جوزي واخواته

فوق راس أحمد وإخواته. أول ما وصلوا للبيت، افتكروا إنني هاجي وراهم بسرعة أو إنني هاتصل بيهم وأنا زعلانة، بس مر يوم… ويومين… وأسبوع، ولا جيت ولا طلعت لي أي أثر. أحمد أول ما شاف الفيديو اللي صوروه، حس بقلق لأول مرة، وحاول يتصل بي لقى الرقم مقطوع. قال لإخواته خلاص كفاية هزار، لازم نرجع نلاقيها. رجعوا للمكان اللي سابوني فيه، وسألوا أصحاب المحطات القريبة، وسألوا العربيات اللي كانت مارة، ولا حد شافني ولا سمع صوتي.
القلق تحول لخوف، والخوف تحول لذعر. لما قرروا يرفعوا قضية اختفاء، لقوا إن الفيديو اللي كانوا بيعتقدوا إنه هيجيب لهم شهرة، هو السبب في إن الشرطة شكت فيهم من أول يوم. الفيديو كان بيظهرهم وهم بيضحكوا وبيتركوني في مكان مهجور، وكل التعليقات على القناة بتاعتهم كانت بتشتمهم وتقول إنهم قتلة. القناة اتقفلت، والمتابعين هربوا منهم، واللي كانوا بيعرفوهم بدأوا يبتعدوا عنهم كأنهم مرض معدٍ.
أم أحمد كانت بتعيط كل يوم وتقول لولدها كنت قلتلك من الأول إن البنت دي بريئة ومش تستاهل منك كل ده، عملت إيه يا ولدي؟ ربنا ينتقم منك! وأحمد كان عايش في جحيم، كل ليلة بيشوف كوابيس إني بصرخ اسمه وهو مش قادر يرد عليا، وكل صباح بيصحى وبيحس بذنب بيأكل جواه. حاول يبحث في كل مكان، دفع فلوس كتير لليدخلوا، سأل كل واحد ممكن يكون عرف حاجة، بس كأني اختفيت من على وش الأرض تمامًا. وكل ما مر شهر، كان يخسر حاجة جديدة شغله سابوه لأن سمعة الشركة اتأثرت بيه، أصدقائه تركوه، وحتى إخواته بدأوا يلوموه ويقولوا إنه هو السبب في كل اللي حصل لهم.
كان فاكر إنني ميتة، أو إنني وقعت في أيدي ناس آذوني، ومحدش قال له في باله إنني عايشة وبعيش حياة هادئة ومليانة السلام اللي حرمني منه طول سنين جوازنا.
سنتين مرت، واتعلمت من ست نعيمة كتير حاجات تعلمت أفرق بين الأعشاب المفيدة والضارة، تعلمت أخلط البهارات بطريقة بتخلي طعم الأكل يبقى حلو، وتعلمت إن السعادة مش في الفلوس ولا في الشهرة، السعادة في إنك تكن آمن، وقلبك نظيف، ومحدش بيجي عليك كلام ولا إهانة. في السنة التالتة، بدأت أبيع منتجاتي بنفسي وأضيف عليها أشياء بسيطة صنعتها بإيدي أكياس قماش مزخرفة، ومشغولات صغيرة من الخيط، وكنت باخد الفلوس اللي بيجي واحطها في صندوق، وقلت لنفسي ده بداية حياتي الجديدة.
سنة رابعة، جالنا طبيب بيطري كان بيجي للقرى النائية عشان يعالج مواشي الناس، اسمه كريم مش أخو أحمد، كان راجل طيب ومؤدب، كل ما كان بيجي كان بيسأل عني ويقول لي كلام طيب، بس كنت بابتسم وأقول له إنني مش عايزة أفكر في جواز ولا راجل تاني، وبيحترم رغبتي ومش بيلح عليا. الناس كانت بتقول لي إن قلبي لازم يرتاح، وإن اللي حصل ده مش ذنبي، بس أنا كنت عايشة مرتاحة ومحتاجة حد يكمل معايا حياتي، كان عندي ست نعيمة اللي بقت زي أمي، وعندى جيران طيبين، وعندى شغلي اللي بيجيب لي رزقي بكرامة.
سنة خامسة، وصل لقرية النور راجل غريب، كان بيسأل عن ست نعيمة وعن أي سيدة اسمها ندى جت تعيش معاها من خمس سنين. كنت في الحديقة بتاعت البيت لما شفتوه من بعيد، وعرفته من أول نظرة هو أحمد. شكله اتغير كتير، وشعره بقي فيه شويب، ووجهه مليان خطوط التعب والندم، وملابسه كانت قديمة ومش زي ما كان بيلبس زمان. قلبي اتقبض شوية، بس مش من الخوف، من الدهشة، ووقفت مكاني مش عارفة أعمل إيه.
هو شافني ووقف متجمد، عينيه مليانة دموع، وحاول يقول كلام بس مش قادر، وآخر شي نطق بصوت مهزوز
ندى… انتي عايشة؟ كنت فاكر… كنت فاكرك رحتي من زمان.
وقبل ما أرد، سمعت صوت ست نعيمة ورايا وهي قالت بصوت حازم ومليان غضب
ومالها تكونش عايشة يا سيد الراجل؟ ليه تكونش عايشة وهي مظلومة ومش عملت حاجة؟ جيت ليه النهاردة؟ بعد ما خليتها تموت من الخوف والجوع والوحدة؟ جيت تاخد منها إيه تاني؟
أحمد بص لي ولسان حاله بيقول إنه نادم، وقال
أنا آسف يا ندى… آسف بجد. ما كنتش عارف إن الحكاية هتكبر كده، ما كنتش عارف إنك هتختفي كده. تعبت وأنا بدور عليكي، خسرت كل حاجة، ومش عايز غيرك ترجعي معايا. عديني، هنبدأ من جديد، وهعوضك كل اللي فات.
بصت له بهدوء، من غير غضب ولا حزن، وقولت له بصوت واضح ومسموع
يا أحمد، اللي فات مات. أنا مش ندى اللي سبتها في الصحرا زمان، دي ندى جديدة، عرفت تعيش من غيرك، وعرفت إن الكرامة أغلى من أي حاجة في الدنيا. زمان كنت بحبك وكنت مستعدة أضحي كل حاجة عشانك، بس أنت خليتني أكتشف إن حبي لك كان مقابل إهانة ومقابل إنك تشوفني مجرد وسيلة للشهرة. أنا مش عايزة أرجع معاك، ولا عايزة أي تعويض منك. اللي عايزه إني أعيش في سلام، وإنك تسيبني في حالي.
حاول يقول كلام تاني، بس قاطعته
عندك حق في حاجة واحدة اختفائي فعلاً كان أول حجر وقع وهد حياتك. بس ده مش عقاب مني، ده نتيجة أفعالك. اللي بيعمل شر، الشر بيرجع له في الآخر. روح يا

الصفحة السابقة 1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *