بعد ما وصلت ابني

منخفض.
أوراق ملكية كل الفنادق والعقارات، ومجوهرات نوال، وكمية ذهب وأموال سائلة تكفينا طول العمر، ولا نحتاج نشتغل ولا نعمل أي حاجة تاني. كل ده كان مخبأه عشان يورثه لي بس هو فاكر إن الوريث الوحيد يستاهله، وأنا أثبت له إني أستاهله أكتر من ما هو فاكر.
الحاج عزت ضحك بصوت خاڤت، ضحك مليان ألم ومرارة. يستاهل؟ هو ما عملش حاجة في حياته غير إنه ياخد. كل مشروع بدأه فشل، كل فلوس أعطاها له ضاعت في السفر واللعب والهوايات، وكل مرة كان بيرجع يعتذر ويقول المرة الجاية هتعوضك يا بابا، وهو كان يصدقه، عشان كان وحيده، عشان كان باقي من نوال. وده كله شايفه إنه يستاهل؟
شاف داليا وقفت فجأة، ومسكت كتف كريم أنت متأكد إن مفيش نسخ تانية من الأوراق؟ ولا إن هو مخبي مكان تاني؟
كريم هز راسه متأكد. سمعته وهو بيقول لصديقه مرة واحدة كل ما يثبت ملكيتي في مكان واحد، وكل ما أملك هيروح لولدي، ولا حد يعرف مكانه غيري.
وأمينة؟
الشغالة؟ خليها عليّ. هي خاڤت من زمان، وعرفت إن لو تكلمت هتندم. هي ما تقدرش تعمل حاجة، ولا حد هيسمع كلامها.
الحاج عزت عرف دلوقتي ليه أمينة خاڤت، وليه بعتت الرسالة من غير ما تتصل ولا تتكلم. كانت خاېفة تاخد جزاءها، خاېفة كريم يأذيها، فقررت تنبهه بالطريقة اللي تضمن سلامتها وسلامته.
سحب نفس طويل، وقرر ما يفضلش قاعد متفرج. شغل العربية، وبدل ما يمشي في طريق البيت، اتجه ناحية أقرب مخفر، وبعث رسالة لأمينة أنا شفت كل حاجة. إنتِ في أمان، ما تخافش. إبقي في أوضتك ولا تظهري لحد لما أوصل.
ردت عليه بسرعة الحمد لله يا حاج. أنا خبيت نفسي في أوضت الخدم من ساعة ما شفتهم بيدخلوا الخزنة. شفتهم بيحطوا أكياس جاهزة عشان ياخدوا كل حاجة. سامحني يا حاج، كنت خاېفة أقولك وهم موجودين.
مسموحك يا أمينة. إنتِ عملتي اللي عليكي، والباقي عليّ.
وصل المخفر بعد نص ساعة، وبصحبته الضابط المسؤول، وشرح له الحكاية، وريه التسجيلات اللي كانت لسه شغالة، وطلب منه مرافقته للبيت. لما وصلوا لشارع الفيلا، لقوا الباب الرئيسي مفتوح شوية، وسمعوا صوت داليا وهي بتقول أخيرًا لقيناها! شيل الصناديق بسرعة، خلاص ما فيش وقت.
دخلوا الحرس أول، وبعدهم الحاج عزت والضابط. لما سمع كريم الصوت، لف بسرعة، ولقى أبوه واقف قدامه، ومعاه رجال الشرطة. لون وشه اتغير، والصناديق وقعت من إيده على الأرض.
داليا اتجمدت مكانها، وما عرفتش تتصرف.
الحاج عزت مشي خطوة لقدام، وبص لابنه بكل هدوء، والدمع لسه في عينيه لكن من غير صوت
كنت فاكر إنك هتسافر شرم الشيخ عشان تفرح وطلعت جاي تسرقني وتدمر كل ما بنيت؟ كنت فاكر إن الفلوس كل حاجة؟ وإن السنين اللي ربيتك فيها، والليالي
اللي سهرتها عشانك، والدم اللي في عروقك، كل ده بيساوي قيمة أوراق وصناديق؟
كريم حاول يتكلم يا بابا افهمني، مش زي ما بتظن كنت بس عاوز أتأكد
تتأكد إيه؟ قطع عليه الحاج عزت بصوت ارتفع شويه، مليان ۏجع تتأكد إنك خاېن؟ ولا تتأكد إنني ساذج لحد ما أصدق إنك تحبني؟ شفتك وأنت بتضحك عليّ، شفتك وأنت بټشتم أمك اللي ماټت عشانك، شفتك وانت شايف كل ما أملك مجرد حاجة تاخدها وتشبع جشعك.
داليا حاولت تتدخل يا عمي عزت، سامحنا، كنا مجنونين، ڠصب عنا، الفلوس كانت
إنتِ اسكتي لف لها بحدة لم تشوفها منه طول عمرها أنا كنت شايفك زي بنتي، كنت بدعي لك بالهداية، وكنت أقول لك خلي بالك من كريم وانتِ معاه وطلعتي اللي شجعته، واللي زرعتي فيه الكراهية والجشع. كنتي پتكرهي نوال ليه؟ عشان هي كانت أم زوجك؟ ولا عشان عرفتي إنك مش هتقدري تيجي مكانها في قلبي ولا في قلب حد؟
جاب الضابط ورقة من جيبه، وقرب منهم لقد اعترفتم بأنكم تخططان لسړقة ممتلكات السيد عزت الشناوي، والتسجيلات كاملة دليل عليكم. الحقوق العامة تطلب حبكم على ذمة التحقيق.
مسكوا أيديهم، وهم لسه متجمدين، مش عارفين يصدقوا إن الحلم اللي كانوا بيحلموا بيه بسرعة انتهى، وإن السچن هو اللي بانتظارهم مش السفر والثراء. لما كانوا بيمشوا بره، كريم لف لأبوه مرة أخيرة، وقال بصوت مكسور يا بابا سامحني.
الحاج عزت هز راسه ببطء السماح مش للخېانة يا كريم. السماح للي يخطئ ويعتذر ويتغير. وأنت اخترت الطريق ده بإرادتك، واخترتِ معاه يا داليا. واللي بيزرع الشړ يحصد الشړ.
بعد ما مشوا، رجع الحاج عزت لمكتبه، وجمع قطع الصورة بتاعة نوال، ورتبها ع المكتب. جاله أمينة من الخلف، وقالت بصوت خاڤت أنا آسفة يا حاج، كنت عارفة من يوم ما جوا من السفر الأخير، كان شكله غريب، ومراته كانت بتتكلم في سر، بس ما قدرت أتكلم خوفًا.
أنتِ عملتي الواجب يا أمينة، وكل اللي حصل ده درس لي قبل ما يكون لغيري. كنت أعمى، واليوم فتح عينيا.
مرت الأيام، والتحقيقات أخذت مجراها، وثبتت عليهم التهم، وحكم عليهم بالسجن لمدة طويلة. الحاج عزت باع جزء من العقارات، وتبرع بفلوسها لمستشفيات الأورام، تكريم لذكرى نوال اللي ماټت من المړض ده. ترك الفيلا الكبيرة، وسكن في شقة صغيرة هادئة، واحتفظ بصورة نوال، وبالزجاجة القديمة اللي كانت حطها عشان عيد ميلاده السبعين، فتحها في اليوم ده وحده، وشرب نخب الذكريات الصادقة، ونخب أن الحقيقة مهما طالت بتظهر، وإن العدالة مهما تأخرت بتجيب أهلها.
وعرف في النهاية إن أغلى ما يملكه الإنسان مش الفلوس ولا العقارات، لكن القلوب اللي بتكون معاه بصدق، والوفاء اللي ما يتبدلش ولا يتغير، وإن الخېانة مهما كانت بسيطة في البداية، بتكون
نهايتها خسارة كل حاجة
جميلة.





