ثمن القسوه بقلم محمد نور

خرجتُ من المستشفى بعد أن فقدتُ جنيني، واستقللتُ طائرة في الليلة ذاتها، وأنا على يقين بأنه لم يعد لديّ ما أعود من أجله. حينها، أرسل لي زوجي 52 ريالًا وكتب: “هذا ينبغي أن يكفي”. لزمتُ الصمت واحتفظتُ بإشعار الحوالة. وبعد دقائق معدودة، بدأ يتصل بي بهستيريا ودون توقف، لأنهم في المستشفى كانوا قد شرحوا له للتو لماذا قد تكلفه تلك الـ 52 ريالًا أكثر بكثير مما كان يتخيل.

الجزء الأول

— أختكِ لم تمت بسبب خطأي. وحتى تتوقفي عن هذه الدراما، أرسلتُ لكِ 52 ريالًا كتعويض.

قرأتُ هذه الرسالة وأنا أجلس بجوار نافذة الطائرة التي تستعد للإقلاع من مطار الملك خالد الدولي بالرياض.

كنتُ قد خرجتُ للتو من المستشفى.

رحمي أصبح فارغًا.

وأختي الكبرى لم يمضِ على وفاتها أقل من أربع وعشرين ساعة.

أما زوجي، طارق السالم —أحد كبار رجال الأعمال الذين يمكنهم إنفاق عشرات الآلاف في عشاء واحد دون أن يطرف لهم جفن— فقد أرسل لي للتو 52 ريالًا.

أسفل تفاصيل الحوالة كتب:

“مريم نسيت الاعتماد المالي للمستشفى، وقد تحدثتُ معها بشأن ذلك.”

ثم أضاف:

“لكنكِ تسببتِ في هذا أيضًا. ومن الآن فصاعدًا، أي مصروف يتجاوز خمسة آلاف ريال يجب أن تعتمده مريم أولًا.”

مريم كانت سكرتيرته الخاصة.

المرأة التي تجيب على اتصالاته.

التي تقرر متى يحق لي الحديث مع زوجي.

التي كانت تدخل بيتنا لسنوات دون استئذان، وتختار رحلاته، ومطاعمه، وهدايا شركائه، وحتى الأدوية التي يحملها طارق في حقيبته.

نظرتُ إلى الـ 52 ريالًا.

لم تكن تكفي حتى لشراء وجبة خفيفة وكوب قهوة في المطار.

اهتز هاتفي مجددًا.

“لماذا لا تجيبين؟”

“عودي إلى البيت.”

“جدي علم بأمر الحمل.”

“يا دانة، كفي عن التصرف كالأطفال.”

ضغطتُ على الهاتف بقوة.

لم يكن يعلم بعد أن الطفل الذي يقلقه أمره لم يعد له وجود هو الآخر.

قبل ثلاثة أعوام، تزوجتُ طارق لسبب أستحي من الاعتراف به.

كانت أختي الكبرى، لمى، تعاني من مرض ضمور الأعصاب.

توفي والدانا وأنا في مرحلة المراهقة، فكانت هي من ربتني. عملت بائعة، وباعت المستلزمات المنزلية، وتركت جامعتها لتتكفل بمصاريف دراستي.

وعندما داهمها المرض، التفت حولنا مصاريف العلاج والأجهزة التنفسية والممرضات حتى استنزفت كل ما نملك.

حينها ظهر طارق.

كان عميلًا في الشركة الصغيرة التي أعمل بها.

1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *