ثمن القسوه بقلم محمد نور

“اليوم تم اعتماد حالة طبية طارئة في الشركة، ولم يسأل أحد عن التكلفة قبل الاتصال بالمستشفى. فكرتُ في لمى. لا أتوقع أن يعني هذا لكِ شيئًا، ولكني أردتكِ أن تعرفي أنني أحاول ألا أعود ذلك الرجل.”

لم أجب، ولكن للمرة الأولى لم أشعر بالغضب.

حياتي في لندن لم تتبدل بسحر ساحر.

راودتني الكوابيس.

وتابعتُ العلاج النفسي.

وعملتُ دوامًا جزئيًا وأنا أدرس إدارة المؤسسات الاجتماعية.

وكانت هناك أيام أرى فيها امرأة حاملاً فأضطر للدخول للتنفس بمفردي.

وفي أيام أخرى كنتُ أستطيع الابتسام.

تعلمتُ أن التعافي ليس أن تستيقظ صباحًا وتنسى كل شيء، بل أن تتذكر دون أن تنهار في كل مرة.

وبعد سنتين، عدتُ لإحياء فعالية صغيرة للجمعية.

كنا قد دعمنا أكثر من مائة حالة.

وطلبتُ أمرًا واحدًا: ألا يكون طارق حاضرًا.

أقيمت الفعالية في قاعة بسيطة، بلا صخب إعلامي، فقط أطباء ومرضى وعائلات.

وعلى الجدار وضعنا صورة للمى وعبارة كانت ترددها وهي مريضة:

“الكرامة تبدأ من التفاصيل الصغيرة.”

وعندما حان دوري للحديث، اهتزت يداي:

— أختي لم تمت لأن حياتها كانت أقل قيمة، بل ماتت وسط قرارات اتخذها أناس يملكون السلطة والوقت، بينما كانت هي تفتقدهما معًا. هذه الجمعية وجدت لكي لا تضطر أي عائلة للتوسل خلف باب مغلق عندما يكون هناك من يحتاج المساعدة الآن.

وبعد الانتهاء، اقتربت مني طفلة وصافحتني بوردة من ورق:

— أمي تقول إنكِ ساعدتِ أبي.

انحنيتُ لها وقلت:

— الجمعية هي من ساعدته.

أشارت الطفلة إلى الصورة وقالت:

— ولكن يحمل اسم أختكِ.

— نعم.

— إذن هي ساعدت أيضاً.

لم أستطع الرد فوراً، نظرتُ إلى لمى وهي تبتسم من الصورة، وأومأتُ لها:

— نعم، هي ساعدت.

وعندما خرجتُ، رأيتُ سيارة سوداء متوقفة على جانب الطريق.

لم أكن بحاجة للاقتراب لأعرف من يلس داخلها.

سألني عبد الرحمن:

— هل تريدين أن أطلب منه المغادرة؟

فهززتُ رأسي بالرفض.

لثوانٍ تذكرتُ كل المرات التي كنتُ أمنى فيها أن أرى طارق ينتظرني.

والآن هو هناك، وأنا لم أعد بحاجة للمشي نحوه.

أملتُ رأسي بقليل من الاحترام، لا أكثر.

لم يكن ذلك غفرانًا، ولا دعوة، بل كان إقرارًا بالنهاية.

تحركت السيارة بعد ثوانٍ.

ولم نلتقِ بعد ذلك أبداً.

وبعد سنوات، وجدتُ في ملف قديم لقطة الشاشة لتلك الحوالة:

52 ريالاً.

تأملتها طويلاً، لم تعد تثير فيّ ذاك الغضب القديم، بل أصبحت تبدو لي أمرًا من الماضي.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *