أمنية زواج

كانت الرياح الباردة تضرب نوافذ الغرفة القديمة، بينما كانت فريدة تجلس على طرف سريرها، تنظر إلى يديها المرتعشتين اللتين خط الزمن عليهما تجاعيد ثلاثة وسبعين عامًا من الصبر والركض خلف سراب الحياة. لم تكن تصدق أنها قبل أيام قليلة فقط، كانت تقف في ممر مستشفى حكومي ضيق، مرتدية مريول التمريض الأبيض الذي ظنت أنها ودعته إلى الأبد يوم تقاعدها، لتجد نفسها فجأة تواجه شبح ماضيها الذي هرعت منه قبل أكثر من نصف قرن. كل شيء بدأ في تلك البلدة الصغيرة، حيث كان الهواء يعبق برائحة الياسمين والتراب المبلل، وحيث كان حازم هو العالم بأسره لفتاة في السابعة عشرة من عمرها. كان حازم يملك عينين بلون القهوة الداكنة، ينظر إليها وكأنها المعجزة الوحيدة في كون مليء بالفوضى. كانا يخططان لكل شيء؛ للبيت الصغير ذي الباب الخشبي الأزرق، وللأطفال الذين سيحملون أسماء اختاراها معًا في ليالي الصيف الطويلة على شاطئ النهر. لكن طموح فريدة كان وحشًا نائمًا استيقظ فجأة عندما ظهرت نتائج الثانوية العامة، وجاءها خطاب القبول من كلية التمريض المرموقة في العاصمة. كانت العاصمة بالنسبة لفريدة هي البوابة إلى ذاتها، إلى الوجود والتحقق، بينما كانت البلدة بالنسبة لحازم هي الأرض التي يجب أن يضرب جذوره فيها ليساعد والده المريض

في ورشة النجارة الصغيرة التي كادت تفلس.
يوم السفر كان يوماً خانقاً، تذكر تفاصيله فريدة وكأنه حدث بالأمس. وقفت في محطة الأتوبيس القديمة، حقيبتها الجلدية البالية بين يديها، بينما كان حازم يقف أمامها، ووجهه شاحب وعيناه تفيضان بتوسل مرير كاد يقتلع قلبها من صدره. قال لها بصوت متهدج لو ركبتِ هذا الأتوبيس يا فريدة، فلن تعودي فريدة التي أعرفها، ستتركين خلفكِ رجلاً لن يبرأ جرحه أبدًا. لكن صخب الطموح وخوفها من الفقر والضياع في تلك البلدة المنسية جعلاها تقسي قلبها. صعدت الأتوبيس دون أن تنظر خلفها، تاركة خلفها صرخة صامتة كسر بها قلب الفتى الذي أقسم على حبها. السنون مرت كأنها طيف عابر؛ تخرجت فريدة، وعملت لسنوات طويلة في مستشفيات العاصمة، تزوجت زواجًا تقليديًا هادئًا من رجل رحل مبكرًا تاركًا إياها بلا أطفال، وغرقت في دوامة العمل لتنسى الفراغ الذي ينهش روحها. أما حازم، فانقطعت أخباره تمامًا، وظنت أنه عاش حياته وتزوج ورزق بالأبناء والأنفاس الدافئة.
لكن الأقدار لا تنسى الديون القديمة. قبل أشهر قليلة، انهارت الشركة التي كانت تدير صندوق تقاعد الممرضات، ووجدت فريدة نفسها تواجه الفقر في عمر الثالثة والسبعين، بمكافأة نهاية خدمة ضئيلة تآكلت بفعل التضخم. لم يكن أمامها خيار سوى العودة إلى بلدتها القديمة، حيث تملك بيتًا صغيرًا ورثته عن والديها، والتقدم بطلب للعمل بعقد مؤقت في المستشفى المركزي بالبلدة لتأمين ثمن طعامها ودوائها. وفي أول أسبوع عمل لها، دخلت الغرفة رقم 204 لتغيير المحاليل لمريض في حالة متأخرة. نظرت إلى ورقة الملاحظات الطبية، وقرأت الاسم حازم عبد الرحمن الشافعي. تسمرت قدماها في الأرض، وشعرت ببرودة تجري في عروقها. التفتت ببطء نحو السرير لتجد وجهًا نحت فيه المرض قسوته، لكن العيون كانت هي ذاتها؛ عيون القهوة الداكنة التي لم تتغير رغم مرور ستة وخمسين عامًا.
نظر إليها حازم، وبدلاً من العتاب أو الغضب، ارتسمت على شفتيه الشاحبتين ابتسامة هادئة، وقال بصوت واهن كأنه يخرج من بئر عميقة أخيرًا شرفتِ يا فريدة.. كنت أعلم أنكِ ستأتين. من ذلك اليوم، تحولت نوبات عمل فريدة إلى طقس من الاسترجاع والبوح. كانت تجلس بجواره لساعات طويلة بعد انتهاء مناوبتها، يتحدثان عن أساتذة المدرسة القديمة، عن شجرة التوت التي قطعت، وعن الأحلام التي دهستها عجلات الزمن. كانت تشعر بالذنب يمزق صدرها كلما رأت جسده النحيل الذي ينهشه السرطان في مرحلته الأخيرة، وهو يبتسم لها دون أي ملامة. وفي ليلة عاصفة تشبه ليلة سفرها القديمة، أمسك يدها وقال لها يا فريدة، لم يبق لي في هذا العالم سوى أيام، وأمنيتي الوحيدة التي عشت لأجلها هي أن تموتي وأنتِ تحملين اسمي.. هل تقبلين أن تكوني زوجتي؟. بكت فريدة بحرقة، شعرت أن هذه فرصتها الوحيدة لتقديم اعتذار متأخر لقلب كسرته بيدها، فقالت والدموع تخنق صوتها موافقة يا حازم، موافقة.
تم عقد القران في الغرفة الضيقة بحضور المأذون، وممرضة زميلة، ومحامي حازم الخاص الذي كان ينظر لفريدة بنظرات غامضة لم تفهمها وقتها. عاشت معه شهرًا كاملاً في المستشفى، تخدمه بقلبها وروحها كزوجة وممرضة وعاشقة قديمة استعادت نبضها. وفي فجر يوم جمعة هادئ، أسلم حازم الروح ويده مثبتة بين كفيها. بكت فريدة كما لم تبكِ من قبل، شعرت أن جزءًا من روحها دُفن معه. وفي اليوم التالي للجنازة، وبينما كانت تجلس في بيتها الصغير غارقة في الحزن، سمعت طرقات خفيفة على الباب. فتحت لتجد المحامي ذاته يقف أمامها، ممسكًا بصندوق خشبي صغير أسود اللون. دخل وجلس صامتًا لبرهة، ثم نظر في عينيها بنظرة تجمع بين الإشفاق والدهشة، وقال كلماته الصادمة زوجكِ الراحل كان يعلم تمامًا أنكِ ستوافقين على الزواج منه شفقةً وتكفيرًا عن ذنب الماضي.. لقد وقعتِ في الفخ الذي نصبه لكِ بمنتهى الذكاء يا فريدة.
امتدت يد فريدة المرتعشة إلى الصندوق، وفتحته ببطء شديد. كان قلبها يخفق بعنف، لتجد في الداخل مجلدًا
لمحة نيوز

1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *