ ‘سداد ديون’؟”
ارتبك الأب ونظر إلى قاسم طلباً للنجدة، لكن قاسم كان يراقب المشهد بمتعة باردة، وقد ارتسمت على شفتيه ابتسامة شيطانية.
— قاسم: “سيبها تكمل يا عمي.. تيا عندها حق. والنهارده أنا مش جاي بس عشان الزيارة، أنا جاي عشان أمضيكم على التنازل النهائي.. تيا مبقاش ليها علاقة بالاسم ده ولا بالبيت ده. من النهارده، هي ملكية خاصة لمجموعة السيوفي.”
أخرج قاسم ورقة من جيبه الداخلي، ووضعها على الطاولة بحدة. نظرت تيا إلى الورقة، ثم نظرت إلى والدها الذي سارع للإمساك بالقلم دون تردد، وكأن تيا جمرة نار يريد الخلاص منها.
في هذه اللحظة، شعرت تيا بشيء ينكسر داخلها للأبد، لكن مكانه نبتت قوة مظلمة. التفتت نحو قاسم، ونظرت في عينيه مباشرة، وقالت بنبرة مسموعة للجميع:
— تيا: “مادام الصفقة انتهت والكل قبض تمنه.. يبقى مفيش داعي نضيع وقت هنا يا قاسم بيه. يلا بينا نرجع ‘بيتنا’.. قصدي، نرجع سجنك المريح.”
تجمدت ابتسامة قاسم لثانية؛ لقد أراد كسرها أمامهم، لكنه وجد نفسه أمام امرأة قررت أن تحرق الماضي وتستخدم رماده ككحل لعينيها. سحبها من يدها وخرج من المنزل بخطوات واسعة، وبمجرد أن انغلق باب السيارة عليهما، انفجر قاسم بضحكة مكتومة.
— قاسم: “مبهور بيكي.. مكنتش فاكر إن الزجاج المكسور بيعرف يجرح بالسرعة دي.”
— تيا: (وهي تنظر للطريق ببرود) “إنت اللي علمتني إن مفيش حاجة مجانية.. وأنا النهارده دفعت تمن كرامتي بدموعي. الدور الجاي عليك يا قاسم.. عشان تعرف إن الاستثمار اللي اخترته، ممكن في لحظة يخسرك كل اللي تملكه.”
ضيق قاسم عينيه، وشعر لأول مرة أن الرهينة التي بين يديه لم تعد مجرد فتاة خائفة، بل بدأت تتحول لندٍّ لا يستهان به.
ساد الصمت داخل السيارة، لكنه لم يكن صمتاً هادئاً، بل كان مشحوناً بالكهرباء. كان قاسم يراقب بروفايل وجه تيا الجامد من خلال زجاج النافذة، وشعر لأول مرة بأن خيوط اللعبة بدأت تتفلت من بين أصابعه؛ ليس لأنه فقد السيطرة، بل لأن الفريسة قررت فجأة أن تحب سجنها لدرجة تجعل السجان يشك في نواياها.
بمجرد وصولهما إلى القصر، لم ينتظر قاسم الحارس ليفتح الباب، بل ترجل وسحب تيا خلفه بقوة نحو الجناح الخاص. أغلق الباب بعنف، والتفت إليها وعيناه تشتعلان بمزيج من الإعجاب والغيظ.
— قاسم: “القوة اللي شوفتها هناك دي.. كانت تمثيل عشان تغيظي أبوكي، ولا كنتي بتوريني أنا إنك مابقتيش تخافي؟”
— تيا: (وهي تخلع أقراطها بهدوء مستفز) “تفتكر إيه؟ اللي يخسر أهله بكلمة على ورق، متهيألي مابقاش عنده حاجة تانية يخاف يخسرها. إنت كسبت يا قاسم.. أهلي مابقوش موجودين، وأنا بقيت هنا.. ملكك، زي ما كنت عايز.”
اقترب منها بخطوات مفترس يضيق الخناق على طريدته، وأمسك ذراعيها ليرغمها على النظر إليه.
— قاسم: “الهدوء ده مش لايق عليكي.. أنا متعود على تيا اللي بتصرخ، اللي بتموت من نظرة مني. إنتي ناوية على إيه؟”
— تيا: (بابتسامة باردة وهي تقترب من وجهه) “ناوية أكون الاستثمار اللي يخليك تسهر الليل تفكر.. هو أنا فعلاً ملكتك؟ ولا إنت اللي بقيت أسير اللعبة اللي بدأتها؟”
أرخي قاسم قبضته قليلاً، ومرر إبهامه على شفتيها بخشونة مدروسة، وهمس بصوت أجش:
— قاسم: “انتي بتلعبي بالنار يا تيا.. وفاكرة إنك لما تلبسي قناع القوة هتكسريني. بس أنا قاسم السيوفي.. أنا اللي خلقت القواعد دي، وأنا اللي أقدر أهدمها فوق دماغك في ثانية.”
— تيا: “إهدمها.. وريني هتعمل إيه في واحدة هي أصلاً مهدومة. إنت قولت إنك اشتريتني.. تمام، استمتع بممتلكاتك يا قاسم بيه. بس متتوقعش إني هكون الدمية اللي بتحركها بصباعك. أنا من النهاردة هكون الوجع اللي في دماغك، والذنب اللي مش هتعرف تهرب منه.”
دفعها قاسم برفق نحو الأريكة، وجلس أمامها بوضعية توحي بالسيطرة، لكن نظراته كانت تخترقها وكأنه يحاول قراءة مابين السطور.
— قاسم: “تمام.. مادام قررتي تغيري قواعد اللعبة، يبقى لازم تعرفي إن السجن اللي كنتي فيه بقى مفتوح. من بكرة، هتكوني معايا في كل مكان.. في الشغل، في الحفلات، في الاجتماعات. عايز العالم كله يشوف ‘الاستثمار’ بتاعي وهو بيكبر.. وعايز أشوف إزاي هتمثلي دور السيدة القوية وإنتي عارفة إنك في الآخر.. بترجعي للأوضة دي، وتحت رحمتي أنا.”
نظرت إليه تيا بتحدٍ، ورغم الرعب الكامن في أعماقها، إلا أنها قررت أن هذه هي الطريقة الوحيدة للنجاة.
— تيا: “موافقة.. بس بشرط.”
— قاسم: (بضحكة ساخرة) “رهينة وبتتشرط؟ قولي.. إبهريني.”
— تيا: “الورقة اللي أبويا وقع عليها.. عايزة أحرقها بيدي. عايزة أحس إن مفيش خيط واحد بيربطني بالماضي ده، حتى لو كان التمن إني أفضل مربوطة بيك إنت.”
صمت قاسم للحظة، ثم أخرج الولاعة من جيبه وأشعلها، وقربها من وجهها وهو يراقب انعكاس اللهب في عينيها.
— قاسم: “موافقة.. بس افتكري يا تيا، إنك لما تحرقي الورقة دي، إنتي مش بس بتقطعي علاقتك بأبوكي.. إنتي بتمضي بدمك إنك بقيتي جزء مني. مفيش رجوع.. ومفيش ندم.”
أخرج قاسم الملف الأسود من جيبه، وسحب منه الورقة التي تحمل توقيع والدها. أمسكها من طرفها وقدمها لتيا، بينما كانت الولاعة في يده الأخرى تخرج لهباً صغيراً يرقص في الهواء.
— قاسم: “ولعي فيها يا تيا.. ولعي في أخر باب ممكن يرجعك لورا.”
أخذت تيا الورقة بيد مرتعشة، وقربتها من النار. اشتعل الورق بسرعة، وبدأت النيران تلتهم الأسماء والتواقيع والمبالغ المكتوبة. ظلت تيا تراقب الرماد وهو يتساقط على السجادة الفاخرة، وشعرت وكأن شيئاً ما بداخلها يحترق معها؛ لم تعد “تيا” القديمة موجودة.
— تيا: (بصوت ميت) “كدة مابقاش فيه تيا.. فيه بس اللي إنت صنعته.”
— قاسم: “وده أحسن ليكي وليا. ودلوقتي.. بما إنك بقيتي شريكة في العلن، فـ لازم تعرفي إن السهر والضعف ممنوعين. بكره الصبح الساعة تمانية، تكوني جاهزة.. ورايا اجتماع مهم، وعايزك تكوني “الوجه الجميل” اللي هيخلي المنافسين يمضوا وهما مش فاهمين حاجة.”
اقترب منها، ومرر يده على كتفها العاري ببطء، وهمس:
— قاسم: “الأسود لايق عليكي.. بس بكره عايزك تلبسي “الأبيض”. عايزهم يشوفوا الملاك اللي الشيطان قدر يملكه.”
ابتعد عنها وتوجه نحو السرير، تمدد بكل برود وأشار لها باللحاق به.
— قاسم: “تعالي يا تيا.. النوم النهاردة مش اختيار. والمرة دي، مش هتحتاجي الجاكيت عشان تدفي.. حضني هو اللي هيكون مكانك.”
مشيت تيا نحو السرير كأنها منومة مغناطيسياً. لم تعد تقاوم، ليس استسلاماً، بل لأنها بدأت تفهم أن الدخول إلى “قلب الوحش” هو الطريقة الوحيدة لذبحه. استلقت بجانبه، وشعرت بذراعه القوية تحيط بخصرها وتجذبها إليه لتغرق في رائحة عطره التي كانت تكرهها، والتي بدأت تصبح رائحة عالمها الوحيد.
— تيا: “إنت فاكر إنك كدة بتتحكم فيا؟”
— قاسم: (وهو يغمض عينيه بأنفاس هادئة) “أنا مش بتمحكم فيكي.. أنا بس بعيد صياغتك. نامي يا تيا.. بكره يوم طويل.. وهتشوفي فيه وش لقاسم السيوفي، مفيش حد شافه قبلك.”
غرق الغرفة في سكون تام، لكن تحت هذا السكون كانت هناك عاصفة تتحضر. تيا التي كانت تخاف من ظله، بدأت تفكر في كيف تكسر غروره وهو في قمة انتصاره.
في الصباح، كان الجو في القصر مشحوناً بوقار زائف. وقفت تيا أمام المرآة ترتدي الفستان الأبيض الذي اختاره قاسم؛ كان تصميمه بسيطاً لكنه يفيض بالفخامة، يبرز رقتها كأنها قطعة من المرمر وسط غابة من الصخور السوداء. لم تضع الكثير من الزينة، فعيناها المجهدتان وبريقهما الجديد كانا يكفيان لرسم لوحة لامرأة غامضة.
دخل قاسم الغرفة، كان يرتدي حلة رمادية داكنة، وبمجرد أن رآها، توقف للحظات. لم ينطق بكلمة، لكن نظرته الطويلة كانت اعترافاً صامتاً بأن جمالها بدأ يتجاوز حدود سيطرته.
— قاسم: “الأسود كان بيليق بحزنك.. بس الأبيض بيليق بمقامك الجديد كـ “سيدة السيوفي”. جاهزة؟”
— تيا: (وهي ترتدي خاتماً ألماسياً وضعه لها على الطاولة) “جاهزة أشوف العالم اللي إنت بتتحكم فيه.. وأشوف إزاي هتحميني منه.”
في قاعة الاجتماعات بالشركة الكبرى، كان رجال الأعمال يجلسون بوجوه جامدة، لكن بمجرد دخول قاسم ومعه تيا، ساد صمت مفاجئ. كانت نظراتهم تتأرجح بين الاحترام له، والفضول القاتل تجاه الفتاة التي تمسك يده بقوة.
جلس قاسم في رأس الطاولة، وأمر تيا بالجلوس بجانبه مباشرة، وهو يضع يده فوق يدها طوال الوقت، وكأنه يرسل رسالة تحذير للجميع: “هذه ممتلكاتي، والاقتراب منها يعني الموت”.
— أحد المنافسين: “مش غريبة يا قاسم بيه إنك تجيب “عنصر رقيق” زي ده في اجتماع يخص صفقات سلاح وتوريدات تقيلة؟”
— قاسم: (بابتسامة باردة وهو يضغط على يد تيا) “تيا مش مجرد عنصر رقيق.. تيا هي “الرهان” اللي كسبته، وهي هنا عشان تتعلم إن اللي يخصني مبيخافش من صوت الرصاص ولا من غدر الناس.”
التفت قاسم نحو تيا، وقال بنبرة مسموعة للجميع ولكنها تحمل اختباراً خفياً:
— قاسم: “قوليلهم يا تيا.. إيه رأيك في العقد اللي قدامنا ده؟ يرضيني أمضي عليه، ولا السعر لسه قليل على قيمة اسم السيوفي؟”
حبست تيا أنفاسها. كانت تعرف أن هذه اللحظة هي “اختبار الولاء”. هل ستتحدث كدمية، أم ستستخدم الذكاء الذي لطالما أخفته خلف خوفها؟ نظرت في الأوراق بتركيز، ثم رفعت عينيها نحو الرجل الذي سأل السؤال بجرأة غير معهودة.
— تيا: “الاسم اللي زي اسم قاسم السيوفي ملوش سعر في ورق.. بس الورق ده ناقصه حاجة واحدة.”
— قاسم: (باهتمام حقيقي) “إيه هي؟”
— تيا: “ناقصه إن الطرف التاني يضمن إنه يخرج من القاعة دي وهو لسه “حليف”، مش مجرد واحد مضى ومشي.. لأن اللي بيخون قاسم، مبيعيش عشان يصرف فلوسه.”
انفجر قاسم بالضحك، ضحكة رجولية قوية أرعبت الحاضرين وأثلجت صدره. صفق بيده على الطاولة ونظر للمنافسين الذين اصفرت وجوههم.
— قاسم: “سمعتوا؟ حتى ملاكي الصغير عارف قواعد اللعب بتاعتي.”
بعد انتهاء الاجتماع وتوقيع العقود بشروط قاسم القاسية، انفرد بها في المكتب الفاخر. أغلق الباب وحاصرها بينه وبين المكتب، لكن هذه المرة كانت نظرته مختلفة تماماً.
— قاسم: “إنتي فاجئتيني.. إدائك كان أعلى من توقعاتي بكتير. إنتي فعلاً بدأتِ تفهمي اللعبة.”
— تيا: “أنا بس بدأت أتعلم منك يا قاسم.. مش إنت اللي قولت إن اللي يدخل وكر الديب لازم يكون ديب زيه؟”
قرب وجهه منها، وهمس بنبرة مختلطة بالتملك والرغبة:
— قاسم: “بس الديب مبيسمحش لحد يشاركه في ملكيته.. وإنتي النهارده أثبتي إنك خطر عليا أكتر من أعدائي. قوليلي يا تيا.. القوة دي وراها إيه؟ ناوية توصلي لفين؟”
— تيا: (بهمس وهي تلامس ياقة قميصه) “ناوية أوصل للمكان اللي يخليك فيه إنت اللي تخاف من نظرة مني.. مش العكس.”
أطبق قاسم يده على خصرها بعنف، وقبل أن ينطق بكلمة، رن هاتفه. نظر للشاشة وتغيرت ملامحه تماماً؛ صار وجهه شاحباً كالموت، وهو أمر لم تره تيا من قبل.
— قاسم: “لازم نرجع القصر فوراً.. فيه “ضيف” وصل ومكنش المفروض يوصل دلوقتي خالص.”
كان الطريق نحو القصر يسوده صمت من نوع آخر؛ صمت جنائزي تملؤه ريبة تيا التي لم ترَ قاسم يرتعد من قبل. كانت يده القابضة على عجلة القيادة تبرز عروقها بشدة، وعيناه مثبتتان على الطريق كأنه يسابق الزمن ليمنع كارثة محققة.
بمجرد وصولهما، ترجل قاسم وسحب تيا خلفه بخشونة لم يعهدها منذ الليلة الأولى. دخل الصالون الكبير، ليجد رجلاً يجلس ببرود، يرتدي معطفاً طويلاً، ويقلب خنجراً صغيراً بين أصابعه بمهارة. رفع الرجل رأسه، وارتسمت على وجهه ابتسامة باردة جعلت دماء تيا تتجمد؛ كان يشبه قاسم بشكل مرعب، لكن بملامح أكثر قسوة وعينين خاليتين من أي ذرة رحمة.
— قاسم: (بصوت يخرج من أعماق صدره) “إيه اللي جابك هنا يا “مراد”؟ أنا قولت ملمحش طيفك في مصر تاني.”
— مراد: (وهو ينهض ببطء، متجاهلاً قاسم ليوجه نظره نحو تيا) “سمعت إنك اشتريت “تحفة فنية” غالية أوي يا أخويا.. وقولت لنفسي عيب، إزاي قاسم السيوفي يمتلك الجمال ده كله لوحده وما يفرجش أخوه الكبير.”
صدمت تيا؛ “أخوه”؟ لم يذكر قاسم قط أن له أخاً، والآن تفهم سر ذلك الرعب. اقترب مراد من تيا بخطوات واثقة، فجذبه قاسم من ياقته ودفعه للخلف بعنف.
— قاسم: “تيا خط أحمر.. المسها وهتكون دي آخر حاجة بتعملها في حياتك، حتى لو كنت من دمي.” مايا خالد
— مراد: (بضحكة ساخرة وهو يعدل ياقته) “دمي؟ إنت لسه فاكر إن فيه دم بيربطنا؟ إنت سرقت الورث، وسرقت الاسم، ودلوقتي حابس البنت دي وراك وكأنها سرك الصغير. بس تيا شكلها مش بتاعة حبس.. دي عينيها بتقول إنها مستعدة تحرقك وتحرقني معاك.”
التفت مراد نحو تيا وهزم بصوت مسموع:
— مراد: “أهلاً بيكي في عيلة السيوفي يا جميلة.. متصدقيش قاسم أوي، السجان اللي بيحب سجينته بيبقى أضعف واحد فينا.. وأنا هنا عشان أفكر قاسم بضعفه.”
التفتت تيا نحو قاسم، وجدته يغلي غضباً، لكن في عينيه لمحة خوف حقيقية.. ليس على نفسه، بل عليها. في هذه اللحظة، أدركت تيا أن وجود مراد هو السلاح الذي كانت تبحث عنه لكسر قاسم، لكنه أيضاً السكين الذي قد يذبحها.
— قاسم: (وهو يوجه كلامه لتيا بنبرة آمرة) “اطلعي على أوضتك يا تيا.. ومتقفليش الباب، الحراس هيبقوا قدامه. ملمحكيش برا الأوضة دي طول ما البني آدم ده هنا.”
تحركت تيا نحو السلم، لكنها توقفت في منتصف الطريق ونظرت لمراد الذي غمز لها بوقاحة، ثم نظرت لقاسم وقالت ببرود:
— تيا: “متقلقش يا قاسم.. أنا بقيت بعرف أفرق بين الديب اللي بيحمي، والديب اللي بياكل.”
صعدت إلى غرفتها، لكن بدلاً من الخوف، كان عقلها ينسج خيوطاً جديدة. دخلت الغرفة، ووجدت المعطف الأسود الذي بدأت به كل هذه القصة ملقى على الكرسي. أمسكت به، وشمته بعمق؛ كانت رائحة قاسم تملؤه، لكن هذه المرة، لم تعد تخنقها، بل أصبحت تشعرها بأنها في قلب الصراع.
ساعت قليل، وسُمع صوت صراخ وتكسير من الأسفل. لم تحتمل تيا، وتسللت نحو الشرفة المطلة على الصالون، لترى مراد يرمي ملفاً أمام قاسم.
— مراد: “الأوراق اللي معاك عن أهل تيا مزورة يا قاسم.. إنت مأشتريتهاش منهم، إنت اللي نصبت عليهم وخليتهم يفتكروا إنهم مديونين ليك عشان تاخدها هي تمن. تفتكر لو عرفت إنك السجان والمحتال في نفس الوقت، هيفضل فيها عرق بيحبك؟”
تجمدت تيا في مكانها. هل كل ما قاله قاسم عن أهلها كان كذبة؟ هل هو من دبر خيانتهم ليجبرها على الارتماء في حضنه؟
شعرت تيا ببرودة تسري في أطرافها، وكأن الأرض انشقت تحت قدميها. “مُزورة؟” الكلمة ظلت تتردد في أذنيها كطنين النحل المزعج. نظرت من أعلى الشرفة بذهول، تترقب رد فعل قاسم الذي ظل واقفاً كالصنم، لم يحاول الإنكار فوراً، وهذا الصمت كان بحد ذاته طعنة في صدرها.
— قاسم: (بصوت منخفض وهادئ كالموت) “إخرج برا يا مراد.. مش هسمحلك تسمم دماغي ولا حياتي أكتر من كدة.”
— مراد: (بضحكة صفراء وهو يتقدم من الباب) “أنا ماشي.. بس الحقيقة مابتمشيش. الورق الأصلي معايا يا أخويا، ولو حبيت “السنيورة” تشوفه، أنا موجود في مكاني القديم. سلام يا.. يا حامي الرهائن.”
خرج مراد وأغلق الباب خلفه، وساد صمت خانق في القاعة. رأت تيا قاسم وهو يمسك بمزهرية قريبة ويقذفها في الحائط بكل قوته لتتحطم إلى ألف قطعة، وكأنه يفرغ غضباً لا يسعه صدره.
لم تدرِ تيا كيف تحركت، لكنها وجدت نفسها تنزل السلم بخطوات آلية حتى وقفت خلفه تماماً.
— تيا: “الورق اللي حرقته قدامي.. كان ورق حقيقي يا قاسم؟ ولا كنت بتحرق معاه آخر فرصة ليا إني أحبك؟”
التفت قاسم إليها بسرعة، كانت ملامحه مشتتة، وعيناه اللتان كانت تفيضان بالتملك، أصبحتا الآن مليئتين بالدفاع عن النفس.
— قاسم: (بصوت أجش) “مراد كداب.. مراد جاي يهد اللي بنيته.”
— تيا: (بصرخة مكتومة وهي تقترب منه) “جاوبني! أهلي باعوني فعلاً؟ ولا إنت اللي اشتريت ذمتهم بتمثيلية من تمثيلياتك؟ جاوبني يا قاسم عشان أعرف أنا واقفة قدام مين.. قدام واحد حبني بطريقة مجنونة، ولا قدام واحد نصاب استغل وجعي عشان يملكني؟”
قبض قاسم على كتفيها بعنف، وهزها بقوة وهو يصرخ في وجهها:
— قاسم: “أيوه عملت كدة! أيوه نصبت الفخ عشان تقعي فيه! كان لازم أعمل إيه؟ أسيبك لواحد تاني ياخدك؟ أسيبك لدنيا مابترحمش؟ أنا عملت اللي يضمن إنك تفضلي في حضني، وتحت اسمي، ومعايا للأبد! إيه يعني شوية ورق؟ المهم إنك هنا!”
أفلتت تيا نفسها منه وابتعدت عنه وهي تنظر إليه باشمئزاز ممزوج بالرعب. شعرت أن كل لحظة أمان شعرت بها بجانبه كانت “سُمّاً” مغلفاً بالسكر.
— تيا: “إنت مريض.. إنت دمرت حياتي عشان تمتلكني. أنا كنت مستعدة أسامحك على إنك اشتريتني من أهلي، بس مش هسامحك إنك خليتني أكرههم وهما مظلومين.. مش هسامحك إنك “صنعت” خيانتهم.”
— قاسم: (وهو يتقدم نحوها بنظرة مظلمة) “مش هسامحيني؟ وإنتي فاكرة إن ليكِ اختيار؟ إنتي ملكي يا تيا.. بالحق، بالباطل، بالورق، بالدم.. إنتي هنا ومش هتخرجي. ومراد ده لو قربلك تاني، هشرب من دمه قدام عينيكي.”
تيا نظرت إليه ببرود مخيف، ومسحت دمعة وحيدة سقطت على وجنتها.
— تيا: “إنت قولت إنك علمتني أكون ديب.. تمام يا قاسم. من اللحظة دي، مفيش “تيا” اللي كنت بتشكلها. من اللحظة دي، أنا عدوتك الأولى في البيت ده. هعيش معاك، وهنام في سريرك، بس هكون السكينة اللي بتدبحك كل يوم وإنت مش حاسس.”
استدارت لترحل، لكن قاسم جذبها من خصرها ليلصقها بظهره، وهمس بوجع يغلفه الجبروت:
— قاسم: “حتى وإنتي عدوتي.. هتفضلي تحت رحمتي. واللعبة اللي بدأناها.. لسه فيها فصل أخير، والمنتصر فيه هو اللي هيقدر يستحمل وجع التاني أكتر.”
دخلت تيا غرفتها وأوصدت الباب خلفها، لكنه لم يكن باباً بل كان جداراً من الجليد بنته حول قلبها. جلست على طرف السرير، تنظر إلى الفستان الأبيض الذي ترتديه؛ ذلك الثوب الذي اختاره لها لتبدو كملاك، بينما كان هو ينسج حولها خيوطاً من الشياطين.
لم تعد تبكي، فالدموع ترف لضعفاء، وهي الآن في مرحلة أبعد من الضعف. كانت تسمع صدى صوته بالأسفل وهو يحطم ما تبقى من أثاث الصالون، صدى جبروته الذي بدأ يتهاوى أمام حقيقتها.
فجأة، انفتح الباب بهدوء مريب. لم يكن قاسم، بل كانت الخادمة العجوز التي تعمل في القصر منذ سنوات، وضعت صينية طعام صغيرة أمام تيا، ثم مالت نحوها وهمست بكلمات هزت كيانها:
— الخادمة: “مراد بيه سابلك دي في المطبخ قبل ما يمشي.. قالي إنك ذكية وهتعرفي تستخدميها.”
وضعت في يدها ورقة صغيرة مطوية، بداخلها مفتاح فضي غريب الشكل وعنوان مكتوب بخط يد متسارع. دست تيا المفتاح في صدرها قبل أن يدخل قاسم الغرفة.
دخل قاسم، وكان قد استعاد هدوءه الظاهري، لكن عينيه كانتا كالجمر المشتعل. وقف أمامها، ونظر إلى الفستان الأبيض الذي تلوث ببعض الغبار والرماد.
— قاسم: “اخلعي الفستان ده.. مش عايز أشوف اللون ده عليكي تاني. الأبيض للناس اللي قلوبهم نضيفة، وإحنا خلاص.. غرقنا في السواد سوا.”
— تيا: (وهي تقف ببرود وتنظر في عينيه) “إنت اللي غرقت يا قاسم.. أنا لسه واقفة على الشط بتفرج عليك وإنت بتغرق في كدبك. قولي.. بعد ما الورق اتحرق، والحقيقة بانت، فاضل إيه يربطني بيك غير القفل اللي على الباب؟”
اقترب منها قاسم، ولف يده حول عنقها برقة قاتلة، ورفع وجهها إليه.
— قاسم: “فاضل الوجع يا تيا. فاضل إنك مش هتقدري تنامي من غير ما تشمي ريحتي، ولا هتقدري تعيشي من غير ما تشوفي الخوف في عيون الناس لما يعرفوا إنك بتاعتي. أنا السجن وأنا الحرية.. إنتي فاهمة؟”
— تيا: “فاهمة.. فاهمة إنك أكتر واحد خايف في الأوضة دي.”
تركها قاسم بغضب وخرج، وأغلق الباب بالمفتاح من الخارج. وفي تلك اللحظة، أخرجت تيا المفتاح الذي أعطاه لها مراد. لم يكن مفتاحاً لباب، بل كان مفتاحاً لخزنة قاسم السرية الموجودة خلف المكتب بالأسفل.
انتظرت تيا حتى انتصف الليل، وتأكدت أن قاسم قد غرق في نومه الثقيل الذي يهرب فيه من واقعه. تسللت من الشرفة، ونزلت عبر المواسير بحذر القطة الجريحة، حتى وصلت لمكتبه.
فتحت الخزنة بالمفتاح الفضي، لتجد ما لم يتوقعه عقلها؛ لم يكن هناك ورق أهله فقط، بل كانت هناك صور لها منذ أن كانت في المدرسة، تقارير يومية عن كل خطوة خطتها في حياتها قبل أن يعرفها. كان قاسم يراقبها منذ سنوات.. لم تكن رهينة صدفة، كانت مشروع عمره.
بينما كانت تقلب في الصور والدموع تحرق عينيها، شعرت بظل يقف خلفها. تجمدت أطرافها، والتفتت ببطء لتجد قاسم واقفاً عند مدخل المكتب، وبيده مسدسه الذي يلمع تحت ضوء القمر.
— قاسم: (بصوت هادئ ومنكسر) “كنت عارف إنك هتيجي هنا.. كنت مستنيكي تشوفي الحقيقة كاملة. أنا محبيتش حد في حياتي غيرك يا تيا.. لدرجة إني دمرت حياتك عشان أكون أنا الوحيد اللي فيها.”
— تيا: (وهي ترفع الصور في وجهه بانهيار) “إنت مش محب.. إنت شيطان! إنت كنت بتراقبني وأنا بضحك وأنا ببكي وإنت اللي كنت بتدبر لي المصايب عشان تظهر في دور البطل؟”
رفع قاسم المسدس، لكنه لم يوجهه نحوها، بل وضعه في يدها المرتجفة، وضغط بأصابعه فوق أصابعها ليجعلها تصوب نحو صدره.
— قاسم: “أهو القلب اللي حبك غلط قدامك.. دوسي على الزناد وخلصينا إحنا الاتنين. يا نعيش سوا في الجحيم ده.. يا تقتليني وتخرجي حرة، بس افتكري.. إن دمي هيفضل على إيدك طول العمر.”
تلاقت أعينهما في مواجهة أخيرة، كانت تيا تشعر بثقل المسدس وبرودته، وبحرارة صدره الذي ينبض تحت يدها.
ارتجفت يد تيا، وثقل المسدس في قبضتها كأنه يحمل وزن خطاياهما معاً. كان قاسم يضغط على أصابعها، يحثها بنظراته التي خلت من الكبرياء لأول مرة، مستسلماً لمصيره بين يديها.
— قاسم: “يلا يا تيا.. ريحي نفسك وريحيني. القصاص أهو، دوسي وخدي حق سنين المراقبة، وحق أهلك، وحق الحرية اللي سرقتها منك.”
كانت تيا تنظر إلى عينيه، ورأت فيهما انعكاساً لنفسها؛ لقد أصبحت تشبهه، أصبحت تحمل ذات السواد الذي يغلف روحه. لمحت في عينيه صدقاً موحشاً، صدق رجل أحب لدرجة التدمير.
— تيا: (بصوت مخنوق بالبكاء والغضب) “إنت فاكر إن الموت هيخلصك؟ الموت رحمة إنت متستاهلهاش يا قاسم. لو قتلتك، هبقى نفذت اللي إنت عاوزه.. هبقى ملكك للأبد بدمك اللي هيفضل يطاردني.”
فجأة، وبحركة سريعة، سحبت يدها وألقت بالمسدس بعيداً، ليصطدم بالأرض ويصدر رنيناً معدنياً تردد في أركان المكتب البارد.
— تيا: “أنا مش هقتلك.. أنا هسيبك تعيش وإنت عارف إنك ملكش وجود في حياتي غير كـ سجان. هعيش معاك في البيت ده، هاكل من أكلك وأنام في سريرك، بس هكون “جثة” متحركة.. هحرمك من الروح اللي إنت دمرت كل حاجة عشان تمتلكها.”
تغيرت ملامح قاسم، وظهر الألم في عينيه بوضوح أكثر من لو كانت قد أطلقت الرصاص عليه. تقدم نحوها بضعف، محاولاً لمس وجهها، لكنها تراجعت كأن لمسته وباء.
— قاسم: “تيا.. أنا..”
— تيا: “متقولش اسمي! الاسم ده مات في اليوم اللي دخلت فيه حياتي. من النهاردة، أنا مجرد “الرهينة” اللي إنت صممت تخليها جنبك. مبروك عليك الاستثمار يا قاسم بيه.. كسبت جدران القصر، وخسرت الإنسانة اللي كان ممكن تحبك بجد لو كنت جيتها بصدق.”
استدارت تيا وخرجت من المكتب بخطوات ثابتة، تاركةً إياه وحيداً وسط صوره وتقاريره وأوراقه المزورة. دخلت غرفتها، ولم توصد الباب هذه المرة؛ فقد أدركت أن السجن الحقيقي ليس في الأبواب المغلقة، بل في القلوب المكسورة.
بقي قاسم في مكتبه، يجلس على الأرض وسط حطام هوسه، ممسكاً بإحدى صورها القديمة، يدرك الآن يقيناً أنه امتلك كل شيء.. لكنه في الحقيقة، لم يعد يملك شيئاً على الإطلاق.
مرت الأسابيع على القصر وكأنها دهر من الجليد. تحول البيت الكبير إلى ضريح يسكنه جثتان؛ قاسم الذي يزداد شحوباً وغرقاً في عمله ليهرب من نظراتها، وتيا التي أصبحت شبحاً يمر في الردهات بصمت يمزق الأعصاب.
كان قاسم يحاول بكل الطرق استعادة “تيا” القديمة، يشتري لها الهدايا التي تُلقى في سلة المهملات، ويعد لها عشاءً فاخرًا لا تلمس منه ملعقة واحدة. كانت تكتفي بالجلوس أمامه، تنظر عبره وكأنه هواء، عيناها الواسعتان اللتان كانتا تشتعلان غضباً، انطفأتا تماماً، وهذا الانطفاء كان يقتله أكثر من صراخها.
في ليلة عاصفة، دخل قاسم الجناح ليجدها تقف أمام النافذة، تراقب المطر بجمود. اقترب منها، ووضع معطفه —نفس المعطف الذي بدأ كل شيء— على كتفيها، لكنها لم تهتز.
— قاسم: (بصوت مكسور تماماً) “لحد إمتى يا تيا؟ العقاب ده أصعب من الرصاص.. اصرخي، اضربيني، اعملي أي حاجة غير إنك تحسسيني إني مش موجود.”
— تيا: (دون أن تلتفت إليه) “إنت فعلًا مش موجود يا قاسم. إنت مجرد سجان، والسجان ملوش وجود في حياة السجين غير كأداة. عايزني أعمل إيه؟ أمثل إني عايشة عشان تريح ضميرك؟”
لف قاسم يده حول خصرها من الخلف، ودفن رأسه في عنقها، واستنشق رائحتها بيأس، لكن جسدها ظل متصلباً كالرخام.
— قاسم: “أنا هعمل أي حاجة عشان تسامحيني.. هرد لأهلك كل اللي أخدته منهم، هصلح كل اللي دمرته، بس بصي لي مرة واحدة زي زمان.”
— تيا: “زمان مات.. وإنت اللي دفنته بإيدك. قولي يا قاسم.. إيه اللي يخلي “مستثمر” زيك يفضل متمسك بصفقة خسرانة؟ سيبني أمشي.. ده الحل الوحيد اللي فاضل عشان “تيا” تعيش، حتى لو بعيد عنك.”
تصلب جسد قاسم، وجذبها لتواجهه، كانت عيناه حمراء من قلة النوم والألم.
— قاسم: “تمشي؟ عشان تروحي لمراد؟ عشان الدنيا تاكلك؟”
— تيا: “عشان أهرب من الشخص اللي أكلني فعلاً. لو كنت بتحبني زي ما بتقول.. سيبني.”
ساد صمت طويل، لم يكن فيه إلا صوت المطر يضرب الزجاج. نظر قاسم في عينيها، ورأى فيهما التوسل الأخير؛ لم تكن تتوسل للنجاة، بل كانت تتوسل لكي لا تكرهه أكثر.
ببطء شديد، أخرج قاسم من جيبه مفتاحاً ذهبياً صغيراً، وضعه في كفها وأغلق عليه أصابعها المرتجفة.
— قاسم: “ده مفتاح البوابة الخلفية.. والحراس عندهم أوامر يسيبوكي تعدي. الشنطة اللي فيها ورقك الحقيقي وفلوس كفاية تبدأي بيها حياة جديدة موجودة في العربية اللي مستنياكي برا.”
اتسعت عينا تيا بصدمة، لم تكن تصدق أن الوحش قد استسلم أخيراً.
— تيا: “إنت.. إنت بجد هتسيبني أمشي؟”
— قاسم: (وهو يشيح بنظره عنها والدموع تتحجر في عينيه) “أنا قولت إني هعمل أي حاجة عشان تسامحيني.. ولو كان التمن إني معيشش معاكي، يبقى ده اللي لازم يحصل. بس افتكري يا تيا.. إنك لو في يوم احتاجتي حماية، أو الدنيا ضاقت بيكي.. أنا هفضل السجن اللي بابه مفتوح ليكي دايماً.”
لم تنتظر تيا، لم تودعه، ولم تلتفت خلفها. ركضت نحو الباب، ونزلت السلم بسرعة البرق، وشعرت بالهواء البارد يلفح وجهها لأول مرة منذ شهور. ركبت السيارة وانطلقت بها بعيداً عن القصر، بعيداً عن قاسم.
وقف قاسم في الشرفة، يراقب أضواء السيارة وهي تتلاشى في الظلام. أحس بقلبه يُقتلع من صدره مع كل متر تبتعد فيه.
بعد ساعات، دخل مراد الغرفة ووجد قاسم جالساً في الأرض، محطماً تماماً.
— مراد: “برافو يا أخويا.. أطلقت سراحها. تفتكر هتقدر تعيش من غيرها؟”
— قاسم: (بصوت هادئ ومخيف) “أنا مسيبتهاش عشان تروح يا مراد.. أنا سيبتها عشان ترجعلي بإرادتها. تيا دلوقتِ بره في عالم ميعرفش غير القوة، وأنا واثق إنها هتعرف إن العالم ده أوحش مني بكتير.. وساعتها، هي اللي هتيجي وتخبط على بابي وتطلب “سجني” بنفسها.”
مرت الشهور الستة الأولى كأنها معركة لاستعادة الروح. استقرت تيا في مدينة ساحلية بعيدة، غيرت اسمها، وبدأت تعمل في مرسم صغير. كانت تستيقظ كل صباح وهي تشعر بحرية ناقصة، وكأن هناك خيطاً خفياً لا يزال يربط كاحلها بباب ذلك القصر.
كانت تظن أن قاسم يراقبها، لكنها لم تجد له أثراً. لا سيارات سوداء، لا حراس ببدلات قاتمة، ولا رسائل غامضة. هذا الصمت كان يرعبها أكثر من وجوده؛ هل نسيها فعلاً؟ أم أنه يطبق وصيته بأن يتركها “تتذوق” طعم العالم؟
في أحد المساءات، وبينما كانت تغلق مرسمها، وجدت رجلاً ينتظرها عند الباب. لم يكن قاسم، بل كان والدها. بدا شاحباً، مكسوراً، وثيابه التي كانت يوماً فاخرة أصبحت رثة.
— تيا: (بجمود) “إيه اللي جابك هنا؟ وعرفت مكاني منين؟”
— الأب: (بصوت يرتجف) “تيا.. أنا ضعت. مراد السيوفي أخد مننا كل حاجة.. البيت، الفلوس، حتى سمعتي دمرها. هو مش عايز فلوس، هو عايز يحرق أي حاجة قاسم كان مهتم بيها.. وإنتي كنتي أولهم.”
سرت قشعريرة في جسد تيا. تذكرت نظرة مراد وتوعده. قاسم أطلق سراحها، لكنه بذلك تركها دون درع أمام أخيه الذي لا يعرف الرحمة.
— الأب: “مراد بيدور عليكي يا بنتي.. وقاسم.. قاسم اختفى. بيقولوا إنه ساب كل حاجة ودخل في حالة عزلة، ومحدش عارف مكانه. السيوفي الصغير هو اللي بيحكم دلوقتي، وهو ناوي يصفّي حساباته القديمة معاكي.”
في تلك اللحظة، رن هاتفها من رقم غير معروف. فتحت الخط والأنفاس محبوسة في صدرها.
— صوت مراد: “وحشتيني يا قطة.. قاسم كان فاكر إنه بيحميكي لما سابك تمشي، بس هو في الحقيقة رماكي في وسط الغابة وهو مش موجود عشان يدافع عنك. قدامك ٢٤ ساعة.. يا ترجعي القصر وتكوني ‘تحت حمايتي’ أنا المرة دي، يا تقرأي الفاتحة على اللي فاضل من أهلك.”
أغلقت تيا الهاتف، وشعرت أن الجدران تضيق عليها مرة أخرى. العالم الذي هربت إليه لم يكن جنة، بل كان مجرد ساحة انتظار لموت مؤجل. نظرت إلى المفتاح الذهبي الصغير الذي لا تزال تحتفظ به في قلادتها.
لم تجد نفسها تتصل بالشرطة، ولا تهرب لمدينة أخرى. وجدت يدها تطلب الرقم الوحيد الذي حفظته عن ظهر قلب رغم كرهها له.
رن الهاتف طويلاً.. حتى جاء صوته، كان خفيضاً، متعباً، وكأنه يخرج من تحت الأنقاض.
— قاسم: “كنت عارف إنك هتتصلي اليوم ده.. بس مكنتش أتمنى إنه يكون بسببه هو.”
— تيا: (بصوت يرتجف) “هو عايز يقتلهم يا قاسم.. هو عايز يكسرك فيا.”
— قاسم: “تيا.. أنا مش هجبرك ترجعي. بس لو عايزة الحماية، لازم تعرفي إن التمن المرة دي مش حريتك.. التمن إنك تشوفي وش “السيوفي” اللي كنت مخبيه عنك عشان مخوفكيش. لو جيتي، مفيش رجوع تاني.”
— تيا: “أنا جاية يا قاسم.. مش عشانك، ولا عشانهم.. أنا جاية عشان أخلص الكابوس ده بإيدي.”
بعد ساعات، وقفت تيا أمام باب القصر الكبير. البوابة انفتحت تلقائياً وكأنها كانت تنتظر عودة صاحبتها. وجدت قاسم واقفاً في منتصف الردهة، يرتدي بدلة سوداء بالكامل، وبجانبه صندوق خشبي صغير. لم يبتسم، ولم يقترب لضمها.
— قاسم: “مراد برا.. ومعاه رجاله. هو فاكر إن القصر ده بقى فاضي.”
— تيا: “هتعمل إيه؟”
— قاسم: (وهو يفتح الصندوق ويخرج منه مسدسين) “هعمل اللي كان لازم يتعمل من زمان. بس المرة دي، إنتي اللي هتختاري.. هتفضلي مستخبية ورايا، ولا هتاخدي حقك بيدك وتنهي اللعبة اللي بدأت بورقة مزورة؟”
أخذت تيا المسدس من يده، كان ملمسه بارداً ومألوفاً بشكل مرعب. نظرت إلى قاسم، فرأت في عينيه انعكاساً لامرأة لم تعد تعرفها؛ امرأة ولدت من رماد الخيانة والحب المسموم.
— تيا: “أنا مش هستخبى يا قاسم.. اللي خسر كل حاجة مبيخافش من المواجهة.”
فجأة، اقتحمت سيارات مراد ساحة القصر، وتصاعد صوت كبح الإطارات بعنف. دخل مراد الردهة بخطوات واثقة، يحيط به رجاله المسلحون، وعلى وجهه تلك الابتسامة المستفزة التي يظن بها أنه ملك العالم.
— مراد: “يا أهلاً باللقاء العائلي! قاسم وتيا سوا من تاني؟ كنت عارف إن المغناطيس هيسحبك يا تيا، بس مكنتش فاكر إنك هترجعي لواحد منتهي زي أخويا.”
لم يتحرك قاسم، بل ظل واقفاً كالجبل، بينما تقدمت تيا بخطوات هادئة حتى صارت في المواجهة. رفع مراد حاجبه بسخرية وهو يرى المسدس في يدها.
— مراد: “إيه ده؟ القطة بقت بتخربش؟ نزل البتاع ده يا حلوة، اللعب ده للكبار.”
— تيا: (بصوت ثابت كالرخام) “الكبير هو اللي بيعرف يحمي نفسه، مش اللي بيستقوى على ناس غلابة عشان يوجع أخوه. إنت مش عايزني يا مراد.. إنت عايز تكسر قاسم، بس نسيت إن قاسم كسرني فعلاً، ومبقاش فيه حاجة تكسرها.”
التفت مراد نحو قاسم وضحك بصوت عالٍ:
— مراد: “شايف يا أخويا؟ البضاعة اللي اشتريتها بقيت بتنطق وبتقول حكم. قولي يا قاسم، هتفضل واقف كدة ولا هتمضي على التنازل عن شركات السيوفي عشان أخرجك إنت وهي عايشين؟”
قاسم ببرود قاتل، وضع يده في جيب بنطاله وأخرج ولاعته، أشعلها ونظر للهب بهدوء.
— قاسم: “التنازل انكتب فعلاً يا مراد.. بس مش ليك.”
في تلك اللحظة، وبإشارة غير مرئية، انطفأت أنوار القصر تماماً. ساد الهرج والمرج، وصوت سحب الأجزاء في المسدسات ملأ المكان. صرخة مراد دوت في الظلام وهو يأمر رجاله بإطلاق النار، لكن قاسم كان قد جذب تيا خلف عمود رخامي ضخم.
— قاسم: (بهمس في أذنها وسط الفوضى) “دلوقتي يا تيا.. مراد في الركن اليمين. لو عايزة حريتك بجد، لازم تنهي الخوف اللي جواه.”
انطلقت رصاصة من مسدس تيا، لم تكن طائشة، بل كانت موجهة بدقة نحو الكتف الذي يحمل به مراد سلاحه. سقط المسدس من يد مراد وصرخ من الألم، بينما تحرك رجال قاسم الذين كانوا يختبئون في الظل ليطبقوا على رجال مراد في ثوانٍ.
عادت الأنوار فجأة، ليتضح المشهد: مراد ملقى على الأرض ينزف، ورجاله مجردون من السلاح، وقاسم يقف فوق رأسه كملك استعاد عرشه.
— قاسم: “كنت فاكر إني ضعفت يا مراد؟ أنا سيبت تيا تمشي عشان أعرف مين اللي هيحاول يصطادها.. وكنت عارف إنك أول واحد هيبان. أنا ضحيت بشهوري اللي فاتت في نار البعد عشان أحطك في المكان ده.”
التفت قاسم نحو تيا، التي كانت لا تزال تصوب مسدسها نحو رأس مراد. كانت يدها ثابتة، لكن عينيها كانتا تفيضان بالدموع.
— قاسم: “خلصي يا تيا.. الرصاصة اللي جاية هي اللي هتفصل بين حياتك القديمة وحياتك الجديدة.”
نظرت تيا إلى مراد المرتعب، ثم إلى قاسم الذي كان يراقبها بترقب. وفجأة، أنزلت المسدس وأفرغت الخزنة من الرصاص على الأرض.
— تيا: “مش هقتله.. مش هخلي دمه يلوثني زي ما دمك لوث حياتي. إنت وهو واحد.. اتنين بيصارعوا على ملكية جثة. أنا النهاردة مش ملك حد.”
رمت المسدس الفارغ عند قدمي قاسم، ونظرت إليه بنظرة أخيرة جمعت كل الحب والكره والندم.
— تيا: “مراد هيروح للسجن اللي يستحقه.. وإنت يا قاسم، هتعيش في سجنك الكبير ده لوحدك. أنا خدت حقي بيدي، ومش محتاجة حماية من حد.”
خرجت تيا من القصر بخطوات واثقة، لم تلتفت خلفها هذه المرة، ولم يكن معها مفتاح ذهبي ولا وعود كاذبة. قاسم ظل واقفاً يراقبها وهي ترحل، لكنه لم يحاول منعها؛ فقد أدرك أخيراً أن الحب الحقيقي ليس في الامتلاك، بل في تركها ترحل وهي “قوية” بما يكفي لكي لا تحتاجه أبداً.
انتهت قصة “السيوفي وتيا”، وبقي القصر صامداً، يحكي قصة رجل دمر كل شيء ليمتلك امرأة.. فامتلك ذكراها فقط.

