أمنية زواج

ضخمًا يحتوي على تقارير تفصيلية، وصور فوتوغرافية لها عبر السنين؛ صور لها وهي تخرج من كليتها، صور في يوم زفافها القديم، صور لها وهي تمشي في شوارع العاصمة، وحتى تقارير عن حساباتها البنكية وأزمتها المالية الأخيرة التي جعلتها تعود للبلدة. وفي قاع الصندوق، كانت هناك رسالة بخط يده المألوف، كتبت قبل أشهر من دخوله المستشفى، يقول فيها
عزيزتي فريدة.. لم أكن ضحية للصدفة. أنا من دمرت صندوق تقاعدكِ من خلال شركتي الاستثمارية الخفية لأجبركِ على العودة هنا، وأنا من رتبت تعيينكِ في هذا المستشفى وفي غرفتي تحديداً. أردتُ أن أثبت لكِ أنكِ مهما ركضتِ وراء طموحكِ، ستعودين إليّ راكعة تبحثين عن لقمة العيش. والآن، بما أنكِ أصبحتِ زوجتي رسميًا، فإن كل أملاكي التي تقدر بالملايين ستذهب للجمعيات الخيرية، بينما تركتُ لكِ قانونًا ديونًا ورهونات عقارية باسمي ستجعلكِ تقضين بقية عمركِ في السجن أو تخدمين كمرضى المستشفى مجانًا لتسديدها. لقد كسرتِ قلبي في محطة الأتوبيس، وكان يجب أن أدفعكِ ثمن تلك الكسرة، حتى لو كان ذلك هو آخر ما أفعله في حياتي. وداعًا يا زوجتي العزيزة.
سقطت الرسالة من يد فريدة، وصرخت صرخة دوت في أرجاء البيت الخالي، صرخة لخصت ستة وخمسين عامًا من الوهم والندم، مدركة أن الحب الذي ظنت أنها رممته في اللحظات الأخيرة، لم يكن سوى خنجر مسموم تم تسديده لقلبها بعد عقود من الانتظار الصبور.
امتدت الصرخة التي أطلقتها فريدة لتشق صمت الجدران القديمة، لكنها سرعان ما تكسرت وتحولت إلى شهقات متقطعة يملؤها الذهول والإنكار. كانت الأوراق والتقارير والصور متناثرة حولها على الأرضية الخشبية مثل أوراق خريفية يابسة تساقطت دفعة واحدة لتكشف عن عورات الماضي. نظرت إلى يدها، إلى دبلة الزواج الذهبية البسيطة التي طالما ظنتها رمزًا للغفران الأبدي والوصال المتأخر، وبدت لها الآن وكأنها قيد من الفولاذ يطبق على معصمها ليميت ما تبقى من أيامها.
وقفت فريدة بجسدها المرتعش، ونظرت إلى المحامي الذي كان يجلس بهدوء بارد، يراقب تفاصيل انهيارها دون أن ترف له جفن. سألته بصوت متحشرج كأنما انتُزع من بين الركام
هل… هل هذا حقيقي؟ هل كل هذه الملايين… والديون… هل كل شيء كان تمثيلية مسرحية؟
تنهد المحامي، وفتح حقيبته الجلدية السوداء ليخرج منها مستندًا رسميًا يحمل شعار المحكمة وإمضاء حازم الواضح، ووضعه فوق الطاولة بجانب الصندوق. قال بنبرة مهنية تخلو من أي مشاعر
يا مدام فريدة، أنا لست هنا لأحكم على أخلاقيات الراحل. أنا مجرد منفذ لوصيته وقانونه. حازم عبد الرحمن الشافعي لم يكن مجرد مريض سرطان مسكين يموت في مستشفى حكومي. لقد كان المالك الفعلي والمساهم الأكبر في شركة الاستثمار التي اشترت أصول صندوق تقاعد ممرضات الإقليم قبل عامين، وهو من اتخذ القرار الاستراتيجي بتصفية الصندوق وإعلان إفلاسه بطريقة قانونية تمامًا، ليحرم مئات الممرضات المتقاعدات وأنتِ على رأسهن من مستحقاتهن. لقد تتبع كل خطوة في حياتك، وعرف متى ستضيق بكِ السبل، وعندما علم أنكِ قدمتِ طلبًا للعودة إلى الخدمة في مستشفى البلدة، تبرع بقسم كامل للمستشفى واشترط أن يتم توزيع الممرضات وفقًا لجدول ورغبة إدارته الخاصة، والتي كنتِ أنتِ محورها.
صمتت فريدة لثوانٍ، تحاول استيعاب حجم الحقد الذي يمكن أن يعيش في قلب إنسان طوال خمسين عامًا. تذكرت كيف كانت تمسح على جبينه وهو يتألم، كيف كانت تسهر بجانبه وتستمع بحنو إلى حكايات طفولتهما، وتذكرت تلك الابتسامة الوديعة التي ارتسمت على وجهه عندما نطق بكلمة موافق في عقد قرانهما. لم تكن تلك فرحة بالحب المستعاد، بل كانت نشوة الانتصار والصيد الذي وقع أخيرًا في الشباك.
تابع المحامي وهو يشير إلى الأوراق
هذه الوثيقة التي بين يديكِ هي إقرار مديونية تضامنية. قبل زواجكما بيومين، قام حازم بصفته الشخصية باقتراض مبالغ طائلة بضمان أملاكه وعقاراته، ثم قام بدمج ذمتكِ المالية معه بموجب توكيل عام وقعه منكِ بحجة تسيير إجراءات علاجه وشراء الأدوية من الخارج. وبمجرد وفاته، تحولت العقارات والأموال السائلة بالكامل إلى مؤسسة خيرية دولية أسسها في الخارج باسم مستعار، تاركًا الشركات هنا تعلن إفلاسها ومحملة بديون وديات مستحقة للموردين والبنوك تتجاوز قيمتها ثمانية ملايين جنيه. وبما أنكِ زوجته والوارثة الوحيدة وشريكته المتضامنة في القروض بموجب التوكيل وعقد الزواج… فأنتِ الآن مطالبة قانونًا بسداد هذه الديون، أو مواجهة السجن ومصادرة بيتكِ هذا.
شعرت فريدة ببرودة الموت تسري في أطرافها. لم يكن الخوف من السجن هو ما يقتلها، بل الإدراك المفجع بأن الرجل الذي تمنت لو عادت به الأيام لتصحح خطأها معه، قضى عقوده الأخيرة يغزل خيوط دمارهما معًا. لقد مات حازم وهو يشعر بالرضا لأنه أتم انتقامه، بينما ترتعد هي الآن وحيدة في مواجهة مصير أسود.
لم تنطق فريدة بحرف آخر. أشارت للمحامي بيدها ليرحل. جمع المحامي أوراقه بهدوء، وترك لها الصندوق الأسود والرسالة القاتلة، ثم غادر وأغلق الباب وراءه، ليتركها وحيدة وسط الظلام الذي بدأ يسدل ستاره على الغرفة.
مرت الأيام كأنها كوابيس متصلة. امتنعت فريدة عن الذهاب إلى العمل، وأغلقت نوافذ بيتها، وراحت تعيش على فتات الخبز والماء، تتأمل الصور القديمة والرسائل المسمومة وتتساءل كيف يمكن للحب أن يتحول إلى مسخ مشوه كهذا؟ لكن الدائنين والبنوك لم يمنحوها الكثير من الوقت للحزن. بدأت الإخطارات القانونية

الصفحة السابقة 1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *