ثمن القسوه بقلم محمد نور

وقال بصوت خافت:
— لا أستطيع النوم.
— ولا أنا.
— دانة، لن أطلب منكِ العودة.
— هذا جيد.
بلع ريقه ثم قال:
— ولكن دعيني أفعل شيئًا.
نظرتُ إلى الصندوق وقلت:
— هناك أمور لا تصلحها الأفعال المتأخرة، بل نتحمل عبئها فقط.
— دعيني أتحمل جزءًا من العبء.
— لا تستطيع.
— أستطيع أن أدفع…
ثم توقف عن الكلام من تلقاء نفسه.
وهذا ما جعلني أنظر إليه… فقد أدرك أخيراً أن المال لا يصلح لكل شيء.
أخرجتُ أوراق الطلاق وقلت:
— وقّع هنا.
ظلت عيناه على الأوراق لفترة طويلة.
— إذا وقّعتُ، هل سترحلين للابد؟
— طارق، أنا رحلتُ بالفعل.
اهتزت يده وهو يمسك القلم.
وقّع.
لم أشعر بالنصر، بل بشعور من الفراغ الصامت، كمن ينزع خاتمًا ضيقًا بعد سنوات وتظل علامته حافرة على الأصبع.
عندما انتهى، سأل بصوت خافت:
— هل كان ولدًا أم بنتًا؟
سقط السؤال عليّ كالصاعقة.
كاد المحامي أن يتدخل، ولكني أوقفته.
— لا أعلم.
تنفس طارق ببطء.
— هل فكرتِ في اسم له؟
أثناء رحلتي بالطائرة، كنتُ قد فكرتُ في ذلك، لا أعلم لماذا، ربما لأنني كنتُ بحاجة لوداع تلك الإمكانية أيضًا.
— بدر، إن كان ولدًا… أو ريم، إن كانت بنتًا.
غطى طارق وجهه بيديه، وبدأت كتفاه تتكئان من البكاء.
لم أقترب منه.
فطوال سنوات كانت تعاطفي هو الجسر الذي يعود منه الآخرون بعد إيذائي، وهذه المرة لن أعبر ذلك الجسر.
أخرجتُ من حقيبتي صورة للمى قبل مرضها، كانت تضحك فيها وهي ترتدي قبعة كبيرة.
وضعتها أمامه.
— أريدك أن تحتفظ بها.
أخذ الصورة وسأل:
— لماذا؟
— لأنه في كل مرة يقول لك أحدهم إن تأخير المعاملة أو الاعتماد هو مجرد “إجراء إداري”، أريدك أن تتذكر أن خلف كل رقم وجهًا وإنسانًا.
وقفتُ لأغادر.
— دانة…
— لا تبحث عني.
— لن أفعل.
نظرتُ إليه للمرة الأخيرة وقلت:
— ولا تجعل ندمك طريقة أخرى لملاحقتي. إذا كنتَ قد تغيرتَ حقًا، فأثبت ذلك مع الشخص القادم الذي يحتاج مساعدتك، وليس معي.
خرجتُ وأنا أحمل ذكرى أختي.
أما مريم فلم تنجُ من التبعات هي الأخرى.
حاولت الدفاع عن نفسها بدعوى أنها كانت تنفذ الأوامر، ثم قامت بنشر شائعات عني تدعي أنني تزوجتُ من أجل المال.
وكان ذلك حقيقة لم أنكرها قط.
تزوجتُ لأنني كنتُ مرعوبة من فقدان أختي وتكفل طارق بمصاريف علاجها.
ولكن ما لم تفهمه مريم أبداً، هو أن قبولي بزواج المصلحة لم يطرح كرائمتي في المزاد، ولم يجعل حياة لمى ملكًا لطارق.





