جوزي واخواته

أحمد، وصلح حالك مع ربنا، واعتذر للي أذيتهم، وابدأ حياة جديدة لو عايز، بس حياتي أنا خلاص مش مكانك فيها.
وقتها جت جارتنا أم محمد ومعاها جوزها، وقالت لأحمد
سمعت كلامها يا سيد؟ البنت قالتلك مش عايزاك، ومحدش هيرغمها على حاجة هنا. ارجع من حيث جيت، ومترجعش تضايقها تاني.
أحمد بص لي آخر مرة، وشاف في عيني إن القرار نهائي ومش فيه أي رجعة، فخفض راسه ومشى، ومش عارفة وين راح ولا إيه صار له بعد كده. أنا كنت واقفة لحد ما اختفى من عيني، وحسيت براحة كبيرة جوايا، كأن حمل تقيل كان على كتافي وسقط خلاص.
ست نعيمة حطت إيدها على كتفي وقالت
عملتي صح يا بنتي. الكرامة مش بتتباع ولا بتشترى، واللي بيبيع كرامة غيره، بيبيع كرامته هو كمان قبل أي حد.
هزت راسي وابتسمت، وبصيت للسماء الصافية فوقنا، وشفت الطيور بتطير بحرية من غير قيود، وحسيت إن أنا كمان طلعت من القفص اللي كنت محبوسة فيه سنين طويلة.
مرت الأيام والشهور، ونسيت أحمد تمامًا، ولا فكرت فيه أبدًا. كنت مشغولة بشغلي، وبمساعدة ست نعيمة، وبمساعدة أهل القرية اللي كانوا بيحبوني زي بنتهم. لما ماتت ست نعيمة بعد سنتين من اليوم ده، ورثت بيتها وشغلها، وقررت أكمل مشوارها، وبدأت أعلم بنات القرية كيف يصنعوا المنتجات اللي بنباعها، عشان يكون عندهم مصدر رزق مستقل ويكونوا قادرين يعيشوا بكرامة من غير ما يحتاجوا حد.
كل سنة بيجي ناس جدد للقرية، ومحدش يعرف قصتي ولا يسأل عنها، لأنهم بيعرفوا إن القصة دي ملكي أنا وبس، وإن اللي يهمهم هو إنني إنسانة طيبة بتساعد الغير وبعيش بصدق وأمانة. ولما بيجي سؤال عن الحب أو الجواز، بضحك وأقول إن حبي الوحيد ده حريتي وسلامي النفسي، وإن دي أغلى هدية أقدر أملكها في حياتي.
الناس بتقول إن الصدفة هي اللي خلتني ألقى ست نعيمة، بس أنا عارفة إن ده رزق من ربنا، بيعطيه للي صبروا واتقوا الله في نفسهم ومش بيعتدوا على حد. وكل ما بفتكر يوم ما سابوني في الصحرا، مش بحس بالحزن ولا بالغضب، بحس بالامتنان، لأن ده اليوم اللي خلاني أستيقظ وأعرف قيمة نفسي، وده اليوم اللي بدأت فيه حياتي الحقيقية، اللي ما فيه إلا خير وكرامة وسلام.
وحتى لو عاد بي الزمان ورجعت لنفس الموقف، كنت عملت نفس الشيء مرة تانية ومرة تانية، لأن الكرامة دي روح الإنسان، ولما بتمشي الكرامة، بتمشي كل حاجة معاها. وأنا من النهاردة، كرامتي غالية عليا أكتر من أي حاجة في الدنيا، ومش هسمح لأي حد مهما كان قريب مني، إنه يمسها ولا يقلل منها ولا حتى بنظرة.
في قرية النور، كل بيت بيعرف قصة السيدة اللي جت من بعيد وبقت من أهلهم، وكل أم بتقول لبنتها اتعلمي من ندى، كرامتك أغلى من أي حاجة، ومحدش يستاهل إنك تضحي من أجله بسلامك أو كرامتك. وأنا بسمع الكلام ده وابتسم، لأن ده أجمل إنجاز حققته في حياتي، إني أكون عبرة للغير، وإن أكون عايشة بقلبي نظيف ويدي نظيفة، ومش مديونة لحد ولا حد مديون لي.
ده كان قصتي، من أول يوم سابوني فيه في نص الصحرا، لحد ما وصلت للمكان اللي أنا فيه النهاردة، المكان اللي أنا فيه ملكة نفسي، ومسيطرة على حياتي، وعايشة بالطريقة اللي أنا عايزاها، مش الطريقة اللي غيري بفرضها عليا. وده هو النصر الحقيقي، مش إنك تنتقم من اللي أذاك، لكن إنك تعيش حياة سعيدة ومليانة الخير، وتثبت لهم وللدنيا كلها إنك أقوى من أي أذى، وأقوى من أي ظلم، وإن اللي بيمشي عليك، مش هيمشي أبدًا على كرامتك ولا على قلبك القوي اللي ربنا خلقه صبور ومتسامح ومش بيعرف الانكسار.

الصفحة السابقة 1 2 3

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *