خط احمر بقلم اماني السيد 2

أول ما النهار طلع وتاني يوم على طول، أخدت بناتي وروحت بيهم عند بيت أهلي، وسبت البيت اللي ملوش فيه غير الأيام المعدودة. مكنش في وقت للزعل ولا للدموع؛ كان وقت الفعل.

سألت ودورت لحد ما وصلت لمحامي من المحاميين التقّال قوي، اسم معروف في قضايا الأحوال الشخصية وملوش في المحايلة. دخلت مكتبه، وقعدت بكل ثبات حكيت له الحكاية من أولها لآخرها، وقولت له بكلمات قاطعة:

— “أنا مش عايزة حلول ودية، ولا عايزة قعدة مصاطب. أنا عايزة حقي وحق بناتي تالت ومتلت، وعايزة قض*ية طلاق للضرر.”

المحامي ابتسم بثقة وطلب الأوراق، وطمنّي إن موقفي قوي جداً خصوصاً مع جوازه التاني وبخله المثبت وتقصيره في الإنفاق. ومن مكتب المحامي، طلعت على طول على قسم الشرطة، وعملت محضر وطلب تمكين من شقة الزوجية عشان آخدها أنا والبنتين بحكم القانون طالما هما في حضانتي، وأخرجه برة المكان اللي عاش فيه يذلنا بالقرش.

المحامي بدأ يتحرك زي الإعصار؛ رفع عليه حزمة قضايا تخليه يلف حوالين نفسه بجد. رفعنا قض*ية نفقة زوجية ونفقة بنين، ومصاريف مدارس، وبدل فرش وغطاء، وأجر مسكن. مسبناش ثغرة في القانون إلا ودخلنا منها عشان نخليه يدفع اللي قدامه واللي وراه.

وعشان أقطع عليه أي حجة أو كذبة من كذباته إن “العيشة غالية ومعيش فلوس”، روحت بنفسي وقدمت طلب رسمي عشان أعمل تحري ومفردات مرتب من جهة شغله الحقيقية وكل الأماكن اللي بيتعامل معاها، عشان تطلع للمحكمة أرقامه ودخله الحقيقي بالمليم قدام القاضي.

كنت بتحرك بخطوات ثابتة وسريعة، وكل ما أفتكر نظرة بناتي المكسورة في العزومة، قوتي تزيد. خلاص، زمن الفتات والمصروف اللي بيذلني بيه كل أسبوع انتهى، واللعبة بقت على المكشوف، وهيدفع تمن دلاله لمراته الجديدة من جيبه ورجله فوق رقبته.

مرت الأسابيع، والمحاكم بدأت تاخد مجراها. الإعلانات بالقضايا بدأت تنزل على دماغ **عائد** زي الصواعق المتتالية. مكنش ملاحق؛ كل ما يفوق من إعلان قض*ية نفقة أو مصاريف مدارس، يلاقي دعوى أجر المسكن نازلة فوق دماغه. والأقوى من كل ده، كان طلب التحري عن الدخل اللي وصل لجهة شغله، وكشف المستور وصدمه في مق*تل.

فيوم، لقيت تليفوني بيرن.. كان هو. صوته مكنش فيه حتة العياط والزعيم بتاع زمان، كان صوته مخضوض، وفيه نبرة ذهول مهزومة وهو بيقول:

— “إيه اللي أنتِ عاملاه ده يا **منة**؟! قضايا طلاق للضرر ونفقات وأجر مسكن بكل المبالغ دي؟! أنتِ عايزة تخربي بيتي وتوديني في داهية وتدفعيني اللي ورايا واللي قدامي؟!”

رديت عليه بمنتهى البرود وثبات هز طوله:

— “أنا مابخربش بيوت، أنا باخد حق بناتي اللي أنت استخسرت فيهم اللقمة الحلال، وكنت بتديني مصروف يدوب يمشيهم أسبوع بالعافية وتقولي معيش والغلا طاحنني.. باخد حقهم عشان يروحوا مدارسهم وياكلوا ويشربوا من غير ما يستنوا منك نظرة عطف أو يخدموا حد. وأهو الدلال والكرم اللي كان بينزل في شقتك التانية، المحكمة هتعرف تطلعه لولادك تالت ومتلت بالقانون ومن عينك.”

قفل السكة وهو مش قاد ينطق، وبدأ يدخل واسطات.. بعت لي والدته (حماتي) عشان تلم الموضوع ودي. كلمتني في التليفون وهي بتقول بنبرة رجاء ومسكنة:

— “يا بنتي حرام عليكي، الواد هيلف حوالين نفسه، ومفردات المرتب لو راحت المحكمة والقاضي شاف دخله الحقيقي هيحكم بمبالغ تقسم ضهره، والقضايا دي هتضيع مستقبله.. اقعدوا وحلوها ودي عشان خاطر البنات.”

قولت لها بكلمة واحدة قاطعة:

— “يا طنط، أنا ياما قعدت وياما عديت وأنتِ عارفة، وياما غضبت عند أهلي ورجعت عشان خاطر البنات ومحدش فيكم حس بيا ولا ببناتي. شفتوه وهو قايم يجيب العصير ويدلل، وشفتوا مراته وهي بتتباهى بالدهب اللي بآلاف الجنيهات وبناتي قاعدين مكسورين، ومحدش منكم قاله عيب اتقي الله في لحمك ودمك. القانون دلوقتي هو اللي هيقعد بيننا، واللي يحكم بيه القاضي أنا راضية بيه.”

قفلت الكلام، وسِبت الإعصار القانوني يكمل طريقه. مفردات مرتبه طلعت في التحريات بمبالغ تانية خالص غير الوهْم والشحاتة اللي كان عايشّنا فيها، وبقيت شيفاه من بعيد وهو محتار، مش ملاحق على مصاريف القضايا والمحامين، وبقى يلف حوالين نفسه بجد عشان يعرف يصد منين ولا منين. الكسرة اللي حطها في عيون بناتي وهو بيخدم الغريبة، رجعت له أضعاف في هيبته وفلوسه وراحته، وبدأت مشاكل مراته الجديدة تظهر وتزن على دماغه أول ما الفلوس خست في إيده والديون حاصرته.

أما الخطوة اللي بعد كده، فكانت الضربة القاضية اللي مكانش يتوقعها أبدًا، واللعبة اللي اتعلمتها من المحامي عشان أخليه يدفع تمن كل مليم استخسره في لحمه ودمه.

نزلت الصبح وحسيت إن بناتي يستاهلوا أحسن عيشة وأحسن تعليم، ومبقاش ينفع يتدفنوا في مدارس عادية وهو فلوسه متلتلة برة وبيصرفها بمنتهى الكرم. أخدت ملفات البنات من مدارسهم القديمة، وتوجهت بيهم فوراً لمدرسة خاصة من المدارس اللغات التقيلة والنضيفة في المنطقة. قدمت لهم هناك، ودفعت مصاريف التقديم كاملة من قرشي وشقايا اللي كنت حوشته على جمب من شغلي.

المحامي أول ما عرف إني نقلتهم رسمي وأخدت وصولات الدفع، كلمني وهو بيضحك وقالي:

— “الله ينور عليكي يا **منة**.. كده اللعبة كملت. القانون بيلزم الأب بمصاريف تعليم ولاده في المدارس الخاصة طالما دخله ومفردات مرتبه تسمح بده، وإحنا أثبتنا للمحكمة إنه مقتدر جداً ومرتاح مادياً، ومصاريف المدارس الخاصة دي هتنزل على دماغه زي القنبلة.”

وبالفعل، المحامي أرفق وصولات المدارس الخاصة وعقود التقديم الجديدة في ملف القض*ية ورفع “دعوى مطالبة بمصاريف المدارس”.

بعدها بأيام، التليفون مَبطّلش رن. كان **عائد**، وصوته المرادي كان مخنوق وضايع خالص، ملامح الزعامة اتمحت تماماً وهو بيقولي بنبرة كلها قهر وقلة حيلة:

— “مدارس خاصة يا **منة**؟! أنتِ عايزة تدمريني رسمي؟! أنا مش ملاحق على الإيجار والنفقات اللي المحكمة حكمت بيها، تقومي تنقلي البنات مدارس لغات بمصاريف قد كده عشان تخربيها فوق دماغي؟! أنتِ بتنتقمي مني؟!”

رديت عليه بكل برود وأنا حاطة رجل على رجل، وبمنتهى القسوة اللي اتعلمتها منه:

— “أنا مابنتقمش يا **عائد**.. أنا بربي بناتي وبعلمهم في المكان اللي يستاهلوه. مش أنت كنت بتقول العيشة غالية ومعيش؟ أهو التحريات ومفردات مرتبك قالت للقاضي إنك معايش ومبسوط قوي، وكمان الكل شاف كرمك ودهبك الأسبوع اللي فات. فزي ما الغريبة بتتدلع بفلوسك، بناتي أولى يتعلموا بيها لغات وينظفوا.. والمحكمة هتحجز على نص مرتبك عشان تدفع المصاريف دي ورجلك فوق رقبتك.”

قفل السكة وهو حاسس إن الأرض بتلف بيه. بقى عايش في كابوس حقيقي، مش ملاحق على مصاريف قضاياه، ولا نفقات بناته، ولا مصاريف مدارسهم الخاصة اللي بقت تتسحب من المنبع من جهة شغله. اللفة اللي لفهالي حوالين نفسه خلت مراته الجديدة تبدأ تتنطط عليه وتعمل معاه مشاكل وخناقات كل يوم لأن “بحبوحة الفلوس والدلال” اللي اتجوزته عشانها اتقطعت تماماً، وبقى يدوب بيلف حوالين نفسه عشان يلاحق على الديون والقضايا، والكسرة اللي زرعها في بيتي، حصدها في حياته التانية أضعاف مضاعفة.

ومع كل مليم كان بيتدفع للمدارس الخاصة والنفقات، بدأت خيوط اللعبة تتربط أكتر حوالين رقبة **عائد**.

في يوم، لقيت حماتي بتتصل بيا تاني، بس المرادي صوتها كان مكسور وخالي من النبرة الفوقية بتاعة زمان. قالت لي وهي بتحاول تستعطفني:

— “يا **منة** يا بنتي، اتقي الله في الراجل، **عائد** مابقاش ملاحق، مراته الجديدة سابت له البيت وغضبت عند أهلها لما لقت كل قرش بيدخل له بيروح لنفقة البنات ومصاريف المدارس اللغات! هي مكنتش متجوزاه عشان تعيش في الهَم ده، والبيت هناك اتخرب خلاص.”

سندت ضهري على الكرسي، وابتسمت ابتسامة هادية وأنا ببص لبناتي وهما قاعدين على مكتبهم الجديد بيذاكروا وبيتكلموا لغات بكل ثقة، ورديت عليها بمنتهى البرود:

— “والله يا طنط، هي سابت البيت لما لقت الحنفية اتقفلت، وده يثبت إنها مكنتش شارياه هو، كانت شارية فلوسه ودلاله اللي كان بيبخل بيهم على لحمه ودمه. أما بخصوص خراب البيوت، فـ **عائد** هو اللي خرب بيته بإيده يوم ما دخل عليا وعلي بناته وهو قالب وشه ومستخسر فينا اللقمة، ويوم ما وقف قدام قرايبك كلهم يطلب من بناته يخدموا مراته الجديدة. أنا مابخربش.. أنا بس خليت القانون يربيه ويعرفه إن الله حق.”

قفلت السكة، ومن يومها ومبقاش يشغلني أخبارهم. المحكمة حكمت لي بالطلاق للضرر تالت ومتلت، وأخدت كل حقوقي القانونية والمادية اللي تضمن لي أنا وبناتي عيشة كريمة ومستوى مكنش يحلموا بيه وأنا على ذمته.

لفت الأيام ودارت، وشوفته بالصدفة من كام يوم في الشارع؛ كان ماشي دبلان، الضحكة والفخر اللي كانوا على وشه في العزومة اتمحوا تماماً، وشكله كبر عشر سنين من كتر الجري ورا مصاريف القضايا والديون اللي بقى غرقان فيها لشوشته. بص لي وبص للبنات بنظرة كلها ندم وكسرة، ونفسه بس يلمح منهم نظرة رضا.

أما بناتي؟ فعدوا من جمبه وهما رافعين راسهم، مفيش في عيونهم أي كسرة ولا حوجة له، لأن أمهم وقفت وبقت بـ 100 راجل، وأخدت لهم حقهم وخلت أبوهم يلف حوالين نفسه لحد ما داخ، وعرف إن منة اللي كانت بتسكت وتعدي، لما بتقوم.. بتاخد الأخضر واليابس.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *