رهينة قصر الأسود كاملة لمايا خاالد

بعد مرور خمس سنوات..
​في مدينة هادئة على أطراف إيطاليا، حيث تتداخل رائحة البحر مع عبق ألوان الزيت في المرسم الصغير، كانت تيا تقف أمام لوحة ضخمة. لم تعد ترتدي الأبيض ولا الأسود؛ بل كانت مكسوة بألوان الحياة التي اختارتها بنفسها. نظرتها التي كانت يكسرها الخوف يوماً ما، أصبحت الآن صلبة، عميقة، ونقية كأنها صُقلت في النار.
​دخلت طفلة صغيرة لا تتجاوز الرابعة من عمرها، تركض بشعرها الغجري وتضحك وهي تمسك بيديها “طائرة ورقية”. خلفها، ظهرت امرأة عجوز تساعد تيا في إدارة شؤونها.
​— الطفلة: “ماما.. شوفي الطيارة طارت عالي أوي، زي ما قولتِلي!” مايا خالد قصص الحياة
— تيا: (بابتسامة حقيقية وهي تضمها) “طارت عشان هي حرة يا “نور”.. وعشان مفيش خيوط تقدر تربطها بالأرض طول ما فيه ريح قوية.”
​في تلك اللحظة، توقفت سيارة سوداء مألوفة عند زاوية الشارع. لم ترتجف تيا، ولم يهرب الدم من عروقها. وضعت ابنتها جانباً وخرجت لتقف أمام باب المرسم. ترجل رجل من السيارة، لم يكن قاسم، بل كان محاميه العجوز الذي رافقه طوال حياته.
​تقدم المحامي بوقار، وسلمها مظروفاً جلدياً فاخراً، وقال بصوت خفيض:
— المحامي: “قاسم بيه طلب مني أسلمك دي في يوم ميلادك الخامس بعيداً عنه. قالي إن الأمانة دلوقتي لازم ترجع لصاحبتها.”
​فتحت تيا المظروف، لتجد بداخله أوراق ملكية القصر القديم، وكل شركات السيوفي، موثقة باسمها وباسم ابنتها “نور قاسم السيوفي”. وتحت الأوراق، وجدت رسالة صغيرة مكتوبة بخط يد مهتز، لكنه لا يزال يحمل جبروت صاحبه:
​”تيا..
العالم كان أوحش مما تخيلت، بس إنتي كنتِ أقوى مما حلمت. أنا سيبتلك كل حاجة مش عشان أشتريكي تاني، بس عشان بنتنا متضطرش في يوم إنها تكون ‘رهينة’ ل حد عشان تعيش. أنا دلوقتي بعيد.. بعيد لدرجة إني مش هقدر ألمس حياتك بضلي. عيشي حرة.. وعلمي نور إن السيوفي مكنش بس وحش، كان راجل حبك لدرجة إنه اختار يختفي عشان إنتي تظهري.”
​نظرت تيا نحو السيارة، رأت طيفاً خلف الزجاج المظلل يراقبها للحظة أخيرة قبل أن تنطلق السيارة وتختفي وسط الضباب. لم تلاحقه، ولم تبكِ.
​أمسكت بالأوراق، ونظرت إلى ابنتها التي كانت تلعب في الشمس، ثم عادت إلى لوحتها ورسمت خطاً أخيراً مشرقاً. مايا خالد
​لقد انتهت الحكاية بانتصار لم يتوقعه أحد؛ قاسم كسب غفرانه بالغياب، وتيا كسبت حياتها بالنسيان.. وبينهما بقيت “نور”، الطفلة التي تحمل اسم السيوفي، لكنها تمتلك روح تيا الحرة.
​النهاية.

الصفحة السابقة 1 2

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *