كانت الغربة بالنسبة لفارس لم تكن مجرد سفر، بل كانت معركة يخوضها بمفرده في برد ألمانيا القارس من أجل تأمين مستقبل زوجته يارا وطفلتهما المنتظرة. تزوج فارس من يارا بعد قصة حب هادئة، كانت يارا فتاة يتيمة الأبوين، لم يكن لها في الدنيا سوى فارس، ورغم أن عائلتهأمه نادية، وأخته مي، وزوج أختها شريفأظهروا قبولًا باردًا لها في البداية، إلا أن فارس كان يظن أن قدوم الطفلة الجديدة سيذيب الجليد ويقرب القلوب. عندما جاءته فرصة العمل في مصنع السيارات في ألمانيا لعقد مؤقت مدته أربعة أشهر براتب ممتاز، تردد كثيرًا في قبولها، خاصة وأن موعد ولادة يارا كان يقترب. لكن يارا، بقلبها النقي، شجعته قائلة سافر يا فارس، هذا مستقبل ابنتنا، وأنا سأكون بخير. ولأن أمه نادية كانت دائمًا تظهر بمظهر المرأة الطيبة أمام ابنهما الوحيد، فقد أمسكت يده قبل سفره وقالت له وعيناها تفيضان بدموع مصطنعة سافر يا بني وأنت مطمئن.. يارا ابنتي، وسأرعاها في غيابك كأنها قطعة مني، ولن أتركها لحظة واحدة بعد عمليتها القيصرية. وعودٌ رنانة أطلقتها الأخت مي، وتأكيدات من زوجها شريف بأنه سيكون في خدمتهم كل يوم. سافر فارس وفي قلبه غصة، لكنه كان يعوض ذلك بإرسال مبالغ طائلة شهريًا، تاركًا لأمه بطاقة ائتمانية إضافية مخصصة لحالات الطوارئ، ومحولًا أموالًا مخصصة بالكامل لشراء أفخر أنواع اللحوم، الفواكه، المكملات الغذائية ليارا، وحليب الأطفال وكل ما يمكن أن تحتاجه زوجته بعد الولادة. طوال أربعة أشهر، كان فارس يعيش على مكالمات الفيديو القصيرة. كانت يارا دائمًا تبدو متعبة، وشاحبة، لكن عندما كان يسألها، كانت تبتسم وتتحامل على نفسها قائلة أنا بخير، لا تقلق، طفلتنا ليان بخير.. ركز في عملك. ولم يكن يعلم أن خلف تلك الابتسامة الشاحبة كانت هناك فصول من العڈاب والابتزاز النفسي تُمارس ضدها. كانت أمه نادية تأتي إلى البيت ليس لتساعدها، بل لتأخذ الأموال التي يرسلها فارس بحجة أنها تشتري بها المستلزمات، لكنها في الحقيقة كانت تكتنزها هي وابنتها مي لشراء الذهب والملابس الفاخرة. ومع اقتراب نهاية مدة عمله، كان من المفترض أن يعود فارس في الخامس من يناير. لكن الشوق لزوجته وطفلته التي لم يرها سوى عبر شاشة الموبايل، وال رغبة في إنهاء الغربة مبكرًا، جعلاه يبذل قصارى جهده لإنهاء التزاماته في المصنع قبل الوقت المحدد. وفي عصر يوم الحادي والثلاثين من ديسمبر، نجح في تعديل رحلته ليطير عائدًا إلى أمريكا، هابطًا في المطار وهو يحمل في قلبه بهجة العيد والدفء العائلي، محملًا بالحقائب المليئة بالهدايا عقد ذهبي ثمين لزوجته يارا، ألعاب ملونة وملابس شتوية مبطنة لطفلته ليان، شيكولاتة فاخرة وشال صوفي ثمين لأمه، ولعبة إلكترونية متطورة لابن أخته. كان يتخيل تلك اللحظة التي يفتح فيها باب منزله، ليرى أسرته مجتمعة حول مائدة دافئة احتفالًا برأس السنة، ليرى أمه تضم زوجته، وليرى طفلته تنام في دافئ. لكن الواقع كان ينتظره خلف الباب كصڤعة باردة تجمد في العروق. عندما وضع فارس مفتاحه في قفل الباب وفتحه ببطء شديد كي لا يوقظ الطفلة، توقع أن يشم رائحة طهي دافئ، أو يسمع همسات التلفزيون وأصوات الضحك المعتادة في ليلة رأس السنة. لكن البيت كان غارقًا في صمت مريب . الظلام كان يلف الممرات، باستثناء خيط رفيع من الضوء الأصفر الخاڤت المنبعث من المطبخ. تقدم بخطوات حذرة، والوجل ينهش قلبه. نادى بصوت منخفض ومتردد أنا رجعت.. ولم يجبه سوى صوت بكاء ضعيف ومتقطع، بكاء طفلة جائعة تفتقد الدفء. تسارعت نبضات قلبه، أسقط حقائبه على الأرض واندفع نحو المطبخ، ليتجمد مكانه وتتسع عيناه بذهول ومرارة لم يعرفهما طوال حياته. على كرسي خشبي صلب في زاوية المطبخ، كانت يارا تجلس منحنية الظهر، تضغط بيد شاحبة مرتجفة على عمليتها القيصرية التي لم تلتئم بعد بالكامل بسبب سوء التغذية والإرهاق. وجهها كان خاليًا من الألوان، شفايفها مشققة وجافة، وعيناها محاطتان بهالات سوداء تروي قصة ليالٍ طوال من البكاء الصامت. وفي يدها الأخرى، كانت تمسك بقطعة من النودلز سريعة التحضير، ناشفة ، تأكل منها ببطء لتبقي نفسها على قيد الحياة. لم تكن هناك شوربة، ولا خضار، ولا حتى ماء دافئ بجانبها. وعلى الأرض، في زاوية معتمة من المطبخ، كانت طفلتهما ليان، التي لم تتجاوز الأحد عشر يومًا من عمرها، نائمة تحت بطانية خفيفة للغاية، ترتجف من البرد الذي يتسلل من نوافذ المطبخ. انقبض قلب فارس واندفع نحوها، جاثيًا على ركبتيه أمامها، ممسكًا بيديها الباردتين وهو بصوت بالدموع يارا! إيه ده؟ إيه اللي حصل؟ فين كل الناس؟ فين أمي؟ فين أختي؟ نظرت إليه يارا بذهول، وكأنها ترى طيفًا أو حلمًا لا تصدقه. حاولت أن تبتسم، لكن دموعها سبقتها وانهمرت بغزارة على وجنتيها الشاحبتين. همست بصوت متهدج فارس.. أنت جيت؟ أومأ برأسه وعيناه تملأهما الحيرة أيوة جيت يا حبيبتي، جيت بدري عشان أفاجئكم.. بس إيه اللي أنا شايفه ده؟ هما فين؟ تطلعت يارا إلى الأرض هربًا من نظراته المليئة بالقهر، وقالت بضعف سافروا.. شعر فارس كأن صخرة سقطت على صدره سافروا؟ كلهم؟ وأمي فين؟ هزت رأسها إيجابًا. سألها وعقله يرفض التصديق هيرجعوا إمتى؟ أجابته بصوت يكاد لا يُسمع يوم 4 يناير. تراجع فارس خطوة إلى الوراء، يضرب جبهته بيده سافروا فين في البرد ده وسايبينك في الحالة دي؟ بنتي نايمة على الأرض ببطانية خفيفة وأنت بتاكلي نودلز ناشفة؟ راحوا فين يا يارا؟ يارا بالبكاء الشديد وهي تجيب كانكون.. المكسيك. في تلك اللحظة، شعر فارس بأن الأرض تدور به. أسرع يفتح الثلاجة ليرى إن كان هناك أي طعام ترجوه بها، ليفاجأ بأنها فارغة تمامًا حتى من زجاجات الماء. لم يكن هناك دجاج، ولا زبادي، ولا مكملات، ولا حتى علبة حليب واحدة للطفلة الرضيعة. الفريزر كان نظيفًا كأنه لم يستعمل من قبل. كل الأغذية الفاخرة التي اشتراها بماله الخاص قبل سفره، وكل ما أرسل ثمنه من ألمانيا ليتم تخزينه لزوجته ونفاسها، قد تبخر. وعلى باب الثلاجة، لفتت انتباهه ورقة بيضاء صغيرة ملصقة بشريط لاصق. اقترب منها وقرأ الكلمات المكتوبة بخط يد يعرفه جيدًا، خط يد والدته ما تتصليش بيه… هو في الشغل ومسحول في الغربة. وما تعمليش مشاكل من غير لازمة وتنكدي عليه وتخربي سفرتنا. انتزع فارس الورقة ، وشعر في صدره. نظر إلى يارا وسألها بصوت يرتجف من شدة أمي اللي كتبت دي؟ لم تجب يارا، بل غطت وجهها بيديها واستمرت في البكاء. لم يكن هناك داعٍ للكلام، فالصمت كان أبلغ من أي إقرار. اقترب فارس من ابنتيه، حمل يارا بلطف وقبل جبينها، ثم حمل طفلته الصغيرة التي كانت ترتعش، وقام بلفها بمعطفه الشتوي الثقيل والدافئ الذي كان يرتديه، ووضعهما في غرفة النوم الدافئة. اتصل فورًا بطبيب يارا الخاص وأخبره بالحالة الإسعافية لزوجته، كما تواصل مع صيدلية كبرى لشراء حليب الأطفال الخاص بالمبتسرين، وحفاضات، وأدوية مسكنة ومضادات حيوية ليارا. بعدها، استخدم هاتفه لطلب كميات ضخمة من الأطعمة الطازجة، العصائر الطبيعية، الشوربة الساخنة، واللحوم من أحد المطاعم الراقية المجاورة التي تقدم خدمات التوصيل السريع. ساعة كاملة مرت وهو يتحرك في البيت ، ينظف، يرتب، ويدفئ الغرفة. وعندما وصل الطبيب وفحص يارا، أكد أن جرحها ملتهب بسبب قلة الحركة السليمة وسوء التغذية الحاد، وأن الطفلة كانت على وشك الإصابة بنزلة برد حادة لولا ستر الله وصوله في الوقت المناسب. كتب الطبيب الأدوية اللازمة وشدد على ضرورة الراحة التامة والتغذية المكثفة. بعد رحيل الطبيب وتناول يارا وجبة ساخنة مغذية وإرضاع الطفلة ونومهما في دفء وأمان، خرج فارس إلى صالة المعيشة وجلس على الأريكة في الظلام. كان الهدوء الذي يلف المنزل هدوءًا يسبق العاصفة المدمرة. أخرج هاتفه المحمول وفتح تطبيق كاميرات المراقبة المنزلية التي كان قد قام بتركيبها في الصالة والمطبخ والممر الخارجي لحماية البيت قبل سفره، والتي لم يكن أحد من عائلته يدرك أنها تسجل الصوت والصورة بدقة وتخزنها على خادم سحابي. حدد تاريخ الأمس، الثلاثين من ديسمبر، وبدأ يستعرض التسجيلات وعيناه تلمعان ببريق غاضب وحاسم. رأى المشهد كاملاً بالصوت والصورة كانت الساعة تشير إلى الثامنة صباحًا. دخلت أمه نادية، ومعها أخته مي، وزوجها شريف يحمل حقائب سفر فارغة. بدأت أمه وأخته في فتح الثلاجة والفريزر بكل برود، وتفريغ كل محتوياتهما من لحوم، ودواجن، وفواكه، ومكملات غذائية في أكياس كبيرة لنقلها إلى سيارة شريف. كانت يارا تقف عند باب المطبخ، مستندة إلى الجدار بضعف وهي تترجاهما بدموعها يا ماما نادية، أرجوكي سيبولي فرخة واحدة على الأقل.. أنا مش قادرة أقف على رجلي أطبخ، والبيبي محتاجة رضاعة طبيعية وأنا ماليش حد هنا. لكن أمه التفتت إليها بنظرة وقالت بنبرة تقطر سمًا أنتِ شابة وصحتك زي البمب، دلع البنات ده ما يمشيش عليا. وبعدين النودلز مالت الماركت، عيشي بيها كام يوم، إحنا رايحين رحلة العمر اللي فارس دفع قلبه فيها عشان يبسطنا.. مش هنبخل على نفسنا بالخير اللي هو باعتلنا ثمنه. ثم تقدمت أخته مي ودخلت إلى غرفة الطفلة، وسحبت اللحاف الشتوي الثقيل والفاخر الذي كان يغطي الطفلة الرائدة. صړخت يارا بضعف مي، سيبيه.. البنت هتبرد، دي لسة مكملتش أسبوعين! فتركتها مي قائلة ببرود قاصٍ الفندق اللي هننزل فيه في كانكون ممكن التكييف فيه يبقى بارد على ابني، وهو أولى باللحاف ده من بنتك.. كدة كدة إنتوا قاعدين في البيت ومقفلين الشبابيك. ثم أخذ شريف يبحث في الأدراج حتى وجد بطاقة الائتمان الإضافية التي تركها فارس لوالدته لأجل حالات الطوارئ الطبية ليارا والطفلة. وضعها في جيبه بابتسامة جشعة قائلاً كده تمام.. الفيزا دي هتدلعنا في مكسيكو، وفارس مغفل مش هيدقق في الحسابات دلوقتي. وقبل أن يخرجوا من باب الشقة، التفتت الأم نادية ونظرت إلى يارا التي كانت تبكي على الأرض، وقالت جملتها الأخيرة التي هزت كيان فارس وجعلت الدموع تقفز من عينيه قهرًا براحتها… هو عمره ما هيختار غيرنا… وهيفضل دايمًا في صفنا. ده ابني اللي ربيته وتعبت فيه، وعمره ما هيكسر كلمتي أو يصدق واحدة غريبة دخلت حياته من كام سنة. أقفل فارس الفيديو. كانت يداه ترتجفان، ليس من الخۏف، بل من بركان الذي داخله. لم يكن يتخيل أن الغدر والجشع يمكن أن يصلا إلى هذا الحد من، وأن أقرب الناس إليهأمه وأختهيمكن أن يتركوا زوجته وطفلته الرضيعة جوعًا وبردًا من أجل الاستمتاع بإجازة فاخرة بماله. في تلك اللحظة، رن هاتفه معلنًا عن إشعار جديد من حساب أخته مي على موقع إنستغرام. فتح الإشعار ليرى مجموعة من الصور والفيديوهات التي نُشرت قبل دقائق معدودة. كانوا جميعًا يجلسون مسترخين حول مسبح ضخم في منتجع خمس نجوم في كانكون، يرتدون ملابس السباحة الفاخرة، وأمامهم طاولات عامرة بأفخر الأطعمة والمشروبات. وكانت أمه نادية ترتدي الشال الصوفي الفاخر الذي اشتراه ليارا كهدية ولفت كتفيها به بزهو، والجميع يبتسم للكاميرا بسعادة غامرة. وتحت الصور، كتبت مي تعليقًا مستفزًا رأس السنة مع الناس اللي بجد فاهمين معنى العيلة والدفا.. شكرًا يا فوفو على الرحلة الأسطورية دي! ابتسم فارس ابتسامة باردة ومرعبة. كانت تلك اللحظة هي لحظة التحول الكامل في شخصيته. انتهى عهد الابن المغفل والمطيع الذي يتم استغلال طيبته. مسح دمعة سقطت من عينه، ونظر إلى بطاقة الائتمان الخاصة به المرتبطة بالبطاقة الإضافية التي معهم عبر تطبيق البنك على هاتفه. بدأ فارس خطته الممنهج والهادئ أولاً، قام بفتح تطبيق البنك ووقف فورًا عمل البطاقة الائتمانية الإضافية التي بحوزة والدته وشريف، وقام بإلغاء كل الصلاحيات الممنوحة لهما. ليس هذا فحسب، بل قام بطلب تقرير فوري بكل العمليات المالية التي تمت خلال ال 24 ساعة الماضية، واكتشف أن شريف قد قام بحجز غرف إضافية فاخرة، وشراء جولات سياحية باهظة، وحجز عشاء فاخر ليلة رأس السنة في مطعم أسطوري بالمنتجع، معتمدين كليًا على رصيد البطاقة المفتوح. قام فارس بإرسال طلب فوري لإلغاء جميع تلك الحجوزات والمدفوعات المعلقة واسترداد الأموال، معلنًا للبنك أن تلك المعاملات لم يتم تفويضها من قبله شخصيًا، وتم تصنيفها كعمليات . ثانيًا، اتصل بشركة الطيران التي تم حجز تذاكر العودة من خلالهاوالتي قام هو بدفع ثمنها مسبقًا من حسابهوقام بإلغاء تذاكر عودتهم المقررة يوم 4 يناير بالكامل، واسترد قيمة التذاكر إلى حسابه المصرفي الشخصي، تاركًا إياهم عالقين في المكسيك بلا تذاكر عودة وبلا غطاء مالي. ثالثًا، اتصل بصاحب الشقة التي تعيش فيها والدته وأخته حيث كان فارس هو من يدفع إيجارها السنوي مقدمًا، وكان العقد مكتوبًا باسمه، وأبلغه بأنه لن يجدد العقد الذي ينتهي بنهاية شهر يناير الحالي، وأنه يتنازل عن الشقة رسميًا من هذه اللحظة. أنهى فارس كل هذه الخطوات ببرود شديد وهدوء تام. نظر إلى الساعة، كانت تقترب من منتصف الليل.. ليلة رأس السنة. على بعد آلاف الكيلومترات، في المنتجع الفاخر بكانكون، كانت العائلة تجلس حول طاولة العشاء الفاخرة التي تطل على البحر. كان شريف يضحك بصوت عالٍ وهو يطلب المزيد من الأطباق البحرية الغالية، بينما كانت مي ونادية تستعرضان الهدايا التي اشترتاها من المحلات التجارية بالمنتجع. تقدم النادل بوقار لتقديم الفاتورة الضخمة لعشاء ليلة رأس السنة وجولات اليوم التالي. أخرج شريف البطاقة الائتمانية بكل ثقة وسلمها للنادل. مرت دقائق، وعاد النادل بوجه متجهم واعتذر بأدب عذرًا سيدي، البطاقة مرفوضة من البنك المزود. ضحك شريف باستخفاف وقال مرفوضة؟ مستحيل! جربها مرة ثانية، ربما هناك خطأ في الشبكة. حاول النادل مجددًا، لكن النتيجة كانت ذاتها للأسف سيدي، البطاقة ملغاة تمامًا وتم الإبلاغ عنها. بدأ القلق يتسلل إلى وجه شريف. أخرج بطاقته الخاصة، لكن الرصيد فيها لم يكن كافيًا لتغطية ربع قيمة الفاتورة الخيالية. حاولت مي استخدام بطاقتها، لكن بلا جدوى. في هذه الأثناء، تقدم مدير الفندق وأخبرهم بلهجة صارمة ومحترفة سيد شريف، لقد تلقينا للتو إشعارًا من البنك يفيد بإلغاء الحجوزات الخاصة بغرفكم ودفعاتكم المعلقة بسبب شبهة احتيال واستخدام بطاقة غير مفوضة. نأسف لإبلاغكم بأن عليكم تسوية الحساب فورًا نقدًا، وإلا سنضطر لاستدعاء الأمن ومصادرة أمتعتكم. تحول لون وجه نادية إلى الأصفر، وبدأت مي في الصړاخ وهي تحاول الاتصال بفارس. في منزله الهادئ، كان فارس يجلس بجوار سرير زوجته يارا، يداعب شعرها وهي نائمة بسلام، وطفلتهما تنعم بالدفء بجانبها. اهتز هاتفه.. كانت مكالمة من أخته مي. ترك الهاتف يرن حتى انقطع. ثم رن هاتف أمه.. تركه يرن مجددًا. ثم أرسل له شريف رسالة نصية يملؤها الفزع فارس! الحقنا! الفيزا واقفة والشرطة هنا في الفندق وهيحبسونا! كلم البنك وفك الحظر بسرعة! أرسل فارس ردًا واحدًا وصادمًا، أرفق معه مقطع الفيديو القصير لأمه وهي تفرغ الثلاجة وتقول جملتها الشهيرة هو عمره ما هيختار غيرنا.. وهيفضل دايمًا في صفنا. وكتب تحتها كل سنة وأنتوا طيبين.. يارا والبيبي بيسلموا عليكم من البيت الدافئ اللي سبتوه من غير أكل ولا غطا. الفيزا اتلغت، وتذاكر العودة اتلغت، وعقد الشقة اتلغى. اتمنالكم رحلة ممتعة في المكسيك.. دوروا بقى على طريقة ترجعوا بيها، لأن الابن المغفل ماټ النهاردة. سقطت الرسالة كالصاعقة على رؤوسهم في كانكون. تلاشت الضحكات، وتحولت ليلة رأس السنة لديهم إلى كابوس مرعب. اضطر شريف لرهن ساعته الذهبية ومصوغات زوجته مي لدفع فاتورة الفندق وتجنب ، وتم طردهم من المنتجع الفاخر ليمضوا ليلتهم في فندق رخيص ومتواضع على أطراف المدينة، يتضورون جوعًا ويبحثون عن أي وسيلة لتوفير ثمن تذاكر الطيران للعودة. خلال الأيام الأربعة التالية، عاش فارس في جنته الخاصة مع زوجته وابنته. قام برعايتهما بنفسه، يطهو الطعام ليارا، ويساعدها في الحركة، ويحمل طفلته ليان بحنان لم يشعر به من قبل. كانت يارا تنظر إليه وعيناها تفيضان بالامتنان والحب، مشيرة إلى أن غيابه كان صعبًا، لكن وقفته هذه أعادت لها كرامتها وحياتها. في صباح يوم 4 يناير، اليوم الذي كان من المفترض أن تعود فيه العائلة بسلام وفخر. سمع فارس صوت حركة خارج باب الشقة. كان يعلم أنهم وصلوا أخيرًا بعد رحلة شاقة وطويلة، استجلبوا فيها أموالًا بالاستدانة من بعض معارفهم لشراء أرخص تذاكر طيران ممكنة، مع ترانزيت طويل في عدة مطارات. كانوا متعبين، جائعين، وجوههم محترقة من شمس المكسيك التي تحولت لعذاب، يجرون حقائبهم بكسرة وذل. حاولت نادية فتح الباب بمفتاحها، لكن القفل لم يدر. لقد قام فارس بتغيير قفل الباب بالكامل وتركيب نظام أمان ذكي جديد. طرق شريف الباب وغيظ فارس! افتح الباب! افتح! فتح فارس الباب ببطء. كان يرتدي ملابس منزلية أنيقة، ويبدو عليه الارتياح والهدوء الكامل. وقف بجدية يسد المدخل بجسده القوي. نظرت إليه أمه نادية بعينين مكسورتين وحاقدتين في آن واحد، وقالت بصوت متباكٍ كده يا فارس؟ تهين أمك وأختك عشان خاطر واحدة غريبة؟ ترمينا في الغربة وتقطع علينا المصاريف؟ ده أنا أمك اللي شيلتك في بطني! نظر فارس في عينيها مباشرة، وبنبرة خالية من أي مشاعر أو ضعف، قال أمي اللي شالتني في بطنها، ما كنتش تسيب بنتي الرضيعة اللي عندها 11 يوم ترتعش من البرد وتاخد لحافها. أمي اللي ربتني ما كنتش تسيب مراتي الوالدة قيصري تاكل نودلز ناشفة وتسرق أكلها وفلوسها عشان تتفسح في المكسيك وتكتب ورقة تقلها ما تنكديش عليه. إنتوا ما عرفتوش معنى العيلة.. إنتوا عرفتوا بس معنى الجشع والاستغلال. اندفعت مي تصرخ إحنا أهلك! لحمك ودمك! تبيعنا عشانها؟ رد فارس ببرود حاسم يارا وبنتي هما أهلي وعيلتي الحقيقية اللي هحميها بدمي. ولحمكم ودمكم ده هو اللي اتغدى بفلوسي في كانكون وسبتوني جعان في غربتي بشتغل ليل نهار عشان تصرفوا وتتمنظروا. أخرج شريف صوته المرتجف قائلاً طيب افتح ندخل نرتاح ونحل المشاكل دي.. إحنا متبهدلين من السفر. أشار فارس بيده إلى كومة من الحقائب الكبيرة المرتبة بعناية بجانب السلم خارج الشقة، وقال دي كل هدومكم وحاجتكم اللي كانت هنا في البيت. كلها ونضفت بيتي من أي أثر لكم. الشقة بتاعتكم إيجارها هينتهي آخر الشهر، وصاحب الشقة عنده علم بإخلاء المكان. من النهاردة، مفيش قرش واحد هيدخل جيوبكم من تعبي. مفيش فيزا، مفيش إيجار، ومفيش ابن مغفل بيصدق الدموع الكدابة. حاولت أمه أن تقترب لتمسك بيده وتستعطفه يا بني، فكر في كلام الناس.. هيقولوا إيه لما يعرفوا إنك طردت أمك وأختك؟ تراجع فارس خطوة إلى الوراء، وأمسك بمقبض الباب قائلاً جملته الأخيرة التي أنهت كل شيء الناس هيشوفوا الفيديو اللي أنا شفته.. وصوركم وأنتوا بتضحكوا في كانكون والبيبي من البرد هنا.. وساعتها هما اللي هيقولوا مين اللي طرد ومين اللي خان. رحلتكم انتهت يا نادية هانم.. ورحلتي أنا وعيلتي الحقيقية لسة بتبدأ. أغلق فارس الباب بقوة وثبات في وجوههم، تاركًا إياهم في ممر العمارة مع حقائبهم وخيبتهم وجشعهم الذي دمر كل جسور العودة. الټفت إلى داخل منزله، حيث كانت يارا تقف عند ممر الغرفة، تحمل طفلتهما الجميلة المغطاة باللحاف الدافئ الجديد، والابتسامة قد شقت طريقها أخيرًا إلى وجهها المشرق. مشى فارس نحوهما، وضمهما إلى صدره بقوة، مغلقًا خلفه صفحات الغدر، ومستقبلاً عامًا جديدًا مليئًا بالدفء، الأمان، والحب الحقيقي الذي لا يُباع ولا يُشترى بالمال. “هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”