صعيدي من أكسفورد حصري ل مايا خالد

الأسناسير أصدر رنين وصوله للدور الأخير… الجناح الملكي الخاص بـ “يونس الهواري”.
​الباب اتفتح ببطء، ونور واقفة مكانها زي التمثال، عيونها بتتحرك برعب بين الممر الفاضي والمظلم وبين الراجل اللي واقف قدامها وسادد بنص كتافه المخرج. ضربات قلبها كانت مسموعة لدرجة إنها خافت يكون سامعها.
​هروب بلا مخرج
​حاولت تستجمع شجاعتها، وبصتله بتحدٍ طفولي وهي بتضم موبايلها لصدرها:
​”لو سمحت… عديني. وإلا هصوت وألمّ عليك أمن الأوتيل كله!”
​يونس ابتسم ابتسامة باردة مفيهاش أي دفا، ومال براسه لورا وهو بيحط إيديه في جيوب جلابيته الواسعة بكل برود:
​”صوّتي… الجناح ده كله محجوز لـ يونس الهواري، والأمن اللي تحت عاد، بيقبضوا مراتبهم من مجالس إدارتي. يعني صوتك ده مش هيعدي عتبة الأسانسير يا قطة.”
​نور بلعت ريقها، لقت نفسها مفيش قدامها غير حل واحد… الهروب الفوضوي.
حاولت تزق كتفه وتجري من تحت دراعه بسرعة، بس في ثانية واحدة، وبحركة سريعة ومتقنة، إيد يونس القوية كانت لفت حوالين وسطها وضمتها ليه. ظهرها لزق في صدره العريض، وحست بأنفاسه السخنة بتلف رقبتها.
​صوت غضبه المكتوم وهيبته الصعيدية رجعت تسيطر على المكان:
​”على فين بالسرعة دي؟ إحنا لساتنا مخلصناش حديتنا، ولا أصل أهل المحروسة ميعرفوش الأصول؟”
​”سيبني! أنت فاكر نفسك مين؟” صرخت بنبرة مهزوزة وهي بتحاول تفك إيده القوية اللي كانت شبه الكلبشات الحديدية حوالين وسطها.
​يونس لفها بهدوء عشان تبقى وشه في وشها، وبإيده التانية مسك دقنها ورفع راسها عشان تبص في عيونه الكحلية اللي كانت بتلمع تحت إضاءة الممر الخافتة:
​”أنا مين؟ أنا الصعيدي اللي كنتِ لساتك بتمسخري عليه مع صحابك. يونس الهواري… والاسم ده لوحده واعر جوي في مصر كلها، مش بس في الصعيد.”
​الليلة المظلمة
​نور دمعة غصب عنها نزلت من عيونها من كتر التوتر والخوف، وبصوت مرتعش قالت:
​”أنا… أنا مكنتش أصدق… أنا بس كنت متوترة… فيه ناس بيجروا ورايا تحت، أرجوك سيبني أمشي…”
​يونس ملامحه اتحولت فجأة من التسلية للجدية والحدة الصارمة. عيونه نزلت لفستانها القصير المتبهدل، ورجع بص لوشها المخطوف:
​”ناس مين اللي بيجروا وراكي؟ وبنت مين أنتِ أصلاً عشان تدخلي أوتيل يونس الهواري بالطريقة دي؟”
​قبل ما تنطق بكلمة، صوت خطوات رجالة كتيرة وسريعة جاي من السلم الجانبي للأوتيل ملى الممر. نور اتنفضت من الخوف ولزقت في حضن يونس تلقائياً وهي بتمسك في قماش جلابيته بقوة:
​”همّ… همّ دول! أرجوك مخلهومش ياخدوني!”
​يونس ملامحه متهزتش. بصلها وبص للممر اللي بدأ يظهر فيه رجالة ببدل سوداء ملامحهم إجرامية. ضغط على وسطها وقربها منه أكتر وكأنه بيعلن حمايته ليها، وبصوت جهوري هز جدران الممر، اتكلم بلهجته الصعيدية الأمرة:
​”اقف عندك أنت وهو! عتبة جناح الهواري خط أحمر… واللي هيخطيها، هيدفن مكانها!”
حكايات مايا خالد
الرجالة اللي ببدل سوداء وقفوا مكانهم فجأة وكأن جملة يونس كانت جدار خرساني سد طريقهم. ملامحهم المريبة وبنيتهم القوية كانت توحي إنهم مش مجرد حراس أمن عاديين، دول رجالة مدربين على الوساخة.
​واحد منهم، كان باين إنه القائد بتاعهم، خطى خطوة لقدام وعينه على نور اللي كانت مستخبية ورا ضهر يونس، ماسكة في قماش جلابيته بإيدين بتترعش وكأنها بتتعلق بقشاية في وسط طوفان.
​الراجل اتكلم بنبرة جافة وفيها تهديد مبطن:
​”يا باشا، البنت دي تخصنا… دي واخدة حاجة مش بتاعتها وهربت من الحفلة اللي تحت. سلمنا البنت بالذوق ومش عايزين مشاكل مع جناب الهواري.”
​حماية الصقر
​يونس ملامحه متهزتش، عيونه اسودت أكتر، وارتسمت على شفايفه نص ابتسامة باردة ومخيفة. رجع خطوة لورا وهو بيسحب نور معاه لداخل حدود جناحه الملكي، وبصوت هادي بس مرعب زي الهدوء اللي بيسبق العاصفة، قال:
​”تخصكم؟ وعاد من ميتى حريم المحروسة بقوا يتسلموا بالذوق لرجالة غريبة في نص الليل؟”
​نبرة صوته الصعيدية اتحولت لحدة تقطع النفس وهو بيكمل:
​”البنت دخلت حمايتي… وعتبة جناحي دي، اللي يخطاها برجل سارقة، يرجع لبلده من غيرها. فوتونا بالواسطة وغوروا من وشي قبل ما أخلي ليلتكم كحل.”
​قائد الرجالة ملامحه اتشنجت، وإيده راحت تلقائيًا ناحية جيب جاكتته الداخلي عشان يسحب سلا*حه.
​بس يونس كان أسرع بكتير. في ثانية واحدة، يونس سحب مسد*سه الفضي اللي كان مخبيه تحت طيات جلابيته، ووجهه مباشرة لمنتصف جبهة الراجل بسبات وعيون مبرمش منها جفن.
​نور شهقت وغمضت عيونها وهي بتكتم صرختها في كف إيدها.
​يونس اتكلم ببرود مميت:
​”جرب… جرب تطلع اللي في جيبك، وشوف رصاصة الهواري هتوصل لراسك قبل ما صباعك يلمس الزناد ولا لاه.”
​المكان ساد فيه صمت قاتل. الرجالة اللي واقفين ورا قائدها اتراجعوا خطوة، والكل فهم إن يونس الهواري مش راجل صعيدي عادي تقدر تهدده؛ ده وراه عيلة وجيش وسلطة تدفنهم في مكانهم ومحدش يسأل عليهم.
​قائد الرجالة نزل إيده ببطء، وبص لـ يونس بنظرة غيظ مكتومة:
​”تمام يا هواري باشا… هنمشي دلوقت. بس البنت دي وراها ناس تقال جوي، ومش هيرتاحوا إلا لما ياخدوها.”
​يونس نزل سلا*حه ببطء وقال بثقة تزلزل الأرض:
​”خليهم ييجوا… وصاحبك التقيل ده، قوله يونس الهواري بيمسي عليك وبيقولك: الحرمة اللي تدخل جناحي، مب تطلعش منه إلا برضاها… أو على موتي.”
​خلف الأبواب المغلقة
​الرجالة لفت ورجعت من السلم الجانبي بسرعة، ويونس استنى لحد ما صوت خطواتهم اختفى تماماً.
​بمنتهى الهدوء، قفل باب الجناح الضخم بالمفاتيح، ولف وبص لنور اللي كانت واقفة وساندة ضهرها على الباب، بتبصله برعب حقيقي… الرعب المرة دي مكنش من الرجالة اللي برا، الرعب كان من الراجل اللي واقف قدامها بجناحه، الصعيدي اللي لسه منقذ حياتها بس عينيه مليانة غموض وأسرار مريحة زي الليل.
​يونس حط المسد*س على التربيزة اللي جنب الباب، وقلع الشال البيج اللي كان على كتافه ورماه بالإهمال، وبعدين قرب منها بخطوات بطيئة ومنتظمة.
​نور لمت فستانها القصير حوالين نفسها وحست بنبضات قلبها بتتسارع مع كل خطوة بيقربها:
​”أنت… أنت هتعمل فيا إيه؟”
​يونس وقف قدامها مباشرة، ريحته اللي بتجمع بين العود الفخم وريحة رجولية دافية حاصرت حواسها. وطى راسه لمستواها وقال بصوت دافي بس حاد:
​”أنا لسه مخلصتش حسابي معاكي على كلام الأسانسير يا قطة… بس الأول، هتقوليلي بالذوق كدة: سارقة إيه من الرجالة دول؟ ومين أنتِ بالظبط عشان يونس الهواري يوسخ إيده برصاص عشانك؟”
نور حست بإن الأرض بتلف بيها. نظرات يونس الحادة وصوته الدافئ بس الصارم كانوا بيضغطوا على أعصابها التعبانة من الأساس. رجليها مابقيتش قادرة تشيلها، فسندت بكفوف إيديها على الحيطة ودموعها نزلت بصمت.
​يونس لما شاف دموعها وهبوطها المفاجئ، ملامحه القاسية هديت شوية، بس فضل محتفظ ببروده الصعيدي. مد إيده القوية ومسك دراعها بلطف بس بحزم، ومشاها لحد الكنبة الجلد الفخمة اللي في وسط الجناح.
​”اجلسي… واهدي عاد، أنا مباكلش بني آدمين.”
​نور قعدت وهي بتضم رجليها لصدرها وبتترعش، وبصتله بعيون باكيها كحلها سايح:
​”أنا… أنا ماسرقتش حاجة… صدقني.”
​الحقيقة المرة
​يونس وقف قدامها، ربع كتافه العريضة وبصلها بنظرة فاحصة تخترق الروح:
​”والرجالة اللي كانوا هيموتوا عشان ياخدوكي دول، كانوا بيجروا وراكي عشان سواد عيونك؟ حديت كبار ده ميمشيش على يونس الهواري يا بت الناس. قولي الصج (الصح).”
​نور بلعت ريقها وحست إن مفيش مفر من الحقيقة قدام الراجل ده. فتحت شنطتها الصغيرة اللي كانت معلقاها في كتفها بالعافية، وطلعت منها “فلاش ميموري” (Flash Drive) فضي صغير، وإيدها بتترعش:
​”ده… ده عليه كل حاجة.”
​يونس حط عينه على الفلاشة، وبعدين بص لوشها:
​”ده إيه ده كمان؟”
​”أنا صحفية تحقيقات…” نور قالتها بنبرة متقطعة، “كنت بشتغل على تحقيق بقالي شهور عن شبكة تهريب آثار وغسيل أموال كبيرة… والحفلة اللي تحت دي، كانت الستار اللي بيتم فيه الصفقات. أنا قدرت أدخل باسم مستعار، وقدرت أنسخ الملفات دي من كمبيوتر الراجل الكبير بتاعهم… بس كشفوني في آخر لحظة.”
​يونس ملامحه اتصلبت. عيونه الكحلية ضاقت بغضب مكتوم لما سمع سيرة “تهريب الآثار”. في الصعيد، عيلة الهواري معروفة بإنها خط أحمر ضد أي حد يسرق تاريخ البلد أو يتاجر فيه.
​سحب الفلاشة من إيدها ببطء، صوابعه لمست صوابعها الباردة، فحست بكهربا سرت في جسمها. يونس قال بصوت واطي وخطير:
​”وعرفتي مين هو ‘الراجل الكبير’ بتاعهم ده؟”
​نور هزت راسها بخوف:
​”اسمه… اسمه سليم زهران.”
​غضب الصقر
​أول ما نطقت الاسم، يونس ضحك ضحكة مكتومة، بس كانت ضحكة مرعبة خلت شعر جسمها يقف. لف ضهره ليها ومشى خطوات واسعة في الجناح وهو بيمسح على دقنه بعصبية:
​”سليم زهران! يا محاسن الصدف… المحروس واصل لحد هنا وعامل راسه كبير كمان؟”
​نور وقفت بخوف وقربت منه خطوة:
​”أنت… أنت تعرفه؟”
​يونس لف ليها فجأة، وعيونه كانت بتطلع شرار. خطى خطوة سريعة ناحيتها لحد ما بقى بيفصل بينهم سنتيمترات، وبص في عيونها مباشرة:
​”أعرفه؟ ده يبقى ولد عمي… وأكتر واحد واكل حق نسايبه في الصعيد، ويهرب آثار أجدادنا لبرة.”
​نور شهقت ورجعت خطوة لورا بصدمة:
​”أنت… أنت قريبه؟ يعني أنت…”
​قبل ما تكمل كلمتها وتظن إنه ممكن يسلمها ليه، يونس مسك كفوف إيدها الإتنين بقوة وضغط عليهم، وقال بنبرة صعيدية أصيلة تقطع الشك باليقين:
​”أنا يونس الهواري يا بت الناس… يعني لو سليم زهران ده جبل، فأنا الهوا اللي بيهده. عاد الحين، أنتِ بقيتي في حمايتي لسببين…”
​رفع صباعه وشاور على الفلاشة:
​”الأول… إنك معاكي اللي يكسر رقبته وينهي وساخته. والتاني…”
​قرب من وشها وهسس بصوت واطي ومثير هز كيانها:
​”… إنك دخلتي جناحي برجليكي، وعاد يونس الهواري مبيسبش حاجة دخلت أرضه… خصوصاً لو كانت مجنونة وصيدها غالي واعر كيفك.”
يتبع تفااااعل عشان اكملها حصري فقطططط في صفحة روايات مايا خالد على الفيس متااااابعة وتفاعل نار

الصفحة السابقة 1 2

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *