روايه للكاتبه شروق خالد 1

يوم ما أبويا باعني عشان أتجوز، كنت واقفة جنب ملياردير مبيتكلمش، ولا بيتحرك، ولا فتح عينه من تسع شهور.
الكل كان بيقول إن سليم السيوفي مش سامعني.
الكل كان بيقول إنه عمره ما هيفوق.
بس الليلة دي، لما بقيت لوحدي مع جوزي في الأوضة، وهمست بالسر كله جنب سريره.
وفي اللحظة اللي سمع فيها صوتي، صباعه اتحرك.
القاعة كانت مليانة ريحة ورد وعطور غالية الصبح وأنا بتتجوز.
كنت واقفة على الكوشة بفستان أبيض مستلفاه وسليم السيوفي قاعد ساكت على كرسي متحرك جنبي.
#حكايات_شروق_خالد
شعره الأسود كان متسرح ومظبوط.
وإيديه مفرودة على رجله من غير أي حركة.
وكان فيه ممرض خاص واقف وراه، بيراقبه كأن حتى نفسه محتاج إذن عشان يطلعه.
عمره ما بصلي.
ولا عمل أي رد فعل.
ولا اتهز.
لأن سليم السيوفي، وريث إمبراطورية السيوفي، كان في غيبوبة بقاله تسع شهور.
أبويا همس في ودني وهو واف جنبي: “قولي موافقة.”
زوري اتقفل.
“موافقة.”
الكلمة مكنتش حاسة إنها كتب كتاب، كانت حاسة إنها حكم إعدام.
المأذون ابتسم بسرعة.
والمعازيم صقفوا بذوق.
وهوب.. في ثانية بقيت مدام سليم السيوفي.
محدش بارك للعريس ولا باسه.
محدش كان يقدر أصلاً.
لما الفرح خلص، أخدوا سليم بالكرسي، وأنا فضلت واقفة مكاني متجمدة تحت أضواء القاعة، ومش مستوعبة إزاي حياتي اتحولت لعقد ممضي وأنا لابتة فستان دانتيل.
بره القاعة، أبويا قرب مني والراحة باينة في عينيه.
“أنتِ عملتي الصح يا فريدة.”
ضحكت بمرارة.
“قصدك إني اتجوزت راجل مش واعي أصلاً عشان يوافق؟”
كشّر وقالي: “ده اللي هينقذنا.”
إحنا.
الكلمة دي دايماً بتظهر لما يكون عاوزني أنزف عشان أصلح غلطاته.
قبلها بثلاث أسابيع، قعد معايا في بيتنا الإيجار الصغير في شبرا وفهمني الاتفاق.
مجلس إدارة شركات السيوفي كان مشترط إن سليم لازم يتجوز قبل ما يتم ثلاثين سنة.
لو اتجوزش، الإدارة كلها هتروح لابن عمه.
ولو أنا وافقت، ديوننا كلها هتتمسح.
كل قسط.. كل وصل أمانة.. كل محضر.
كله هيختفي.
وقتها سألته: “أنت عاوزني أتجوز واحد غريب في غيبوبة؟”
أبويا قالي: “أنا عاوز أبطل أشوفك بتتغلب وتتعذبي بسببي.”
وقتها، كنت عاوزة أصدقه.
ودلوقتي، وأنا واقفة قدام قصر السيوفي اللي بيطل على النيل، مكنتش عارفة أنا مصدقة مين ولا مين.
القصر مكنش شبه البيوت، كان شبه المملكة.
بوابات حديد.. صالات رخام.. نجف كريستال.
كل حتة بتلمع كانت بتفكرني إني مليش مكان هنا.
أول حد قابلته كان ابن عم سليم، شريف السيوفي.
كان ساند على عمود رخام، وبيتسم ابتسامة كأن القصر خلاص بقى بتاعه.
“يعني أنتِ بقى العروسة.”
الطريقة اللي كان بيبصلي بيها خلت جسمي يقشعر.
وقبل ما أرد، فيه صوت حاد قطع الصالة.
“لو خلصت فرجة، اتفضل اتمشى من هنا.”
ست كبيرة في السن كانت نازلة من على السلم.
شيك.. باردة.. وليها هيبة.
كريمان هانم.. جدة سليم.
بصتلي من فوق لتحت بتركيز، وبعدين قالت: “تمشي حالك.”
مكنتش عارفة ده مدح ولا شتيمة.
وبعدين طلعت بيا لفوق.
“عشان تشوفي جوزك على نور.”
أوضة سليم فاجأتني.
كنت متوقعة ضلمة وأجهزة كتير.
بس الشمس كانت مالية المكان من الشبابيك الطويلة اللي بتبص على النيل. ورد فريش جنب السرير. ومزيكا هادية شغالة من سماعات مخفية.
#حكايات_شروق_خالد
الأوضة كانت حية.
إلا سليم.
كان نايم من غير حركة وسط المخدات البيضاء، وشكله كأنه نايم عادي مش عيان.
كريمان هانم بصت له وقالت ببرود: “بقى عندك مراتي دلوقتي.. حاول متفضحناش.”
مفيش رد.
لما سابتني ومشيت، فضلت لوحدي معاه.
السكوت كان مرعب وكبير أوي.
قعدت كام دقيقة واقفة من غير ما أتحرك.
بعدين ضحكت بصوت واطي.
“يعني.. هو كدا كدا واحد مننا بس اللي مبيتحركش.”
مفيش فايدة.
قربت خطوة.
“أنا مش عارفة أنت سامعني ولا لأ.”
برضه مفيش.
“ومش عارفة أنا بتكلم ليه أصلاً.”
جهاز ضربات القلب كان شغال بنبض منظم وثابت.
قعدت على الكرسي جنب سريره.
ولأول مرة طول اليوم، مبقتش قادرة أمثل إني قوية.
وهمست وصوتي مخنوق: “أمي ماتت من سنتين.. وبصراحة، حاسة إنها كانت هتكره اللي بيحصل ده أوي.”
صوتي اتهز.
“أنا مكنتش عاوزة الجوازة دي.”
الدموع غمت عيني.
“أنا بس مكنتش عارفة أنقذ أهلي إزاي.”
الأوضة فضلت ساكتة.
وفجأة حسيت بيها.
حركة.
صغيرة جداً.. تكاد تكون مش باينة.
اتسمرت مكاني.
وبالراحة، بصيت تحت.
صباع سليم اتهز.
قلبي وقف.
فضلت باصة لإيده وأنا خايفة حتى أتنفس.
وبعدين، ولأول مرة من تسع شهور، جفون سليم السيوفي اتهزت.
وبدأت تفتح.
وقبل ما ألحق أصرخ وأنادي على حد يساعدنا، شفايفه فتحت بحركة خفيفة جداً.
وهمس بجملة واحدة خلت الدم يتجمد في عروقي:
“متثقيش في شريف.”





