ثمن القسوه بقلم محمد نور

في أحد الأيام رآني أبكي في مواقف السيارات بعد تلقي فاتورة علاج تعجزني أرقامها.

لم يواسِني، بل سأل ببساطة:

— كم تحتاجين؟

سدد الدين في الليلة نفسها.

وبعد أسبوع، عرض عليّ زواج مصلحة.

— عائلتي تضغط عليّ لأستقر، وأنتِ تحتاجين للأمان من أجل أختكِ. سأتفل بكل مصاريفها الطبية طوال فترة زواجنا.

وافقتُ.

بكت لمى عندما أخبرتها.

— لا تبيعي حياتكِ من أجلي يا دانة.

— لا أبيعها —كذبتُ عليها—. طارق رجل جاد وقاسٍ بعض الشيء، لكنه ليس سيئًا.

وظللتُ أكرر هذه الجملة لنفسي لثلاث سنوات.

حتى أصيبت لمى بالتهاب رئوي حاد.

أوصى المستشفى بإجراء جراحي عاجل ودخول العناية المركزة، وطلبوا ضمانًا ماليًا يناهز ثلاثمائة وخمسين ألف ريال.

لكن البطاقة التي أعطاني اياها طارق كانت معطلة عن تغطية المصاريف الطبية الطارئة.

اتصلتُ بمريم… لا إجابة.

اتصلتُ بطارق… لا إجابة.

ذهبتُ بنفسي إلى مقر “مجموعة السالم” في حي الصحافة.

خرجت مريم إلى البهو بكامل أناقتها وزينتها، بينما كنتُ أنا، بحملي وإرهاقي، أجهد نفسي لأقف على قدميّ.

— أحتاج خمس دقائق فقط مع زوجي.

— إنه في اجتماع مهم.

— أختي قد تموت!

— الأستاذ طارق شدد على عدم مقاطعته.

أمسكتُ بطرف أكمامها:

— مريم، أرجوكِ… أخبريه أنني أحتاج الموافقة للمستشفى.

أبعدت يدي ببطء وقالت:

— يا مدام دانة، كونكِ حاملًا لا يعني أن الدنيا يجب أن تتوقف في كل مرة تمرين بها بأزمة.

شعرتُ باختناق شديد:

— إن ماتت لمى…

دنوت مريم من أذني وهمست:

— ربما إن ماتت تتوقفين عن استغلال مرضها لتبقي طارق متمسكًا بكِ.

عدتُ إلى المستشفى وأنا أرتجف.

في تلك الليلة، أمسكت لمى بيدي، وبما تبقى لها من أنفاس ضئيلة قالت:

— لا تترجي أحدًا من أجلي بعد اليوم… عيشي حياتكِ يا دانة.

وبعد ساعات، فارقت الحياة.

في اليوم التالي ذهبتُ لمواجهة طارق.

طلبتُ منه الطلاق.

لم يكلف نفسه حتى إغلاق حاسوبه، وقال:

— لا تفتعلي مشكلة من أمر يمكن تداركه.

— لمى ماتت.

رفع رأسه، وللمرة الأولى بدا عليه الذهول.

لكن قبل أن ينطق بشيء، أضاف ما قضى على آخر ما تبقى لي من صبر:

— أنا من أمر بتجميد الحساب الطبي مؤقتًا. مريم كانت تنفذ تعليماتي فقط. كان عليّ تعليمكِ ألا تأتي إلى شركتي وتحدثي فوضى كلما أردتِ المال.

نظرتُ إليه لثوانٍ طويلة.

ثم خرجتُ دون أن أنبس بكلمة.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *