ثمن القسوه بقلم محمد نور

أثبتت التحقيقات أن مريم حذفت رسائل وحجبت معلومات طبية عاجلة.

لم ينتهِ الأمر بوضع الأغلال في يديها أمام الكاميرات، فالواقع عادة أقل دراماتيكية ولكنه أكثر صرامة.

فقدت عملها.

واجهت دعاوى قضائية.

ورفضت الشركات التوظيف في مناصب حساسة.

وأنفقت مبالغ طائلة على المحامين.

وتبددت سمعتها بسبب إساءة استخدام السلطة التي كانت تتفاخر بها.

أما طارق، فقد تنحى مؤقتًا عن إدارة الشركة.

وحاولت عائلته احتواء الأمر، حتى إن جده طلب لقائي.

ولكني رفضت.

فقد قضيتُ سنوات طويلة وأنا أشرح ألمي لأناس لا يستمعون إلا عندما تكون هناك خسائر مالية.

تم إيداع مبالغ التسوية في صندوق مستقل، وتأسست بذلك “جمعية لمى الخيرية”.

وكان هدفها بسيطًا: تقديم الدعم الطبي الطارئ للمرضى المصابين بأمراض الأعصاب، ومساعدة العائلات التي لا تستطيع الانتظار لأسابيع حتى يعتمد أحدهم المصاريف.

واشترطتُ شرطًا أساسيًا:

أن الاعتمادات الطبية الطارئة لا تتوقف على شخص واحد، فإذا لم يجب المسؤول خلال وقت محدد، ينتقل الطلب تلقائيًا لمسؤول آخر.

لا أبواب مغلقة بعد اليوم.

ولا سكرتيرة تقرر من يستحق الحياة.

ولا عائلات تنتظر عند موظف الاستقبال والوقت يمر.

كان أول دعم قدمته الجمعية لامرأة تحتاج لرعاية تنفسية عاجلة.

وبعد أسبوعين، كتبت لي ابنتها:

“شكراً لكم، أمي تلقت العلاج في الوقت المناسب.”

قرأتُ تلك العبارة مرارًا وتكرارًا حتى حفظتها.

في الوقت المناسب… كلمتان، كانتا كل ما تمنيته للمى.

حاول طارق التبرع للجمعية بشكل مباشر، ولكنني رفضتُ المال.

ثم أقنعني المحامي بقبول المساهمات من خلال الصندوق الداعم فقط، دون إعلان، ودون اسم للمتبرع.

ووافق طارق على ذلك.

وطوال أشهر، كانت تصلني منه رسائل عبر المحامي، دون أن يراسلني مباشرة.

الرسالة الأولى كانت:

“مررتُ اليوم أمام مقر الجمعية، ولم أدخل.”

لم أرد.

والثانية:

“وجدتُ صندوقًا فيه ملابس كنتِ قد اشتريتها للطفل.”

بكيتُ، ولكني لم أرد أيضًا.

والثالثة:

“سألني جدي لماذا تركتُ زوجتي ترحل، ولم أعرف كيف أشرح له أنني كنتُ أتركها ترحل طوال سنوات وهي تنام تحت سقف بيتي.”

تلك الرسالة ألمتني، فاحتفظتُ بها.

ليس لأنني أريد العودة، فالبكاء على شخص لا يعني أننا نملكه، وتفهم الندم لا يعني العفو الإجباري.

وبعد عام تقريبًا، وصلتني الرسالة الأخيرة:

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *