صقر الصعيد ل مايا خالد كاملة

صقر الصعيد بقلم مايا خالد
الشمس كانت لسه بتبدأ تلملم خيوطها من فوق غيطان الصعيد، والجو فيه ريحة طمي وزرع ترد الروح. مايا كانت ماشية بفستانها الرقيقة اللي تشبه ملمس الحرير، وشعرها السايب بيلعب مع الهوا. هي جاية مع خالها “الدكتور رفعت” في زيارة عمل قصيرة، بس فضولها خدها إنها تتمشى وتشوف الخضرة اللي عمرها ما شافتها في زحمة القاهرة.
مايا سرحت مع العصافير وصوت الساقية، ومخدتش بالها إنها بدأت تدخل في ممر شجر عالي، آخره بوابة حديد ضخمة كانت مواربة. دخلت بخطوات هشة وهي مبهورة بتصميم القصر اللي ظهر قدامها فجأة.. قصر مهيب، يحسسك إن الزمن وقف عنده.
وهي واقفة بتتأمل نافورة مية قديمة، سمعت صوت رخيم زي رعد مكتوم جاي من وراها:
“إنتي مين يا بت إنتي؟ وإيه اللي جابك هنه عِند أملاك الجارحي؟”
مايا اتنفضت لدرجة إن الشنطة الصغيرة وقعت من إيدها. لفت وشافت راجل واقف زي الجبل، لابس جلابية صعيدي سودة من أفخر أنواع القماش، وعمامة مرسومة بالمللي، وعيونه.. عيونه كانت حادة زي الصقر فعلاً.
مايا (بصوت بيترعش):
أنا.. أنا أسفة جداً، مكنتش أعرف إن ده ملك حد، أنا بس كنت بتمشى و…”
صقر (بخطوات واثقة قرب منها): “تتمشي؟ هو إحنا في جاردن سيتي يا ست الهانم؟ ده قصر صقر الجارحي، اللي بيدخله من غير إذن مبيطلعش منه بالساهل.”
مايا وشها بقى أحمر زي الفراولة من الخوف والكسوف، وعيونها لمعت بالدموع: “أنا والله ضيعت الطريق، خالي دكتور رفعت ومنتظرني..”
مايا رجعت البيت عند خالها وقلبها مش راضي يسكت من كتر الدق، كانت بتبص في المراية وتشوف وشها اللي لسه مخضوض بس فيه لمعة غريبة. أما صقر، فدخل مكتبه ورمى شاله على الكرسي، وقعد وسرح في الفراغ. لأول مرة “صقر الجارحي” اللي بيحكم النجع بكلمة، يشغله طيف بنت مكملتش معاه خمس دقايق. كان حاسس إن ريحة العطر بتاعتها لسه لازقة في كف إيده، ريحة غريبة عن طمي الأرض وعن خشن الصعيد، ريحة كانت بتقوله إن فيه دنيا تانية هو مشافهاش.
تاني يوم الصبح، صقر ملقاش نفسه غير وهو بيلبس أفخم ما عنده، وركب خيله العربي الأصيل واتوجه لبيت الدكتور رفعت. وصل هناك وهيبته كانت سبقااه، الخفر والمساعدين وسعوا له الطريق بتبجيل. دخل الصالون وطلب يقابل الدكتور، وبمجرد ما الدكتور رفعت دخل، صقر قاله بلهجة واثقة بس فيها احترام: “يا دكتور، إحنا جيران وواجب علينا نكرم ضيوفك.. أنا عازمكم النهاردة على عشا يليق بمقامكم في القصر.”
الدكتور رفعت وافق وهو عارف إن عزومة الصقر مبيترفضش فيها طلب. وفي الوقت ده، كانت مايا واقفة ورا الستارة، مراقبة الموقف وهي حاطة إيدها على قلبها. صقر وهو خارج، لمح طيفها من ورا القماش، وقف مكانه لحظة وبص ناحيتها بعيون حادة وابتسامة خفيفة جداً، وكأنه بيقولها “أنا جيت عشانك”.
لما راحت القصر بالليل مع خالها، كانت لابسة فستان بسيط بلون السما، وصقر كان مستنيهم عند البوابة بنفسه، حاجة معملهاش مع أكابر البلد قبل كده. طول القعدة، كانت عينيه مش بتنزل من عليها، وكل ما كانت تتكسف وتنزل راسها، كان بيزيد إعجابه برقتها. فجأة، صقر وجه الكلام ليها مباشرة: “الزرع عجبك النهاردة يا ست البنات؟ ولا لسه خايفة من صقر الجارحي؟”
مايا رفعت عيونها بخجل وقالت بصوت واطي: “الأرض جميلة، بس القوانين هنا صعبة شوية.”
ضحك صقر ضحكة رجولية هزت المكان وقالها: “القوانين أنا اللي بحطها، ولو حابة.. ممكن أغير كل القوانين عشان خاطرك أنتي بس.”
خالها بص لصقر بدهشة، وصقر كمل كلامه وهو باصص لمايا بتحدي: “أنا مش بس هوريكي الزرع، أنا هخليكي تشوفي الصعيد بعيوني أنا.. بس بشرط، تفضلي هنا ومتمشيش واصل.”صقر دخل المكتب مع الدكتور رفعت، وقفل الباب بهدوء مريب. قعد ورا مكتبه الأبنوس وطلع علبة سجائر فاخرة، وبص للدكتور اللي كان بادئ يقلق من نظرات صقر.
”يا دكتور رفعت، إنت مقامك عالي عندي، وأنا عارف إنك بتحب بنت أختك ومصلحتها تهمك.” صقر قال الجملة دي وهو بينفث دخان سيجارته ببطء. الدكتور رد باستغراب: “طبعاً يا صقر بيه، مايا دي بنتي اللي مخفتهاش، عشان كده لازم ترجع لمستقبلها.”
صقر ابتسم ابتسامة خفيفة مهزتش شعرة من هيبته: “مستقبلها هنه، تحت عيني. أنا قررت أفتح مستوصف كبير في النجع، محتاج إدارة وتجهيز، ومين أحسن من دكتور زيك يشرف عليه؟ وبنت أختك تكون جنبك، بدل ما هي لوحديها في مصر وسط الدوشة. أنا بعتُّ للعربية اللي كانت هتنقلكم بكره وبلغتهم إن المشوار اتلغى، وشنطكم هتتنقل للجناح الغربي في القصر هنه.. ضيوف عندي لحد ما نخلص أوراق المستوصف.”
الدكتور رفعت انجم في مكانه، مكنش عارف يعترض ولا يوافق، هيبة صقر وطريقته اللي مفيهاش “لو سمحت” خلته يسكت. في الوقت ده، كانت مايا لسه واقفة في التراس، الهوا بيطير خصلات شعرها، لحد ما شافت صقر خارج من المكتب ورايح ناحيتها بخطوات ثابتة بتهز الأرض.
وقف قدامها، وبص في عيونها اللي لسه فيها أثر الخضة، وقال بنبرة واطية بس حاسمة: “خالك وافق يفضل معانا، والموضوع انتهى. شنطك في القصر، ومن بكره فيه خيال من رجالتي هيمشي وراكي زي ضلك لو فكرتي تطلعي بره البوابة.. مش حبس، بس عشان مفيش حد غريب يتجرأ يبصلك ونظرتي تسبق سيفي عليه.”
مايا وشها جاب ألوان، حست إنها وقعت في شباك عنكبوت من حديد:
إنت بتتحكم فيا ليه كده؟ أنا مش من ممتلكاتك يا صقر بيه!
صقر قرب منها لدرجة إنها حست بأنفاسه، ووطى لمستواها وقال بلهجة صعيدية صرفة طالعة من قلبه: “إنتي من اللحظة اللي دخلتي فيها أرض الجارحي، بقيتي تخصيني. والصعيدي يا بت الناس مبيسيبش اللي يخصه لغيره واصل. إنتي رقيقة زيادة عن اللزوم، ومحتاجة ضهر تتسندي عليه، وأنا ضهري مبيتميلش.”
سابها صقر ودخل القصر، وسابها واقفة تحت ضوء القمر، مش عارفة هل هي في كابوس ولا في حكاية حب أسطورية بتبدأ بفرض سيطرة الصقر. مكنتش عارفة إن الصبح هيجيب مفاجأة تانية خالص، لما تكتشف إن صقر جهز لها حصان أبيض مخصوص عشان يعلمها الفروسية، كأن ده عذره الوحيد عشان يفضل قريب منها.الشمس طلعت وخيوطها بدأت تدفي جنينة القصر الواسعة. مايا صحيت على صوت خبيط خفيف على باب جناحها، فتحت لقت خادمة معاها لبس “فروسية” كامل ومرصوص بعناية، ومعاه ورقة صغيرة مكتوب فيها بخط عريض وحاد: “الخوف مبيليقش بيكي.. استناكي في المربط.”
نزلت مايا وهي حاسة إن رجليها مش شايلاها، وصلت للمربط لقت صقر واقف لابس لبسه الصعيدي بس المرة دي كان لابس “صديري” فوق القميص وماسك لجام حصان أبيض زي التلج، حصان هادي ورقيق يشبهها تماماً. أول ما شافها، عينيه لمعت، بس فضل محافظ على وقاره.
صقر: “تأخرتي ليه؟ الصقر مبيحبش الانتظار واصل.” مايا خالد
مايا (بتحاول تبان قوية): “أنا مقلتش إني عايزة أركب خيل، أنا بخاف منهم جداً.”
صقر قرب منها بخطوات هدوءها يخوف، ومسك إيدها الرقيقة بين إيديه الكبيرة اللي كان ملمسها خشن من أثر الشدة، وحط إيدها على راس الحصان بالراحة.
صقر: “طالما إيديكي في إيدي، مفيش حاجة في الدنيا تقدر تأذيكي، ولا حتى الخيل ده. الحصان بيحس بصاحبه، وإنتي قلبك أبيض وهو كمان.”
رفعها بلمسة واحدة سهلة كأنها ريشة وحطها فوق ظهر الحصان. مايا شهقت وماسكت في رقبة الحصان بخوف، فجأة لقت صقر نط وراها على نفس الحصان! حست بضهره الساند لضهرها، وبإيديه اللي حاوطتها عشان يمسك اللجام، بقى كأنه محاوطها من كل جهة.
مايا (بهمس ولخبطة): “صقر.. إنت بتعمل إيه؟”
صقر (صوته كان قريب من ودنها جداً): “بثبتك عشان متقعيش. وعشان تعرفي إن أي خطوة هتخطيها في بلدي، هكون وراكي ومعاكي. سِيبي روحك للهوا، أنا اللي سايق.”
بدأ الحصان يتحرك ببطء وسط الغيطان، والهوا كان بيطير شعر مايا اللي كان بيجي على وش صقر. هو كان بيستنشق ريحته بتمهل، وهي كانت حاسة بدفا غريب رغم خوفها. وفجأة، وسط السكوت ده، صقر قال كلمة خلت جسمها كله يقشعر:
”عارفة يا مايا.. الأرض دي كلها كانت ناقصاها ضحكة منك عشان تنور. القاهرة مش هترجعي لها تاني، واليوم اللي هتحاولي تبعدي فيه، ههد الدنيا وأبنيها تاني حواليكي عشان تفضلي قدام عيني.”
مايا لفت وشها نص لفة بصتله: “دي أنانية يا صقر.. إنت بتتحكم في حياتي.”
صقر بصلها بعيون صقر بجد، وسوداوية عينه كانت مرعبة وجذابة في نفس الوقت: “سميها أنانية، سميها عشق صعيدي مبيعرفش التفاهم.. المهم إنك هنه، واليوم اللي هتمشي فيه، روحي هتطلع وراكي، وأنا مش مستغني عن روحي لسه.”
في اللحظة دي، الحصان سرع شوية، فمايا اترمت في حضنه غصب عنها، صقر شدد قبضته عليها وابتسم ابتسامة نصر، وكأنه خلاص ملك العالم كله في اللحظة دي.لما رجعوا القصر، كانت الشمس بدأت تتعامد في نص السما، ومايا وشها كان مورّد من أثر الهوا والمشاعر المتلخبطة اللي عاشتها فوق الحصان. صقر نزل الأول ببراعة، ومد إيده ليها وشالها نزلها الأرض، بس فضلت عينه مثبتة في عينها لحظات أطول من اللازم، لحد ما قطع اللحظة دي صوت عالي جاي من وراهم:
”يا هلا بيك يا ولد عمي.. إيه النور اللي هلّ على قصر الجارحي ده؟”
كان “حمدان”، ابن عم صقر، شاب متهور ومعروف عنه إنه عينه فارغة، وكان داخل القصر ومعاه مجموعة من الرجالة. حمدان أول ما شاف مايا، عينيه برقت وبدأ يتفحصها من فوق لتحت بجرأة ضايقت مايا جداً وخليتها تستخبى ورا ضهر صقر لا إرادياً.
حمدان (بابتسامة سمجة): “مش تعرفنا يا صقر.. مين القشطة اللي نورت الصعيد دي؟ دي ضيفة ولا الغزال الجديد اللي صقر اصطاده؟”
في ثانية واحدة، الجو اتغير تماماً. ملامح صقر اللي كانت هادية قلبت لغضب مرعب، وعروق إيده برزت وهو بيشد مايا وراه أكتر، كأنه بيحميها من نظرات حمدان.
صقر (بصوت زي فحيح الأفعى): “حمدان! لسانك ده لو مطولش غير باللي يخصك، هقطعهولك وأرميه للكلاب. دي تبقى ضيفة في داري، وكلمة “قشطة” و “غزال” دي متتقالش هنه واصل.. فاهم ولا أفهمك بطريقتي؟”
حمدان حس بالخطر، بس حاول يبين إنه بيهزر: “يا واكلنا يا صقر، إحنا بس بنرحب بالضيوف..” وقرب خطوة ناحية مايا وقال: “أهلاً بيكي يا ست البنات، نورتي الصعيد و…”
وقبل ما يكمل الجملة، صقر كان قدامه بلمح البصر، ومسكه من غطاء راسه (اللاوية) وشده عليه بقوة خلت حمدان يشرق:
“رجلك متمشيش في حتة هي ماشية فيها، وعينك دي لو اترفت ناحيتها مرة تانية، هطفيها بإيدي. مايا تخص صقر الجارحي، والكلمة دي تروح تبلغ بيها النجع كله.. اللي يفكر يرمي سلام بس عليها، يكتب وصيته.”
زق حمدان بقوة لدرجة إنه رجع لورا خطوات، وبص للغفر وقالهم بصوت زلزل المكان: “من النهاردة، الست مايا متتحركش خطوة بره الجناح غير ومعاها حراسة مشددة، وملمحش راجل غريب، حتى لو من دمي، يقرب من طريقها.. مفهوم؟”
مايا كانت واقفة مرعوبة من كمية الغضب والتحكم دي، وصقر لف ليها، وعيونه كانت لسه شرار، بس صوته هدي شوية وهو بيكلمها:
“اطلعي على جناحك يا مايا، ومشوفكيش واقفة في بلكونة ولا برا القصر طول ما حمدان ورجالته هنه. أنا مش عايز حد يشوف خيالك حتى.”
مايا ردت بتمرد بسيط: “إنت بتتحكم فيا كأني سجين عندك! ده ابن عمك، وأنا مش بخاف..”
صقر قاطعها وهو بيمسك دراعها برفق بس بحزم: “أنا مش بخاف عليكي منيهم، أنا بخاف عليا أنا.. عشان لو حد مس شعرة منك، أنا هحرق النجع باللي فيه، ومش عايز يجي اليوم اللي أكون فيه ظالم بسببك. اطلعي فوق!”
طلعت مايا وهي بتجري على فوق، وصقر فضل واقف مكانه، وعينيه مراقبة حمدان وهو ماشي، والحقد بياكل قلبه، لأنه عارف إن جمال مايا الرقيق هيكون هو الفتنة اللي هتشعل الصعيد كله.الليل دخل وسكون الصعيد غطى القصر، بس جوا قلب مايا كان فيه بركان. كانت قاعدة في جناحها، قافلة على نفسها وبتبص من الشباك على ضوء القمر اللي عكس على مية النيل. كانت حاسة بمشاعر متلخبطة؛ خوف من تحكم صقر، وفي نفس الوقت شعور غريب بالأمان إنه مستعد يهد الدنيا عشان يحميها.
فجأة، سمعت خبط هادي ومنتظم على الباب. قلبه دق، هي عارفة الخبطة دي كويس. فتحت الباب لقت صقر واقف، بس المرة دي مكنش لابس الجلابية الرسمية، كان لابس قميص أسود بسيط، وملامحه كانت هادية، والشرار اللي كان في عينيه الصبح اختفى وحل مكانه حزن خفي.
صقر دخل بهدوء من غير ما يستأذن، ووقف قدامها وسكت لحظة، وبعدين طلع من جيبه علبة قطيفة صغيرة وفتحها. كان فيها “كردان” صعيدي من الذهب الخالص، بس بتصميم رقيق جداً يشبه الورد.
صقر (بصوت هادي ورخيم): “لسه زعلانة؟”
مايا (لفت وشها الناحية تانية): “إنت هزأتني قدام الناس يا صقر، وحبستني كأني عملت جري..مة. أنا مش متعودة على الطريقة دي.”
صقر قرب منها، وبإيده حرك وشها ناحيته بالراحة خالص، وقالها وعينيه في عينيها:
“أنا مبعرفش أزوق الكلام يا مايا. أنا ولد الجارحي، شبت وكبرت على إن اللي يخصني ملمحش خياله حد غيري. صرختي فيكي الصبح مكنتش قلة قيمة ليكي، دي كانت نار قايدة جوايا لما شفت عيون “حمدان” بتنهش فيكي. إنتي رقيقة يا مايا، والصعيد ده ملوش أمان للرقة اللي زيك.”
مايا (بصوت مهزوز): “بس إنت خنقتني.. أنا حاسة إني في سجن دهب.”
صقر (ابتسم بوجع ولبسها الكردان): “لو ده سجن، فأنادي السجان بتاعه اللي روحه في إيديكي. الكردان ده تلبسيه وميقلعش من رقبتك واصل.. ده علامة إنك في حماية الصقر، عشان لو حد فكر يقربلك، يعرف إنه بيلاعب الموت.”
في اللحظة دي، ملمس إيده وهو بيقفل الكردان ورا رقبتها خلى جسمها كله يتنفض. صقر فضل مقرب منها وهمس:
“أنا مجهرلك مفاجأة بكره.. هخرجك بره القصر، بس لمكان مفيش فيه غيري أنا وإنتي وبس. هوريكي “جزيرة الصقر”، مكان محدش بيدخله غيري، وهناك هتعرفي ليه أنا متمسك بيكي كأنك طوق النجاة ليا.”
مايا بصت في عينيه ولقت فيهم نظرة حب حقيقي مغلفة بقسوة الصعيد، مكنتش عارفة ترفض ولا توافق، بس سكتت، والسكوت في الصعيد علامة الرضا.
لكن بعيد عن جو الرومانسية ده، في بيت قديم على طرف النجع، كان حمدان قاعد مع رجالة غريبة عنه، وعيونه بتلمع بالشر وهو بيقول:
“صقر الجارحي فاكر إنه ملك الدنيا.. بس البنت اللي جاي يحامي عنها دي هي اللي هتكون كسرته. لو مش هتكون ليا، مش هتكون لصقر واصل، والنجع كله هيقوم عليه بكره.”تاني يوم الصبح، قبل ما النجع كله يصحى، صقر خد مايا في مركب صغير “فلوكة” في قلب النيل. الجو كان لسه فيه نسمة الفجر الباردة، وصقر هو اللي كان بيجدف بقوة وعضلاته باينة من تحت قميصه، وعينه مش بتسيب عين مايا اللي كانت قاعدة قدامه ولابسة شال حرير عشان يدفيها.
وصلوا لجزيرة صغيرة في وسط النيل، كلها نخل عالي وشجر فاكهة، وصوت المية حواليها بيحسسك إنك في جنة معزولة عن العالم. صقر نزل من المركب ومد إيده لمايا وشالها لحد ما وصلوا لأرض الجزيرة.
صقر (وهو بيبص حواليه بفخر): “الجزيرة دي محدش بيعتبها غيري.. هنه بصفي ذهني، وهنه مفيش قوانين ولا ناس ولا عيون تراقبنا. هنه إنتي “مايا” وأنا “صقر” وبس.”
مايا كانت مبهورة بالجمال والهدوء، حست إنها لأول مرة بتتنفس من غير خوف: “المكان هنا يجنن يا صقر.. ليه مش بتوري الجمال ده للناس؟”
صقر (قرب منها لدرجة إنها حست بدفاه): “عشان الحاجة الغالية متتشافش كتير.. زي جمالك كده، لو الناس شافته كله، هيموتوني من الغيرة عليكي.”ماياخالد
قعدوا تحت نخلة كبيرة، وصقر طلع أكل بسيط وشربوا شاي معمول على الفحم. في اللحظة دي، مايا بدأت تحس إن الراجل “الناشف” ده جواه قلب طفل بيحب بصدق. مالت براسها على كتفه بتلقائية، وصقر جسمه اتشد في الأول من المفاجأة، وبعدين استسلم ولف دراعه حواليها وسحبها لحضنه، كأنه بيضم أغلى ثروة يملكها.
بس “حمدان” مسبش اللحظة دي تعدي بسلام..
حمدان كان مراقبهم من بعيد بمركب تاني مستخبي بين البوص. هو عارف إن صقر في الجزيرة بيكون من غير حراسة، ودي الفرصة اللي كان مستنيها. حمدان ومعاه تلاتة من رجالته المسلحين، بدأوا يقربوا من الجزيرة من الناحية التانية بهدوء.
وفجأة، وسط اللحظة الرومانسية، صقر ودنه لقطت صوت تكسير خشب ناشف بعيد شوية. عيونه اتحولت في ثانية لصقر بجد، وسحب “الطبنجة” بتاعته من ضهره وبص لمايا بحدة:
“مايا.. ادخلي ورا الجميزة الكبيرة دي وماتتحركيش واصل مهما حصل.. فاهمة؟”
مايا وشها بقى أبيض زي الورق: “فيه إيه يا صقر؟”
صقر (بصوت يرعب): “نفذي اللي قلت عليه وبسرعة!”
مايا استخبت وهي بتترعش، وصقر بدأ يتحرك بخفة بين الشجر. وفجأة، طلقة رصاص دوت في المكان وكسرت هدوء الجزيرة. صقر رمى نفسه ورا نخلة وبدأ يبادلهم الضرب ببراعة، وهو بيصرخ فيهم:
“يا واكلين ناسكم! بتغدروا بصقر الجارحي في أرضه؟ والله ما هسيب فيكم نَفَس يطلع!”
حمدان ظهر من ورا شجرة وهو بيضحك بشر: “خلاص يا صقر.. النهاردة نهايتك، والبنت دي هتاجي معايا بمزاجها أو غصب عنها!”
صقر أول ما سمع سيرة مايا، فقد أعصابه تماماً. طلع من ورا النخلة وهو بيضرب نار بدقة، أصاب واحد من رجالة حمدان في كتفه، وبدأ يقرب منهم وهو مش خايف من الرصاص اللي بيطير حواليه.
في الوقت ده، مايا مكنتش قادرة تقعد مكانها، طلعت رأسها وشافت حمدان وهو بيصوب ناحية صقر وهو مش واخد باله. صرخت بكل قوتها: “صقرررر! حاسب يا صقر!”
صقر لمح حمدان، ورمى نفسه في الأرض، والطلقة جات في كتفه هو بس إصابة سطحية. صقر قام زي الأسد الجريح، وهجم على حمدان قبل ما يعمر سلا..حه تاني، ونزل فيه ضرب بإيده لدرجة إن حمدان وقع سايح في دمه.
صقر ساب حمدان وهو بينازع، وجري على مايا اللي كانت بتعيط ومنهارة. مسكها بإيده اللي فيها دم وحضنها بقوة:
“خلاص يا مايا.. خلاص يا جلب صقر.. أنا بخير، مفيش حاجة واصل.”
مايا كانت بتمسح دمه بطرف شالها وهي بتقول: “إنت اتعورت بسببي.. أنا السبب في كل ده.”
صقر بص في عينيها وقالها بلهجة فيها عشق وتملك مش طبيعي:
“الدم ده فدا نظرة من عيونك.. واليوم اللي حد يفكّر بس يلمس شعرة منك، هيكون آخر يوم في عمره. إنتي بقيتي قدري يا مايا، ومحدش بيهرب من قدره.”
صقر خدها ورجعوا القصر، بس المرة دي مايا مكنتش مجبورة.. المرة دي كانت هي اللي ماسكة في إيده بقوة، وكأنها أخيراً لقت “الضهر” اللي كانت بتدور عليه.صقر رجع القصر وهو شايل مايا بين إيديه، مش لضعف منها، لكن لأنه مكنش قادر يسيبها تبعد عنه سنتيمتر واحد بعد اللي حصل. دخل بهيبته المعتادة والدم لسه ملوث قميصه، صرخ في الغفر: “اقفلوا الأبواب واقطعوا الرجل اللي تعتب القصر! وحمدان يترمي في المخزن لحد ما أشوف هقطع رقبته كيف!”
الدكتور رفعت جرى عليهم وهو مرعوب، وصقر طمنه بكلمتين ناشفين وهو داخل جناحه: “بنت أختك في حمايتي يا دكتور، الجرح اللي في كتفي ده تمنه غالي قوي، وهتحاسب عليه مع الكل.”
جوه الجناح، مايا كانت بتترعش، مش بس من الخوف، لكن من شكل صقر وهو غرقان في دمه وقسوته. جابت علبة الإسعافات وقربت منه ببطء، وصقر قعد على الكرسي وفك زراير قميصه بهدوء يحسد عليه.ماياخالد
مايا (بإيد بتترعش وصوت باكي): “لازم أنضف الجرح.. إنت كنت هتموت عشاني.”
صقر (بص لها نظرة طويلة وهادية): “الموت في سبيل حاجة تخصني شرف يا مايا.. هاتي يدك.”
مسك إيدها وحطها على قلبه اللي كان بيدق بقوة: “شايفة ده؟ ده اللي كان هيقف لو حد لمسك. نظفي الجرح يا ست البنات ولا تخافيش، وجع السلا..ح أهون بكتير من وجع إني أشوفك خايفة مني.”
مايا بدأت تداوي جرحه برقة متناهية، وكل ما كانت بتلمس جلده، صقر كان بيغمض عينيه وبيكتم وجعه عشان ميخوفهاش. الرقة اللي فيها بدأت تدوب جبال الجليد اللي حوالين قلبه. لما خلصت، صقر مسك إيدها وباس باطن كفها بتقدير غريب على طبعه.
صقر: “من بكرة، النجع كله هيعرف إنك “حرم صقر الجارحي”. مفيش سفر يا مايا.. مفيش خروج من هنه غير وأنا في يدك وقبري في يدك التانية.”
مايا (باعتراض رقيق): “صقر، إنت لسه بتتحكم.. إنت مسألتنيش!”
صقر (قام وقف وحاوط وسطها بإيده السليمة): “سألت قلبي وقالي إنك ليا. وسألت عينيكي وانتي بتمسحي دمي وقالتلي إنك خايفة عليا. الصعيد ميعرفش الأسئلة الكتير يا مايا.. الصعيد يعرف إن اللي القلب يعشقه، اليد م تسيبهوش واصل.”
في اللحظة دي، دخل “عواد” الغفير الكبير وهو مكسوف: “يا صقر بيه، كبارات البلد وحكماء النجع بره، وعايزين يتدخلوا عشان خاطر حمدان.. بيقولوا دمه من دمك.”
صقر وشه قلب خشب، وصوته بقى زي ضرب النار: “دمه من دمي؟ اللي يغدر بالصقر في أرضه ويخوف ضيفته ملهوش دم عندي! قولهم صقر الجارحي بيقولكم: “العفو عند المقدرة.. وأنا مش قادر أعفو عن اللي فكر يلمس وردة قصر الجارحي”.”
بص لمايا وقالها بلهجة لا تقبل الجدل: “البسي أغلى فستان عندك، وانزلي جنبي.. عايزهم يشوفوا اللي صقر الجارحي هيحرق النجع عشانها، عشان مفيش كلب يفكر يعيد الكرّة تاني.”
نزلت مايا جنبه، وكانت زي الملاك وسط الرجالة اللي وشوشهم غاضبة. صقر وقف قدامهم والطلقة لسه معلمة في كتفه، وقال بكلمة واحدة هزت القاعة: “حمدان هيترحل من النجع ده قبل شروق الشمس، ولو رجله عتبت حدودنا تاني، ملوش عندي غير الرصاص. والست دي.. من النهاردة هي كبيرة القصر ده، وكلامها من كلامي.”
الكل سكت وبصوا في الأرض هيبةً للصقر. مايا بصت لصقر ولقت في عينيه نظرة انتصار، بس المرة دي كانت حاسة إن سيطرته دي هي أكبر دليل على حبه المجنون ليها.مرت الأيام، وقصر الجارحي اللي كان طول عمره عبارة عن حصن للمؤامرات وكلام الرجال الناشف، بدأت تدب فيه روح جديدة. مايا بلمستها الرقيقة بدأت تغير كل حاجة؛ الستاير السودة الثقيلة اتشالت واتحط مكانها شيفون أبيض بيدخل ضوء الشمس، والجنينة اللي كانت مجرد شجر عالي ومخيف، بقت مليانة ورد وألوان بتبهج العين.
صقر كان بيراقب التغييرات دي وهو مبهور، وكأنه كان عايش في ضلمة ومايا هي اللي نورت حياته. في يوم، كان صقر قاعد في الساحة الكبيرة مع كبار النجع بيحلوا مشكلة كبيرة على قطعة أرض، والكل كان صوته عالي والتوتر مالي المكان.
فجأة، مايا دخلت الساحة وهي شايلة صينية صغيرة عليها قهوة وقطعة حلويات “بسبوسة” هي اللي عاملاها بإيدها. الرجالة كلهم سكتوا ووطوا راسهم احتراماً، وصقر نفسه وقف واستغرب وجودها وسط “مجلس الرجال”.
صقر (بهمس حاد): “إيه اللي جابك هنه يا مايا؟ إحنا في وسط شغل وجد.”
مايا (بابتسامة ساحرة وثبات): “قلت أكيد القعدة الطويلة دي محتاجة حاجة تحليها.. وبعدين السكر بيخلي القلوب أهدى، ولا إيه يا صقر؟”
صقر بص في عيونها، ولقى فيها تحدي رقيق. خد منها القهوة، ودوق البسبوسة قدامهم، وفجأة.. صقر الجارحي اللي الكل بيخاف من تكشيرته، ضحك ضحكة عالية وصافية هزت أرجاء القاعة.ماياخالد
الرجالة بصوا لبعض بذهول، أول مرة يشوفوا كبيرهم بيضحك بالخفة دي. صقر بص لخصمه في القعدة وقال: “خلاص يا هريدي.. كل بسبوسة الست مايا واعتبر الأرض دي هدية مني ليك بمناسبة القهوة دي. مش عايز أشوف نكد في يوم مرتي منورة فيه الدار.”
هريدي والرجالة مشيوا وهما بيدعوا لصقر ومراته، ومايا فضلت واقفة بتبص لصقر بفرحة. صقر قرب منها، وحاوط وسطها بإيديه قدام الغفر اللي كانوا واقفين، وقالها بصوت واطي:
“عملتي إيه في الصقر يا بت الناس؟ خليتي الرجالة تقول إن صقر الجارحي بقى يلين بكلمة من ست البنات.”
مايا (بدلع): “ومين قال إن اللين ضعف؟ إنت أسد، والأسد مبيخافش من رقة الوردة.”
صقر (بص لها بعشق): “أنا مش بخاف من الوردة، أنا بخاف عليها. مايا، أنا جهزت لك مفاجأة.. بكرة هننزل مصر سوا.”
مايا برقت عينيها: “بجد؟ يعني هتخليني أرجع؟”
صقر (ابتسم بوقار): “هترجعي عشان تلمي شنطك وتصفي كل حاجة ليكي هناك، وتجيبي ورق دراستك عشان تحوليها هنه في الصعيد. أنا مش هسيبك تمشي يا مايا، بس ميرضينيش إنك تحسي إنك مقطوعة من شجرة. هروح معاكي، وأقف قدام الدنيا كلها وأقول إنك بقيتي “جزء من صقر الجارحي”، واللي يفكّر يبصلك هناك، حراسي هيعرفوا مقامهم إيه.”
مايا رمت نفسها في حضنه من الفرحة، وصقر غمض عينيه وهو بيشم ريحة شعرها، وحس إن التحكم اللي كان بيعمله في الأول كان مجرد خوف من فقدانها، لكن دلوقتي هو واثق إنها مش هتقدر تعيش من غيره، زي ما هو خلاص مبقاش له حياة بعيد عن رقتها.
صقر همس في ودنها: “من اللحظة دي، إنتي اللي هتتحكمي في صقر وفي القصر وفي النجع كله.. بس بشرط واحد.”
مايا: “إيه هو؟”
صقر: “تفضلي تضحكي.. عشان ضحكتك هي اللي بتخليني أحس إني لسه حي.”
دي كانت نهاية الحكاية اللي بدأت بخوف وانتهت بعشق صعيدي ملوش حدود. بقلم مايا خالد.
سافر صقر ومايا للقاهرة في موكب مهيب يليق بـ “كبير الجارحي”. صقر كان لابس بدلة سوداء كلاسيكية، بس لسه محافظ على هيبته ونظرة عينه اللي تخلي أي حد يوسع له الطريق. مايا كانت حاسة بزهو غريب وهي ماشية جنبه، حاسة إنها متمسكة بجبل مبيتهزش.
وصلوا شقة مايا في حي راقي، وصقر كان باصص للمكان بضيق، وكأنه مش متخيل إزاي الوردة بتاعته كانت عايشة في الزحمة والدوشة دي بعيد عن براح الصعيد.
صقر (وهو بيبص من البلكونة على الشارع): “إنتي كنتي بتنفسي إيه هنه يا مايا؟ دي بلاد مفيهاش روح، كأن الناس فيها في سباق مع الهوا.”
مايا (بضحكة رقيقة): “دي القاهرة يا صقر، حياتي ودراستي وأصحابي هنا.”
بمجرد ما قالت “أصحابي”، ملامح صقر اتغيرت والغيرة الصعيدية بدأت تطلع على وشه. وفجأة، جرس الباب رن، وكان واحد من زمايل مايا في الجامعة، شاب اسمه “شريف”، عرف إنها رجعت وجاي يطمن عليها.
دخل شريف وبمجرد ما شاف صقر واقف ب طوله وهيبته، اتخض ورجع خطوة لورا. مايا حاولت تلطف الجو وقالت: “أهلاً يا شريف، ده صقر الجارحي.. زوجي.”
كلمة “زوجي” نزلت على ودن صقر زي الشهد، بس وجود شريف ونظراته المندهشة لمايا مكنتش عاجباه. شريف مد إيده يسلم على صقر: “أهلاً بيك يا فندم، مكنتش أعرف إن مايا اتجوزت في الصعيد بالسرعة دي!”
صقر محطش إيده في إيد شريف، وفضل باصص له بجمود: “السرعة دي في القلوب يا أستاذ، وعندنا في الصعيد اللي بنعوزه بناخده في وقتها. ومايا مش بس اتجوزت، دي بقت ست قصر الجارحي، يعني خيالها مبقاش مسموح لحد يلمحه.”ماياخالد
شريف حس بإحراج كبير وانسحب بسرعة، وصقر لف لمايا وعيونه فيها عتاب وغيرة: “هو ده اللي كنتي خايفة تخسريه؟ عيال لابسة ملون وكلامهم ملوش طعم؟”
مايا قربت منه وحطت إيدها على كتفه: “صقر، أنا خلاص سيبت كل ده ورايا. أنا بس حبيت أودع حياتي القديمة عشان أبدأ معاك حياتي الجديدة بقلب صافي.”
صقر سحبها لحضنه وقال بصوت واطي: “أنا مش بس هخليكي تبدأي حياة جديدة، أنا هبني لك دنيا مفيش فيها غيرنا. دراستك هتكمل هنه، وكل اللي كنتي بتحلمي بيه في مصر، هحققهولك في الصعيد بكلمة مني.”
يوم السفر للرجوع، صقر فاجأ مايا إنه اشترى الأرض اللي جنب قصر خالها في الصعيد، وقرر يبني عليها مستشفى كبير باسمها “مستشفى مايا الجارحي” عشان تكون هي المديرة بتاعته وتخدم أهل النجع.
وهما راجعين في العربية، مايا كانت ساندة راسها على كتفه، وبتبص للخضرة اللي بدأت تظهر أول ما دخلوا حدود الصعيد. صقر باس راسها وهمس لها:
“نورتي مملكتك يا مايا.. هنه محدش هيقدر يزعلك، وهنه الصقر هيفضل ساجي (ساقي) أرضه من عشقك لحد آخر يوم في عمره.”
مايا غمضت عينيها وهي مرتاحة، وعرفت إن الصعيد بقسوته وجبروته، بقى هو المكان الوحيد اللي لقت فيه نفسها، لأنها لقت فيه “صقر” اللي عرف يروض قلبها بالحب قبل التحكم
يوم افتتاح المستشفى كان عيد في النجع كله، الزينة متعلقة في كل شارع، والدبايح بتتدبح وتتوزع على الغلابة بليل ونهار. القصر كان مفتوح للكل، وصقر الجارحي واقف بعبايته المهيبة يرحب بالناس، بس عينه كانت كل شوية تهرب وتطلع لفووق، لمكان ما “مايا” بتلبس عشان تظهر معاه في أهم لحظة.
مايا نزلت وهي لابسة فستان محتشم وفوقه عباية صعيدي مطرزة بخيوط الدهب، كانت طالعة زي الملكة المتوجة. أول ما شافها صقر، ساب كبار النجع ومشي ناحيتها، ومسك إيدها قدام الكل وباسها بكل فخر.
صقر (بصوت مسموع للكل): “النهاردة مش بس بنفتح مستشفى لخدمة أهلنا، النهاردة بنثبت إن قصر الجارحي بقى له قلب بيدق بالرحمة.. والقلب ده هو الست مايا.”
مايا كانت دموع الفرحة في عينيها وهي شايفة اسمها “مايا الجارحي” محفور بالرخام على واجهة المستشفى. قصوا الشريط سوا وسط زغاريط الستات وضرب النار “البارود” ترحيباً بالحدث الكبير.
وهما بيتمشوا جوه المستشفى، صقر كان بيشرح لها إن كل جهاز وكل ركن هنا كان تحت إشرافه الشخصي عشان تكون مرتاحة وهي بتمارس مهنتها اللي بتحبها. وفجأة، وهما في مكتبها الجديد، مايا وقفت وبصت له بامتنان وقالت:
مايا: “أنا كنت فاكرة في الأول إنك جاي تكسرني يا صقر، بس اكتشفت إنك كنت بتبنيني من جديد.”
صقر (ابتسم بوقار وقرب منها): “الصقر مبيكسرش جناحه يا مايا، الصقر بيحمي جناحه عشان يطير بيه لفوق. إنتي علمتيني إن القوة مش بس بالدراع والكلمة الناشفة، القوة الحقيقية في الاحتواء.”
قعدوا في المكتب اللي بيبص على النيل، والشمس كانت بتغرب. صقر طلع مفتاح دهب صغير وحطه في إيدها:
“ده مفتاح الخزنة الخاصة في القصر.. مفيش حاجة هنه مملك ليكي، من أصغر نخلة في النجع لحد قلبي اللي دق ليكي من أول نظرة في الغيطان.”
مايا: “يعني خلاص مفيش تحكم تاني؟”
صقر (بضحكة رجولية): “هتحكم فيكي بالحب، وهتتحكمي فيا بالدلع.. والظاهر إنك إنتي اللي كسبتي في الآخر يا “وردة الجارحي”.”
ومع صوت آذان المغرب، استندت مايا على كتفه وهي شايفة حلمها بيتحقق في أرض هي أصلاً مكنتش تتخيل تسكن فيها، وصقر كان بيبص لها وهو عارف إن “صقر الجارحي” ملقاش أمانه غير في رقة البنت اللي تاهت ودخلت قصره صدفة.
تمت القصة. بقلم مايا خالد





