ثمن القسوه بقلم محمد نور

في ذلك المساء ذهبتُ إلى المستشفى، وفي الليلة ذاتها حجزت أول تذكرة إلى لندن حيث تعيش صديقتي المقربة.

وبينما كانت الطائرة تتحرك على المدرج، أرسل طارق مجددًا:

“إن استمررتِ في تجاهلي، سأمر بإخراج أختكِ من مركز الرعاية.”

أغمضتُ عينيّ.

تهديده جاء متأخرًا جدًا.

لمى أصبحت رمادًا في ذمة الله.

وطفلنا لم يعد في أحشائي.

وطارق كان ما يزال يعتقد أن كلاهما القيود التي يستطيع بها إرغامي على العودة.

أغلقتُ الهاتف، وسحبتُ شريحة الاتصال وقسمتها بين أصابعي.

ما لم أكن أعلمه حينها، هو أنه في تلك اللحظة بالذات، كان طارق قد قدم للتو إلى غرفة أختي الفارغة بالمستشفى… وكان على بعد ثوانٍ فقط من اكتشاف كم سيكلفه أن يتعامل مع آلامي وكأنها مجرد إزعاج.

لم يكن يتخيل أبدا ما يوشك أن يحدث.

الجزء الثاني

وصل طارق إلى دار الرعاية وهو في قمة غضبه.

دفع باب غرفة لمى بقوة، ليجد السرير فارغًا، والملاءات مطوية، والطاولة التي كانت تكتظ بالصور الشخصية نظيفة تمامًا.

أوقف إحدى الممرضات وقال:

— أين لمى؟

نظرت إليه المرأة باستغراب وتساءلت:

— هل أنت من أقاربها؟

— أنا زوج أختها.

صمتت الممرضة لحظة ثم قالت:

— إذن كان ينبغي أن تعلم أنها توفيت بالأمس.

تجمد طارق في مكانه.

طالب بالتوضيحات، وانتهى به المطاف في قسم الإدارة بالمستشفى يراجع السجلات والطلبات.

وهناك وجد اسمي مكررًا على مدار ساعات طويلة:

“دانة تطلب الاعتماد المالي.”

“الضمان المعلق.”

“تسع اتصالات بمكتب المسؤول المالي.”

“لا يوجد رد من السكرتيرة الخاصة.”

“المريضة في حالة حجة.”

“العائلة تطلب تمديد المهلة.”

“المبلغ لم يُدفع.”

ثم قرأ وقت الوفاة.

وكما أخبرني محاميّ لاحقًا، اضطر طارق إلى الجلوس على أقرب مقعد.

فللمرة الأولى أدرك أن أمره بـ “التجميد المؤقت” للمصاريف لم يكن مجرد درس زوجي، بل كانت له عواقب واقعية ومأساوية.

توجه مباشرة لمواجهة مريم وقال:

— لماذا لم تخبريني أن لمى في حالة خطر وقد تموت؟

— أخبرتك أن دانة تصر مجددًا على طلب مالي طبي.

— لم تخبريني أنها حالة طارئة!

حافظت مريم على هدوئها وقالت:

— أنت من أمرني بعدم الإزعاج.

— ليس في أمر كهذا!

— كما أنك أمرتني بإيقاف أي اعتماد مالي يخص أخت زوجتك حتى إشعار آخر.

كان ذلك صحيحًا.

ولهذا لم يستطع طارق جعل مريم الكبش الوحيد للفداء.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *