صاحبتي بقلم اماني السيد 2

أول ما الباب اتقفل وراها، السكوت رجع تاني مالي الشقة، بس مكنش سكوت كئيب.. كان سكوت أشبه بالهدوء اللي بيسبق العاصفة، الهدوء اللي المحارب بيملاه بالتخطيط وترتيب السلاح.
وقفت ورا الباب مفيش ملامح واضحة على وشي، بس جوايا طاقة غريبة عمري ما حسيت بيها قبل كده. روحت جري على المراية الكبيرة اللي في الصالة، وبدأت أبص لنفسي بتمعن شديد.. بس المرة دي مكنش بصّ حسرة ولا مقارنة تكسرني.
أنا كنت بفتكر كل تفصيلة لسه شايفاها في وشها وفي لبسها..
طريقة رسمة عيونها بالآيلاينر الخفيف اللي بيسحب العين ويخليها ناعمة، لون الروج الهادي اللي مش فاقع بس بيلفت الانتباه، حتى طريقة تسريحة شعرها اللي بتبان عفوية بس هي متظبطة بالملي عشان تديها سن أصغر من سنها.
مسكت شعري، فكيته من التوكة ورجعته لورا.. وبدأت أفتكر بشرتي زمان قبل ما أهملها في غسيل المواعين ووقفة المطبخ وتربية الأولاد.
> “الفرق مش في الخِلقة يا دعاء.. الفرق إنك نسيتي نفسك في الساقية، وهي استغلت ده عشان تاخد مكانك. بس اللعبة دي لعبتي أنا من النهاردة.”
>
قررت إن أول حاجة هعملها إني مش هشتري لبس وخلاص، أنا هعيد هيكلة كل حاجة.. هعرف إزاي أهتم بتفاصيل ملامحي، هتعلم أعمل الميك أب اللي يبرز جمالي أنا مش اللي يخليني شبه حد تاني، هجيب لبس للبيت يكون شيك وناعم بس مريح، وهغير قصة شعري ولونه خالص عشان يوسف لما يدخل من الباب يحس إنه داخل على ست تانية تمامًا.. ست بتنافس في كل حاجة بل وتكسب كمان.
نزلت فورًا للسنتر القريب من البيت، اشتريت مجموعة كاملة للعناية بالبشرة والشعر، واشتريت ميك أب بنفس الدرجات الرقيقة اللي شوفتها عليها بس لايقة على لون بشرتي أنا. وبدأت أجهز نفسي لأول مواجهة غير مباشرة مع يوسف لما يرجع من الشغل.
الساعة بقت ٥ عصرًا..
الشقة كانت هادية، ريحة البخور والمسك مالية المكان، ودخلت التلفزيون فر اوضه العيال وسبتهم يلعبوا بلايستيشن عليه .
كنت واقفة في الصالة لابسة فستان هادي لونه أوف وايت قطني طويل، بيبرز تفاصيل جسمي بشكل أنيق ومحترم، وفاردة شعري بعد ما عملت له سيشوار خفيف، وحاطة لمسات ميك أب خفيفة جدًا مخلية وشي منور وصافي.
سمعت صوت مفتاح يوسف في الباب..
قلبي دق بسرعة، بس أخدت نفس طويل، رسمت الابتسامة الهادية الباردة على وشي، ووقفت مستنياه في الصالة بكل ثقة.
الباب اتفتح، ويوسف دخل وهو شايل شنطة شغله وتعبان.. رفع عينه وبصلي..
المرة دي يوسف متكلمش.. الكلمة وقفت في زوره، وخطوته تقلت وهو داخل. فضل واقف مكانه لثواني، عينيه بتتحرك عليا من فوق لتحت بذهول تام وصدمة واضحة.. الصدمة اللي كنت مستنياها وبخطط لها من الصبح.
يوسف فضل واقف باهت لثواني، عينه مش قادرة تنزل من عليا. ملامح الصدمة كانت واضحة، بس أنا اتعاملت بمنتهى الطبيعية والبرود، كأني ماعملتش أي حاجة غريبة.. كأن ده العادي بتاعي اللي كنت بس مأجلاه شوية.
قربت منه بهدوء وأخدت من إيده الشنطة وقولتله بابتسامة رقيقة:
* “حمد الله على سلامتك يا حبيبي، ميعاد الغدا جهز والكل مستنيك.. يلا غير هدومك بسرعة عشان الأكل ما يبردش.”
دخل غير هدومه وهو لسه تحت تأثير المفاجأة، خرج لقى السفرة متظبطة والأكل اللي بيحبه سخن وبيطلع دخان. قعدنا ناكل، وطول الوقت كنت بتعامل معاه بقمة الرقة والاهتمام، بصبله الميه، وبناول الصنف البعيد عنه، وهو عينه كانت بتراقب كل حركة من حركاتي.. عينه كانت بتلمع بفضول وإعجاب تاهوا منه من سنين.
وفي نص الغدا، قررت أرمي أول قنبلة ذكية.. قنبلة هادية ومغلفة بالبراءة.
سندت ظهري لورا، وأخدت نفس هادي وقولتله بفضول طبيعي جداً:
* “صحيح يا يوسف.. نسيت أقولك، هند صاحبتي جاتلي النهاردة الصبح وقعدت معايا شوية.”
أول ما نطقت اسم “هند”، يوسف اتخشب.. اللقمة وقفت في زوره، وعينه برقت بارتباك حاول يداريه بسرعة وهو بيشرب ميه، وسألني بصوت متحشرج:
* “اه.. هند؟ وجاتلك فجأة كده؟ كانت عايزة حاجة؟”
هزيت راسي بأسف مصطنع وقولتله:
* “آه يا حبيبي، كانت جاية تفضفض معايا ومحتاارة حيرة غريبة.. تخيل بتقولي إنها متقدم لها اتنين رجالة، واحد متجوز وواحد مش متجوز، وكانت بتسألني عن رأيي.. بس الصراحة يا يوسف، أنا اتصدمت فيها أوي ولقيت نفسي بكلمها بمنتهى الصراحة!”
يوسف حط الشوكة من إيده ببطء، وجسمه كله اتشد وهو بيحاول يبان هادي وسأل:
* “اتصدمتِ فيها ليه؟ وإيه اللي يوجع الصدمة في كده؟”
بصيت في عينه مباشرة وبمنتهى الثبات والهدوء وقولت:
* “اتصدمت لما لقيت أخلاقها وصلت لكده! يعني إيه واحدة تفكر مجرد التفكير إنها تبص لراجل متجوز وتهد بيت ست تانية؟ واجهتها وقولت لها إن دي قلة أصل وخيانة.. والراجل اللي يوافق على كده ويمشي معاها في السكة دي، ده راجل خاين وميجوزش عليه غير خسارة كل حاجة.. خسارة بيته وولاده وكرامته.”
سكت لثانية عشان أسيب الكلام ينزل على قلبه زي الكرباج، وبعدين كملت بنبرة بريئة خالص:
* “وقولت لها كمان.. لو الراجل ده هان عليه بيته والست اللي شالت اسمه وشقيت معاه تفتكري مش هتهوني عليه أنتِ في يوم من الأيام؟ دي خيانة مركبة يا يوسف.. خيانة من الست وخيانة من الراجل.. وأنا عمري ما تخيلت إن هند تفكيرها رخيص للدرجة دي!”
يوسف كان بيسمعني والدم هرب من وشه تماماً.. بقى يبلع ريقه بصعوبة، وعينيه بتتحرك في كل اتجاه يهرب من نظراتي الصافية اللي كانت بتخترق روحه. مكنش قادر ينطق ولا يدافع، ولا حتى قادر يبص في طبقه يكمل أكل.
ابتسمت له بنعومة وقولتله:
* “مالك يا حبيبي سكتّ ليه؟ الأكل مش عاجبك ولا إيه؟
يوسف مسك كباية المية بإيد مرعوشة، شرب بؤ طويل كأنه بيحاول يبلع الكلام اللي نزل على دماغه وزلزل الأرض تحت رجله. حاول يرسم ابتسامة باهتة ومصطنعة، وبصلي وهو بيحاول يبان طبيعي ويسأل بدافع الفضول:
* “أصل الكلام يشد يا دعاء.. بس قوليلي، هي هند قالتلك مين الراجل التاني؟ يعني الأعزب ده اللي متقدم لها.. تعرفه منين؟”
سندت راسي على إيدي، وبصيتله بنظرة كلها براءة وهدوء، وقولتله:
* “آه طبعاً.. ده المفاجأة بقا إنه زميل قديم لينا من أيام الكلية، فاكره؟ أحمد رمزي اللي كان معانا في الدفعة. تخيل طلع بيكلمها بقاله فترة وبيلمحلها بحبه، وكان لسه مكلمها النهاردة الصبح وعايز يقابلها عشان يتقدم لها رسمي.”
يوسف سكت وظهرت على وشه علامات ضيق وغيرة واضحة حاول يداريها بسرعة، بس عروق جبهته فضحت غضبه. كملت كلامي وأنا براقبه ببرود:
* “أنا قولت لها يا هند.. أحمد شاري ومستعد يدخل البيت من بابه، واللعب بمشاعر راجل متجوز دي آخرتها خراب.. يوسف، أنت مش معايا في الرأي ده؟”
يوسف بلع ريقه وصوته طلع مخنوق وهو بيحاول ينهي الحوار:
* “آه.. طبعاً يا دعاء، عندك حق.”
يوسف نزل راسه في طبقه وهو مش قادر ينطق بولا كلمة زيادة، ملامح وشه كانت متلخبطة بين الخوف، والتوتر، والغيرة اللي عجز يداريها لما سمع إن فيه راجل تاني أعزب بيجري ورا هند وعايز يتقدم لها.
بصيت له وأنا جوايا راحة غريبة.. راحة حد رمى القنبلة في المكان الصح وبمنتهى الدقة. كنت عارفة ومتأكدة إن بكلامي ده كسرت حاجز الثقة اللي بينهم تماماً. حتى لو كلمها بعد ما ينزل وحكالها على اللي أنا قولته، وهي حلفت له ميت يمين إن مفيش حد بيكلمها ولا في أحمد رمزي ولا غيره.. هيفضل الشك من النهاردة بياكل في قلبه وعقله. هيفضل يسأل نفسه: “يا ترى هي بتلعب بيا؟ يا ترى بتسحب رجلي وهي عينها على واحد تاني يدخل البيت من بابه؟”
الشك لما بيدخل علاقة مبنية في الضلمة بيحرقها.. وأنا حطيت البنزين وسبتهم هما الاتنين يولعوا في بعض.
لميت السفرة وأنا ببتسم في سري، وسبت يوسف قاعد مكانه غرقان في أفكاره ودوامة الشكوك اللي رميته فيها. دخلت المطبخ، وبمنتهى الهدوء أخدت قرار مصيري مع نفسي:
> “أنا من الليلة دي مش همسك تليفونه تاني.. مش هدور وراه، ومش هسمح لرسالة ولا صورة تضايقني أو تكسر فرحتي بنفسي تاني. اللي شوفته كان الكتالوج وعرفته، واللعبة وبدأتها.. من هنا ورايح، تليفونه ده ملوش أي قيمة عندي.”
>
قررت إن طاقتي كلها، ووقتي كله، هيروحوا في حتة تانية خالص.. ليا أنا وبس.
هتم بنفسي، بجمالي، بصحتي، وبعيالي. هخلي البيت ده جنة ليا أنا الأول، والست اللي كانت بتهمل في حق نفسها عشان تراضي الكل ماتت خلاص الليلة دي.
رجعت الصالة ولقيت يوسف واقف محتار، ماسك تليفونه في إيده وعينه بتروح للباب وعليا بارتباك، كأنه بيموت عشان يدخل يكلمها ويفهم منها بس خايف من نظراتي.
عديت من جنبه ببرود وثقة تامة، سيبت ريحة البرفيوم بتاعي تملى مناخيره، وقولتله وأنا داخلة أوضة العيال بصوت كله دلع وراحة:
* “أنا هدخل ألاعب العيال شوية يا حبيبي.. لو حابب تريح أو تنزل تشرب قهوة براحتك خالص، يومك كان طويل وتعبت في الشغل النهاردة.”
سيبته واقف مكانه مذهول من الهدوء ده.. ودخلت وأنا حاسة إني لأول مرة من ٧ سنين، أنا اللي سايقة الليلة، وبشروطي أنا.
مرت الأيام، وكنت ماشية في خطتي بمنتهى الهدوء والذكاء. مابقتش أراقب، ولا بفتش، ولا بسأل هو بيكلم مين.. كل تركيزي بقا إني أسحب رجل يوسف لبيتنا وعالمنا تاني، بس المرة دي بخطوات هو اللي يختارها وهو مغمض عينه.
في يوم وإحنا قاعدين بنشرب الشاي بعد العشا، بصيت له بنظرة رايقة وقولتله بدلع وهدوء:
* “يوسف.. إيه رأيك ننزل بكره سوا نشتري شوية لبس جديد؟ أنا بقالي كتير مانزلتش واشتريت حاجة لنفسي، وأنت كمان محتاج كام طقم جديد للشغل.. بلاش تفضل لابس نفس الحاجات.”
يوسف بصلي بذهول خفيف، كأنه مكنش متوقع الطلب ده، بس ملامح وشي الهادية وثقتي بنفسي خلوه يبتسم ويقول:
* “بكره؟ ماشي يا دعاء.. بس تفتكري هنلحق مع العيال ؟”
قربت منه شوية وقولتله وأنا بحط إيدي على كتفه بنعومة:
* “العيال هنسيبهم عند ماما بكام ساعة.. أنا عايزاك معايا أنت يا يوسف، تختارلي وتختار لنفسك.. بقالنا كتير ما خرجناش مع بعض لوحدنا زي زمان.”
الكلمة لمست حاجة جواه، وافق علطول. وتاني يوم، نزلنا سوا.
في المحلات، مكنتش الست السلبية اللي بتوافق على أي حاجة أو بتجري تشتري أرخص حاجة عشان توفر.. كنت بختار بذكاء، وبخليه يشاركني في كل تفصيلة. أقف قدام المراية باللبس الأنيق اللي اخترته وأقوله: “إيه رأيك في ده يا حبيبي؟ لايق عليا ولا اللون ده أحلى؟”
وكانت عينه بتلمع وهو بيبصلي وبيقترح عليا ويختارلي بنفسه.
وفعلاً، جيبت لبس شيك جداً، وخلّيته هو كمان يقيس ويشتري لنفسه بدل الطقم اتنين وتلاتة، ورجعنا البيت وإحنا محملين شنط وضحكتنا واصلة لآخر الشارع.
بس الخروج واللبس مكنش كل حاجة.. كان لازم أبدأ أرجع يوسف يشيل معايا الحمل اللي قطم ضهري سنين وهو عايش دور “الضيف” في البيت.
بعد ما رجعنا، وإحنا بنرتب اللبس الجديد، قعدت جنبه وتنهدت تنهيدة هادية وقولتله بنبرة فيها ضعف لطيف ميكسرش هيبتي:
* “يوسف.. أنا حقيقي حاسة براحة كبيرة النهاردة عشان كنت معايا. الفترة اللي فاتت أنا شيلت مسئولية البيت والعيال والمذاكرة والطلبات لوحدي لحد ما حسيت إن طاقتي خلصت.. ومابقتش قادرة أركز في كل حاجة لوحدي.”
بصلي باهتمام، فكملت كلامي وأنا بمسك إيده:
* “أنا محتجاك ترجع تقف معايا.. من بكره أنت اللي هتتابع مع دروس الولاد وتشوف ناقصهم إيه في تمارينهم، وتفاصيل خروجنا وطلبات البيت الكبيرة أنت اللي هترتبها وتديرها.. أنا عايزة أحس إن ليا سند بيشيل معايا، عشان أقدر أفضل رايقة وأهتم بيك وبنفسي زي ما أنت شايفني دلوقتي.”
الكلام كان متصاغ بدقة.. أنا مش بنكد عليه ولا بزعق، أنا بديله “المسئولية” كأنه بيعمل فيا جميل، وفي نفس الوقت بربط وجوده ومشاركته بروقاني وجمالي اللي اتسحر بيهم تاني.
يوسف سكت لثواني، حس بالذنب تجاه السنين اللي سابني فيها غرقانة لوحدي، وفي نفس الوقت حس بـ رجولته وقيمته في بيته وسط ولاده ومراته اللي رجعت تنور تاني. هز رأسه وقال بنبرة صادقة:
* “عندك حق يا دعاء.. أنا فعلاً قصرت معاكم كتير الفترة اللي فاتت.. من بكره كل حاجة هتتغير، وأنا هشيل عنك كل الحاجات دي.”
ساعتها ابتسمت ابتسامة انتصار داخلية..
يوسف بدأ يرجع يدخل وسطنا تاني، ومسئوليات البيت اللي هتشغله هتاخد من وقته وفاضيه، ومش هتسيب له مساحة ولا مجهود يفكر في تليفون ولا في “هند”..
العرش اللي هي حاولت تبنيه في الضلمة، كنت بهده طوبة طوبة.. بمنتهى الشياكة والنور.





