بعد الولادة بقلم صافي هاني 1

نادية أخت حازم قاعدة على الكنبة الجلد والشنط بتاعتها مالية المكان، وحماتي فوزية نايمة على الشيزلونج وبتهوي على نفسها.
أول ما فوزية شافتني، مكلفتش نفسها تقوم، وبصتلي من فوق لتحت وقالت بنبرة فيها كمية غل وتكبر يا فتاح يا عليم.. جيتي؟ إيه اللي أخرك كل ده؟ الأوتوبيس لطعك؟ عموماً كويس إنك جيتي عشان نادية تعبانة من السفر وعايزة تشرب حاجة ساقعة، خشي المطبخ اعمليلنا ليمون بالنعناع بسرعة، وحماتك واقفة على رجلها من الصبح.
أنا وقفت في مكاني مذهولة، باصة لحماتي ولنادية اللي بتلعب في موبايلها ومقامتش حتى تبص على ابن أخوها. حازم خرج من الأوضة وهو لابس ترينج ومسترخي تماماً، أول ما شافني كشر وقالي أنتِ لسه واقفة؟ المطعم طلع زحمة ومفيش حجز، فقلنا نيجي نريح هنا. خدي الواد ده جوه عشان صوته ما يصحّيش أبويا، نايم جوه.
بصيت لحازم، الراجل اللي كنت فاكراه سندي، وقلت بصوت حاد عمري ما طلعت بيه قدامه أنت بجد بني آدم معندكش دم؟ أنا لسه والدة قيصري، مكملتش خمس أيام، وركبتني أوتوبيس عشان أهلك يركبوا عربيتي، ودلوقتي عايزني أخش المطبخ أخدمكم؟
حازم وشه اتقلب تماماً، وعينيه اسودت من الغضب. قرب مني ومسكني من دراعي الشد الجامد ده سمع في غرز بطني وخلاني أصرخ من الوجع. ضغط على دراعي أكتر وقالي بصوت واطي ومرعب صوتك ما يعلاش في بيتي يا منة! أنتِ نسيتي نفسك ولا إيه؟ أحمدي ربنا إن واحد زيي لمك من بيت أبوكي المقاول الحافي ده وعيشتك في كومباوند وعيشة مكنتيش تحلمي بيها! أهلي خط أحمر، تقومي تخدميهم برموش عينك، وإلا قسماً بالله هرميكي في الشارع أنتِ والغلباوي الصغير اللي في إيدك ده!
نادية ضحكت باستهزاء وقالت سيبك منها يا حازم، دي بتتدلع، كل الستات بتولد وتقوم في نفس اليوم، دي جاية تعمل علينا هانم!
في اللحظة دي، وأنا دموع الوجع والقهر نازلة على وشي، وأنا شايفة جوزي بيتهددني بالطرد ويهين أبويا اللي يسواه ويسوى عيلته كلها… فجأة، جرس الباب رن. ورن بقوة وعنف وكأن اللي واقف برا عايز يكسر الباب.
حازم ساب دراعي وهو بينفخ بضيق مين الغبي اللي بيخبط بالطريقة دي؟
مشى حازم وفتح الباب وهو بيزعق فيه إيه؟ مين أنت…
الكلام وقف في زور حازم، ووشه اتقلب من الغضب للذهول التام، وبعدها للرعب الخالص.
الباب اتفتح على آخره، ودخل منه أربعة رجالة ببدل سوداء وجسام ضخمة، ملامحهم حادة وزي الصخر، وقفوا في صالة الشقة وفتحوا الطريق لراجل كبير في السن، وقور، لابس بدلة من أفخم الماركات العالمية، وعينيه كانت بتطلع شرار.
شاكر المنشاوي.. بابا.
وراه كان واقف اتنين محاميين ماسكين شنط دبلوماتية، ومعاهم تلاتة من رجال الأمن بتوع الشركة. الشقة فجأة اتملت ناس، وحازم رجع لورا خطوتين وهو مش فاهم حاجة وجسمه بدأ يرعش. حماتي فوزية قامت وقفت بسرعة ونادية لمت رجليها بخوف.
بابا مدخلش يبص لحازم ولا لأهله. عينه جت عليا وأنا ماسكة بطني وبعيط وياسين في حضني. ملامح بابا اتقلب لغضب أعمى عمري في حياتي ما شوفتها. قرب مني بخطوات سريعة، وأخد ياسين من إيدي براحة وداد للممرضة الخاصة اللي كانت داخلة معاه، وبعدين مسك إيدي وباس رأسي وقال بصوت هز جدران الشقة سامحيني يا بنتي.. أنا السبب إني سيبتك مع الأشكال دي.
حازم بلع ريقه وبدأ يتكلم بتلعثم شاكر بيه؟ المنشاوي؟ أنت.. أنت بتعمل إيه هنا؟ وأنت تعرف منة منين؟
بابا لف لحازم ببطء شديد، النظرة اللي في عين بابا كانت كفيلة تموت أي حد من الرعب. قرب منه لحد ما بقى وشه في وش حازم، وقاله بصوت فحيح الأفاعي منة تبقى منة شاكر المنشاوي.. بنتي الوحيدة.. اللي أنت وأهلك الجعانين افتكرتوها مقطوعة من شجرة.. اللي ركبتها أوتوبيس بجرح القيصرية عشان تفسح أختك وأمك في عربيتها اللي أنا شاريها بفلوسي!
الصدمة نزلت على حازم وأهله زي الصاعقة. حازم بصلي وعينيه كانت هتطلع من مكانها، وبدأ يربط الأحداث، المستثمرين الكبار، الدعم اللي جاله فجأة، السهولة اللي كان بياخد بيها صفقات… كله كان بسببي أنا!
حماتي فوزية وشها بقى أصفر زي الليمونة، ونادية حطت إيدها على بوقها من الصدمة والرعب.
حازم بدأ يترعش وقال بصوت مهزوز منة.. أنتِ.. أنتِ بنت شاكر المنشاوي؟ ليه مقتليش؟ أنا.. أنا مكنتش أعرف.. أنا والله العظيم…
بابا رفع إيده واداله قلم شديد على وشه، القلم كان قوي لدرجة إن حازم وقع على الكنبة. فوزية صرخت ونادية استخبت وراها.
بابا بص للمحاميين وقال بنبرة آمرة وقاطعة امضوا على كل الأوراق.. من اللحظة دي.. الشركة بتاعة التكنولوجيا بتاعته تتقفل، وكل المستثمرين يسحبوا فلوسهم قبل الفجر.. والعربية الجيب تتاخد دلوقتي حالا وتتجر بالونش قدام عينيه.. والشقة دي تتقفل بالشمع الأحمر لأنها بإسم شركتنا.. والكلاب دول يترموا في الشارع بهدومهم اللي عليهم بس!
حازم زحف على الأرض وقرب من رجل بابا وهو بيبكي بنحيب بوس إيدك يا شاكر بيه.. بلاش شركتي.. أنا هبوس رجل منة بس بلاش تدمرني.. أنا هبقى خدام تحت رجليها!
بابا بصلي وقالي يلا يا منة.. اطلعي على عربية الإسعاف اللي تحت مستنياكي عشان تطمن عليكي وعلى ابننا.. والناس دي حسابها معايا لسه مخلصش.
وأنا بلف ضهري وبمشي مع بابا والممرضة شايلة ياسين، حازم جرى عليا ومسك رجلي وهو بيعيط ويسرخ منة سامحيني! منة عشان خاطر ابننا متعمليش فيا كده! أنا ضعت!
لفيت وبصيت له وبصيت لأمه وأخته اللي كانوا بيموتوا من الرعب والندم، وقلت له بكل برود وقسوة مش عايزة دراما وقلب دماغ يا حازم.. الشارع وراك.. وريني بقى هتركب أوتوبيس إزاي!
وفي اللحظة دي، وقبل ما نخرج من الباب، واحد من المحاميين طلع ورقة من الشنطة وبص لحازم وقاله بابتسامة باردة استاذ حازم.. تحب نبلغك دلوقتي بقضايا التزوير والاختلاس اللي اترفعت عليك من نص ساعة، ولا تستنى لما البوكس يوصل ياخدك من هنا؟
حكايات_صافي_هاني





