أمنية زواج

تصل إلى بابها، وتوالت زيارات محضرين المحكمة، وباتت مهددة بالطرد من منزل طفولتها في أي لحظة.
وفي أحد الصباحات، بينما كانت تجلس شاحبة الوجه، تداعب خيوط الشمس الضعيفة المتسللة من الشباك، قررت فريدة ألا تستسلم للنهاية التي خطها لها حازم. وقفت أمام المرآة، ونظرت إلى وجهها المتعب لكن عينيها كانتا قد استعادتا بريق التحدي الذي كانت تملكه وهي ابنة السبعة عشر عامًا. تذكرت أنها لم تكن يومًا امرأة ضعيفة؛ فقد واجهت الغربة والعمل الشاق في شبابها وصنعت نفسها بنفسها.
قررت فريدة أن تبدأ رحلة البحث عن الحقيقة وراء شركات حازم الخفية، لعلها تجد ثغرة قانونية تنقذها من هذا الفخ المحكم. تواصلت مع محامٍ شاب من أبناء البلدة، كان مشهورًا بذكائه ونزاهته ويُدعى كريم. عندما عرضت عليه فريدة أوراق الصندوق والديون، تملكته الدهشة الذهول، وقال لها
هذا العمل لم يقم به رجل بمفرده وهو على فراش الموت يا مدام فريدة. هناك شريك أو وسيط كان يدير هذه العمليات المعقدة ويساعده في تتبعك وتدمير صندوق التقاعد. حازم كان مريضًا وعاجزًا في أشهره الأخيرة، ومن المستحيل أن يكون قد قام بنقل الأموال إلى الخارج وتصفية الشركات بنفسه دون مساعدة شخص يملك سلطة توقيع واسعة ونفاذًا كاملاً لحساباته.
بدأت فريدة وكريم رحلة تتبع الخيوط. قادتهما التحريات إلى مفاجأة لم تكن في الحسبان؛ فالشخص الذي كان يدير كل تلك العمليات، والذي ساعد حازم في إتمام صفقة تدمير صندوق التقاعد، لم يكن سوى المحامي الخاص بحازم نفسه، بالتواطؤ مع مدير المستشفى الذي كان يحصل على تبرعات ضخمة مقابل تسهيل إجراءات تعيين فريدة ومراقبتها. والأدهى من ذلك، أن المبالغ التي تم تهريبها إلى الخارج لم تذهب كلها إلى المؤسسة الخيرية كما ادعى المحامي، بل تم تحويل جزء كبير منها إلى حسابات سرية تعود للمحامي نفسه كأتعاب لتنفيذ هذه المؤامرة الشيطانية.
باستخدام هذه الأدلة والوثائق التي استطاع كريم الحصول عليها من خلال بعض المصادر في الرقابة المالية، تمكنت فريدة من رفع قضية لإثبات التدليس والابتزاز واستغلال مرض حازم وفقدانه للأهلية الكاملة في أيامه الأخيرة لتمرير تلك التوكيلات.
بعد أشهر من الجلسات والصراع القانوني المرير الذي شغل الرأي العام في البلدة، أصدرت المحكمة حكمًا تاريخيًا ببطلان كافة العقود والتوكيلات التي وقعتها فريدة تحت تأثير الخداع والتدليس، مع التحفظ على أموال المحامي ومدير المستشفى وإحالتهم للمحاكمة بتهمة النصب والاحتيال وتسهيل الاستيلاء على أموال عامة وخاصة. كما قضت المحكمة برد أصول صندوق تقاعد الممرضات المنهوبة، لتصبح فريدة البطلة التي أنقذت زميلاتها المتقاعدات من فقر محتوم.
في اليوم الذي صدر فيه الحكم، ذهبت فريدة إلى المقبرة حيث يرقد حازم. وقفت أمام قبره الصامت، والرياح تداعب خصلات شعرها الأبيض. لم تكن تشعر بالغضب أو الرغبة في التشفي، بل بأسف عميق على عمر كامل ضاع في تغذية الحقد والغل.
خلعت دبلة الزواج من يدها، ووضعتها على حافة الشاهد الرخامي للقبر، وقالت بصوت هادئ وممتلئ بالسلام
لقد عشتَ حياتك كلها سجينًا لكسرة قلب قديمة يا حازم، وأردتَ أن تسحبني معك إلى سجنك الأخدي. لكنني اخترتُ الحياة زمانًا، وأختارها الآن أيضًا. لقد نجوتُ من فخك، وأسامحك على كل حال… لعل روحك تجد الآن السلام الذي حرمتَ نفسك منه طوال حياتك.
التفتت فريدة ببطء، ومشيت نحو بوابة المقبرة بخطوات واثقة وخفيفة، تاركة خلفها الماضي بآلامه وندوبه، لتستقبل ما تبقى لها من سنوات بروح حرة، لم تستطع قسوة الانتقام أن تكسر كبرياءها.





