الوجه الاخر للمرأه بقلم #ماياخالد حصري فقط صفحة روايات مايا خالد.
بقلم #ماياخالد حصري فقط صفحة روايات مايا خالد.
الوجه الآخر للمرآة بقلم مايا خالد
صوت ضربات القلب المنتظمة في جهاز المحاليل كان هو الحاجز الوحيد بين ليلى وبين السكوت اللي مالي الأوضة. فتحت عينيها، شافت السقف الأبيض بيقرب منها وكأنه هيخنقها. هي مش فاكرة اسمها إيه، ولا فاكرة مين اللي جابها هنا، بس في فكرة واحدة محفورة في عقلها زي الوشم: في راجل لازم يدفع التمن.
بعد أسبوعين، كانت ليلى واقفة قدام مراية قديمة في شقة “آمنة” تبع المديرية. إيديها كانت بتتحرك بسرعة غريبة وهي بتركب خزنة مس\دسها الـ Glock. أصابعها كانت حافظة ملمس الس\لاح أكتر ما عقلها فاكر ملامح وشها في المراية.
”آدم السيوفي.”
نطقت الاسم بمرارة. ده الاسم اللي لقيته مكتوب بخط إيدها في نوتة صغيرة كانت في جيب جاكتتها الغرقان دم وقت الحادثة. وجنب الاسم كانت كاتبة جملة واحدة: “أوعي تثقي فيه.. حتى لو كان هو الأمل الوحيد.”
الأضواء في ملهى “الأوركيد” كانت خافتة، وريحة الدخان والبرفانات الغالية مالية المكان. ليلى مكنتش هناك بصفتها “الزوجة” اللي فاقدة الذاكرة، كانت هناك بصفتها “المحققة” اللي بتطارد فريستها. كانت لابسة فستان أسود طويل، مدارية تحته جهاز تنصت وس\كينة صغيرة مربوطة على رجلها.
وشافته.
كان قاعد في ركن ضلمة، حواليه رجالة بجسم عريض وبدل سودة ملامحهم تقطع الخميرة من البيت. آدم. كان ماسك كاس في إيده، وعينيه الحادة بتراقب المكان بهدوء يخوف. أول ما عينيه جت في عينيها، متهزش. مهربش. بالعكس، ابتسم ابتسامة باهتة ورفع كاسه ليها وكأنه بيحييها على وصولها.
ليلى مشيت بثبات، والحراس وسعوا لها الطريق من غير ما تطلب، حاجة غريبة لاحظتها بس قررت تعديها. وقفت قدامه وسحبت كرسي وقعدت بمنتهى التحدي.
”آدم السيوفي. كنت فاكرة إن الوصول ليك أصعب من كده بكثير.”
قرب منها لدرجة إن ريحة عطره خلت قلبها يدق وجع، ريحة مألوفة لدرجة توجع: “إنتي طول عمرك بتعرفي توصلي لي يا ليلى.. حتى وانتي بتحاولي تهربي مني.”
”بلاش شغل الألغاز ده. الحادثة اللي حصلت لي.. والملفات اللي كانت معايا.. إنت اللي ورا كل ده.”
آدم ضحك ضحكة واطية، وحط الكاس على الترابيزة بقوة خلتها تتنفض من مكانها: “أنا اللي ورا الحادثة؟ يا ليلى، إنتي مش هنا عشان تقبضي عليا. إنتي هنا عشان وحشك ‘بيتك’. مسألتيش نفسك ليه ملفك الوظيفي مفيش فيه صورة واحدة ليكي مع أهلك؟ وليه لسه في علامة دبلة في صباعك الشمال، الحادثة معرفتش تمسحها؟”
بصت ليلى لإيدها بتوتر. هي مش لابسة دبلة، بس فعلاً في أثر أبيض حوالين صباعها، علامة لشيء كان موجود لسنين.
”أنا محققة جنائية، وإنت مجرم. دي الحقيقة الوحيدة اللي تهمني. مايا خالد
آدم همس في ودنها وهو بيقوم من مكانه: “طيب، فتشي في جيب شنطتك السري، اللي الشرطة مخدتش بالها منه. هتلاقي مفتاح لبيت في الجبل.. بيت ميعرفوش غير ‘المحققة’ و’المجرم’ اللي اتجوزته من أربع سنين.”
خرجت ليلى من الملهى وعقلها عبارة عن زحمة من الأسئلة. ركبت عربيتها وإيدها بتترعش وهي بتفتح السوستة الداخلية للشنطة. صوابعها لمست حاجة معدن سقعة.. سحبتها براحة فطلع في إيدها مفتاح قديم مربوط فيه شريطة ستان سودة ممسوحة، وعليها ريحة ياسمين خفيفة.
”معقولة يكون كلامه صح؟” همست لنفسها وهي بتبص للمفتاح بذهول.
ساعت بليل المتأخرة، كانت ليلى ماشية بالعربية في طريق جبلي مقطوع، الأضواء خافتة والضباب مالي المكان. وصلت قدام بيت خشبي دورين، منعزل تماماً وشكله هادي لدرجة تقلق. حطت المفتاح في الباب، والقلب كان بيدق في ودنها زي الطبلة.. الباب اتفتح بسلاسة وكأن المفتاح ده فعلاً صاحب البيت.
دخلت وبدأت تنور كشاف موبايلها. المكان كان مترتب جداً، مفيش تراب، وكأن في حد بيزوره باستمرار. مشيت لحد ما وصلت لأوضة نوم في الدور التاني. أول ما فتحت النور، رجلها مالت وشالتها الأرض من الصدمة.
الحيطان كانت مليانة صور.. بس مش صور مراقبة أو تحريات. صور ليها هي وآدم. صور وهما بيضحكوا على شط بحر، صور وهما بياكلوا في مطعم شعبي بسيط، وصورة كبيرة فوق السرير وهما لابسين لبس فرح.. هي بالفستان الأبيض وهو بيبص لها بنظرة حب عمري ما شافتها في عين مجرم.
فتحت درج الكومودينو، لقت جواب بخط إيدها هي، بتاريخ يوم الحادثة:
”آدم، أنا مابقتش عارفة أفرق بين واجبي كمحققة وبين قلبي اللي ملكك. النهاردة هسلم الملفات اللي تدينك، أو هحرقها وأهرب معاك. لو اخترت الطريق الغلط، سامحني.”
فجأة، سمعت صوت حركة وراها. لفت بسرعة وهي بتسحب مس\دسها، بس شافت خيال آدم واقف عند الباب، ساند بكتفه وسيجارته في إيده، وعينيه بتبص لها بحزن غريب.
”عرفتي ليه الحادثة حصلت يا ليلى؟” قالها آدم بصوت هادي ومجروح: “لأنك يومها مكنتيش بتهربي مني.. إنتي كنتي بتهربي من ‘زمايلك’ اللي عرفوا إنك مراتي، وقرروا يخلصوا منك ومني بطلقة واحدة.”
ليلى اتصدمت، الم\سدس بدأ ينزل من إيدها بالتدريج: “قصدك إن الشرطة هي اللي حاولت تقتلني؟”
آدم قرب منها خطوة بخطوة لحد ما بقى قدامها تماماً، مد إيده ولمس وشها بحنية: “إنتي كنتي بتدوري ورايا عشان تحميني من جوه الجهاز يا ليلى.. إنتي كنتي ‘عيني’ اللي بشوف بيها غدرهم. ودلوقتي، هما باعتينك عشان تخلصي المهمة اللي فشلوا فيها.”
ليلى كانت بتبص لعينه وبتحاول تلاقي فيها كدبة واحدة تتمسك بيها، بس ملامحه كانت ثابتة زي الصخر. سحبت إيدها من على وشها بحدة وهي بتحاول تستجمع قوتها: “إنت عايز تقنعني إن جهازي، الناس اللي بشتغل معاهم، هما اللي حاولوا يقتلوني؟ ليه؟ عشان محققة اتجوزت مجرم؟”
آدم ضحك بسخرية ورمى السيجارة من إيده: “لأ يا ليلى، مش عشان اتجوزتي مجرم.. عشان المحققة لقت ملفات بتثبت إن ‘المجرم’ ده مجرد واجهة لعمليات هما اللي بيديروها. إنتي مكنتيش بتهددي حياتي أنا، إنتي كنتي بتهددي كراسي ناس كبيرة في المديرية.”
فتح آدم درج سري في المكتبة وطلع منه “فلاشة” صغيرة وحطها قدامها: “دي النسخة اللي كنتي شايلة همها. الملفات دي فيها أسماء تقيلة، أسماء ناس إنتي بتديهم التحية الصبح، وهما اللي بيمضوا على ميزانية س\لاحك.”
ليلى أخدت الفلاشة بذهول، وفي اللحظة دي موبايلها رن. كان “اللواء حمدي”، رئيسها في الشغل والشخص اللي كان بيشرف على حالتها من ساعة ما فاقت.
آدم شاور لها بعينه تفتح الخط وتسكت.
حمدي: “ليلى؟ وصلي لإيه؟ عرفتي توصلي لمكان السيوفي؟”
ليلى: (بصوت مهزوز وهي بتبص لآدم) “لسه يا فندم.. المكان اللي المفتاح فتحه كان مجرد مخزن قديم وفاضي.”
حمدي: (نبرة صوته اتغيرت وبقت حادة) “ليلى، إنتي اتأخرتي أوي. لو معرفتيش تخلصي الموضوع الليلة، أنا هضطر أبعت قوة دعم تخلص المهمة بمعرفتها.. وإنتي عارفة ‘تخلص المهمة’ يعني إيه.”
قفل السكة في وشها. ليلى حست إن الأرض بتلف بيها. كلمة “تخلص المهمة” في قاموسهم معناها إن مفيش حد هيطلع عايش، لا آدم ولا هي.
آدم قرب منها ومسك كتافها بقوة: “سمعتي بنفسك؟ الدعم اللي باعتينه مش عشان يقبضوا عليا، دول جايين يمسحوا أي دليل يربطهم بيا.. والنهاردة الدليل ده هو ‘إحنا’.”
فجأة، صوت عربيات بدأت تقرب من البيت، وأضواء الكشافات بدأت تظهر من بعيد بين شجر الجبل. آدم سحب مس\دسه من ورا ضهره وفتحه يتأكد من الرصاص: “الظاهر إن سيادة اللواء مبيحبش يستنى كتير.”
بص لليلى ومد لها إيده: “دلوقتي مفيش وقت تفكري إنتي محققة ولا مراتي. دلوقتي إحنا اتنين ميتين لو مفضلناش سوا. هتختاري مين؟”ليلى بصت للفلاشة اللي في إيدها، وبعدين بصت لأضواء العربيات اللي بدأت تحاصر البيت. للحظة، شافت صورة فرحهم اللي على الحيطة، وشافت في عيون آدم خوف حقيقي عليها، مش خوف مجرم خايف من السجن.
سحبت أجزاء مس\دسها بصرامة وقالت بصوت ملوش راجع: “لو كان جهازي هو اللي خانني، يبقى أنا مابقيتش محققة من اللحظة دي.. أنا “ليلى السيوفي”، والظاهر إننا هنعلمهم يعني إيه غضب المافيا والشرطة لما يتجمعوا في إيد واحدة.”
آدم ابتسم ابتسامة عريضة، وسحبها من إيدها لورا ستارة تقيلة: “كنت عارف إن ليلى بتاعتي لسه جوه. اسمعي، البيت ده فيه ممر سري تحت المكتبة، بيوصل لمنحدر ورا الجبل. هما فاكرين إننا محبوسين هنا، هيدخلوا يضربوا نار على أي خيال، وإحنا هنكون وراهم.”
وفعلاً، بدأت الطلقات تخرم خشب البيت زي المطر. صوت تكسير القزاز كان مالي المكان. ليلى وآدم نزلوا السلم السري بسرعة، وكان الممر ضيق وريحته تراب، بس كان أمان.
وهما بيجروا في الممر، بدأت ليلى تفتكر لقطات سريعة.. خناقة قديمة بينها وبين آدم في نفس الممر.. صوت ضحكهم.. وصوتها وهي بتقوله: “لو يوم حد فكر يقرب من البيت ده، هحرقه باللي فيه.”
طلعوا من فتحة الممر ورا صخرة كبيرة بتطل على البيت. شافوا رجالة “حمدي” وهما بيقتحموا المكان بقلب ميت، واللواء حمدي نفسه واقف بعيد بيراقب العملية ببرود.
آدم رفع قناصته وثبتها على كتفه: “تحبي تخلصي عليه دلوقتي؟”
ليلى حطت إيدها على فوهة القناصة ونزلتها براحة: “لأ.. القتل ريحته بتفاوح بسرعة. إحنا هنخليه يشوف صورته وهي بتنهار قدام الكل. الفلاشة دي فيها فضايحهم، وأنا عارفة مين الصحفي اللي يقدر ينشر الكلام ده في ثانية.”
آدم بص لها بإعجاب: “ودروس المافيا اللي علمتها لك راحت فين؟”
ليلى غمزت له وهي بتتحرك في الضلمة تجاه عربية مركونة بعيد: “المافيا بتقتل الجسم، لكن الشرطة بتقتل السمعة.. وأنا ناوية أقتله بالاتنين.”
فجأة، وهما بيقربوا من العربية، ليلى وقفت مكانها ومسكت راسها بوجع رهيب. صورة الحادثة رجعت كاملة.. هي مكنتش بتهرب من حمدي وبس.. هي شافت حد تاني معاهم في العربية يومها.
بصت لآدم برعب وهمست: “آدم.. في حد تالت كان معانا في العربية يوم الحادثة.. حد أنا كنت واثقة فيه أكتر منك!”آدم وقف مكانه، ملامحه اتصلبت وعينيه ضيقت وهو بيبص لها بقلق: “ليلى؟ افتكرتي إيه؟”
ليلى كانت بتنهج وصوت نفسها عالي، الصور في عقلها كانت بتتحرك زي شريط سينما محروق: “المساعد بتاعي.. ‘ياسين’.. هو اللي كان سايق العربية يا آدم! أنا فاكرة إني كنت بصرخ فيه عشان يقف، وهو كان بيبص لي في المراية ببرود.. كان بيكلم حد في اللاسلكي وبيقوله: (الهدف جاهز للتصفية).”
آدم قبض على إيده بقوة لدرجة إن عروقه برزت: “ياسين؟ الكلب ده أنا اللي كنت دافع له فلوس عشان يحميكي من وراكي! كان بياخد مني مرتب عشان يبلغني بأي خطر بيقرب منك.”
ليلى ضحكت بسخرية وسط وجعها: “الظاهر إن اللواء حمدي بيدفع أكتر يا آدم. ياسين هو اللي سلمني، وهو اللي رمى العربية من فوق المنحدر ونط منها قبل ما تقع.”
في اللحظة دي، سمعوا صوت خطوات ورجلة ورق شجر ناشف وراهم. ليلى وآدم لفوا في نفس الوقت والأسلحة متوجهة لمصدر الصوت.
من ورا الشجر، طلع “ياسين” وهو شايل رشاش آلي، وعلى وشه ابتسامة صفرا مستفزة، ولابس السماعة بتاعته وكأنه لسه في مأمورية: “والله وذاكرتك رجعت يا سيادة المحققة.. بس للأسف رجعت في وقت غلط خالص.”
ياسين بص لآدم وقال: “كنت فاكر إنك أذكى من كده يا سيادة الزعيم. تدفع لي عشان أحمي مراتك؟ طب ما كان الأسهل تدفع لي عشان أخلصك منها ومن وجع الدماغ اللي هي مسببهولك في الشغل!”
آدم كان هيتحرك، بس ليلى حطت إيدها على صدره تمنعه، وخطت هي خطوة قدام وهي رافعة طبنجتها بمنتهى الثبات: “ياسين.. أنا اللي علمتك إزاي تمسك س\لاح، وأنا اللي علمتك إن المحقق الشاطر مبيسيبش وراه خيط يوصل له.. وإنت سبت خيط كبير أوي.”
ياسين ضحك: “خيط إيه يا ليلى؟ البيت بيتحرق، واللواء حمدي هيمسح المنطقة كلها، وإنتي وآدم هتبقوا مجرد جثتين لزعيم مافيا ومحققة خاينة.”
ليلى ابتسمت ببرود رعب آدم نفسه: “الخيط هو إنك غبي.. الجهاز اللي في إيدي ده مش بس عليه فلاشة، ده شغال ‘بث مباشر’ لصوتك وصورتك دلوقتي حالا على سيرفر المديرية العام، وعلى صفحة وزارة الداخلية الرسمية اللي أنا لسه مخترقاها بحسابي القديم قبل ما ننزل من الممر.”
ملامح ياسين اتهزت، وبدأ يبص حواليه برعب.
ليلى كملت وهي بتقرب منه: “كل كلمة قولتها عن اللواء حمدي، وعن التصفية، وعن الخيانة.. مصر كلها بتسمعها دلوقتي. إنت مش بس وقعت نفسك، إنت وقعت الرأس الكبيرة معاك.”
في ثانية واحدة، تحول المكان لساحة حرب.. صوت ضرب النار من ناحية البيت زاد، وصوت طيارات هليكوبتر بدأت تظهر في السماء. ياسين فقد أعصابه ورفع س\لاحه عشان يضرب، بس طلقة آدم كانت أسرع وسكنت في كتفه، وقع الس\لاح من إيده وهو بيصرخ.
آدم بص لليلى وقال: “يلا، الطيارات دي مش تبع حمدي، دي القوات الخاصة.. البث بتاعك جاب نتيجة أسرع مما كنت أتخيل.”
وهما بيجروا للناحية التانية من الجبل عشان يهربوا، ليلى بصت وراها وشافت اللواء حمدي وهو بيتحاصر من رجالته هو، اللي قبضوا عليه بعد ما الفضيحة بقت علني.
ركبوا عربية آدم اللي كانت مستنية ورا الجبل، وطاروا بيها بعيد عن الدخان والنار.
بعد ساعة، على طريق صحراوي هادي، آدم ركن العربية وبص لليلى اللي كانت بتنهج ومسندة راسها على الشباك.
آدم: “دلوقتي هتعملي إيه؟ ليلى المحققة رجعت، وليلى مراتي بقت عارفة كل حاجة.”
ليلى بصت له، ولأول مرة الوجع اللي في عينيها اختفى وحل محله نظرة هدوء غريبة: “المحققة ماتت في الحادثة يا آدم.. واللي رجعت دي واحدة عايزة تبدأ من جديد، بس بعيد عن المافيا وبعيد عن الشرطة.”
آدم مسك إيدها وباسها: “وأنا مستعد أحرق عالم المافيا كله عشان خاطر البداية دي.”ليلى فتحت التابلت اللي كان مع آدم في العربية، ووصلت الفلاشة وهي لسه بتنهج. كانت فاكرة إنها شافت كل حاجة، بس في ملف مشفر في زاوية الشاشة لفت انتباهها.. ملف ملوش اسم، بس متأمن بكود ميعرفوش غيرها.
صوابعها كتبت التاريخ اللي آدم قاله لها في الكباريه.. تاريخ جوازهم. الملف فتح.
آدم كان مركز في الطريق وهو بيسوق بسرعة، بس لاحظ إن ليلى سكتت تماماً، ووشها بقى أبيض زي الورق. مايا خالد
”ليلى؟ في إيه؟” سألها آدم بقلق وهو بيخطف نظرة على الشاشة.
ليلى مكنتش بترد، كانت بتبص على تقرير طبي قديم، وصور لتحويلات بنكية مهولة باسمها هي! تحويلات تمت قبل الحادثة بشهر واحد، والمصدر كان حسابات وهمية تابعة لمنظمة دولية، مش بس شغل مافيا محلي.
ليلى بصوت بيترعش: “آدم.. أنا مكنتش بحميك من حمدي.. أنا كنت ببتز حمدي.”
آدم هدى السرعة وبص لها بذهول: “بتقولي إيه؟”
ليلى كملت وهي بتقلب في الصور: “الصور دي.. أنا اللي مصوراها لياسين وهو بيستلم الفلوس، وأنا اللي كنت بضغط على اللواء حمدي عشان يمرر شحنات معينة.. أنا مكنتش المحققة الشريفة اللي وقعت في حب مجرم، أنا كنت ‘العقل المدبر’ اللي مسيطر على الكل!”
وقفت عند صورة معينة، كانت صورتها وهي قاعدة مع شخص ملامحه مش باينة في ضلمة، بس لابس خاتم مميز جداً.. نفس الخاتم اللي آدم لابسه في إيده دلوقتي.
ليلى بصت لآدم برعب: “إنت مكنتش خايف عليا يا آدم.. إنت كنت خايف مني. إنت كنت بتحاول ترجع لي الذاكرة بالنسخة اللي ‘إنت’ عايزها، النسخة اللي تخليك في نظري البطل اللي أنقذني، مش الشريك اللي أنا كنت بتمشى عليه بكلامي.”
آدم ركن العربية فجأة على جنب الطريق، السكون اللي بره كان مرعب. بص لها وعينيه كانت مليانة صراع: “ليلى، اللعبة كانت أكبر مننا الاتنين. إنتي كنتي مخلية الكل تحت ضرسك، وحادثة العربية دي كانت فرصتي الوحيدة إني أرجع ليلى اللي حبيتها، مش ليلى اللي السطلة والفلوس عمتها.”
ليلى ضحكت بهستيريا والدموع في عينيها: “يعني إنت استغليت إني فقدت الذاكرة عشان ترسم لي شخصية جديدة؟ عشان تخليني أصدق إني ضحية؟”
آدم قرب منها ومسك إيديها الاتنين بقوة: “أيوة! وعملت كده عشان أحميكي من نفسك قبل ما أحميكي منهم. ليلى، إنتي لو افتكرتي كل حاجة، هتعرفي إنك كنتي ناوية تسلميني أنا كمان عشان تخلصي من أي خيط يربطك بالماضي.”
فجأة، صوت جهاز اللاسلكي اللي مع آدم طلع منه صوت مشوش، وصوت ياسين (اللي هرب من القوات الخاصة بطريقة ما) وهو بيضحك: “برافو يا ليلى.. أخيراً عرفتي إنك كنتي الشيطان الكبير في القصة دي كلها. اللواء حمدي كان مجرد عسكري في رقعة الشطرنج بتاعتك.”
ليلى بصت للفلاشة، وبعدين بصت لآدم، وحست إنها ضايعة بين حقيقتين.. حقيقة إنها كانت مجرمة جبارة، وحقيقة إن الراجل اللي قدامها ده هو الوحيد اللي حبها لدرجة إنه “يخلق” لها حياة جديدة من العدم.
رمت الفلاشة من شباك العربية، وبصت لقدام: “دوس بنزين يا آدم.. وابعد عن هنا.”
آدم استغرب: “مش عايزة تعرفي الباقي؟”
ليلى ببرود: “الماضي اللي يخليني أخسر نفسي مرة ثانية مش عايزاه.. أنا هبني ليلى الجديدة، بس المرة دي بشروطي أنا، مش بشروطك ولا بشروطهم.”
آدم دور العربية وطار بيها في وسط الصحراء، بينما نار البيت اللي في الجبل كانت لسه بتنور السماء وراهم، وبتحرق معاها أسرار “المحققة” و”زوجة زعيم المافيا” للأبد.آدم داس بنزين والعربية نهشت الطريق الصحراوي بسرعة جنونية، وكأنهم بيهربوا من أرواحهم مش بس من الشرطة. ليلى كانت سانده راسها على الشباك، بتراقب النجوم وهي بتتحرك بسرعة، وبتحاول تستوعب إن الوش اللي كانت شايفاه في المراية طول الأسبوعين اللي فاتوا كان “كذبة” جميلة، والوش الحقيقي كان أقبح مما تتخيل.
فجأة، تليفون آدم اللي كان محطوط في النص نـور. رسالة مبعوتة من رقم مجهول:
”البث المباشر اللي عملتيه يا سيادة المحققة كان ذكي.. بس نسيتي إن ‘السيرفر’ بتاع المديرية أنا اللي بديره.”
ليلى خطفت التليفون، وفتحت الرسالة. كان مبعوت معاها لوكيشن (Location) حيّ، بيتحرك وراهم بمسافة مش بعيدة.
آدم بص للمراية اللي في النص، وشاف أضواء عربية “جيب” سودة بتظهر وتختفي ورا المنحنيات: “ياسين مش لوحده يا ليلى.. ياسين معاه القوة اللي كانت مخصصة لعملياتك السرية إنتي.. الرجالة اللي إنتي دربتيهم على إيدك عشان يكونوا أشباح.”
ليلى بصت لآدم وقالت بنبرة فيها حدة غريبة، حدة رجعت من “ليلى القديمة”: “ياسين غبي، فاكر إنه لما يدير السيرفر يبقى ملك اللعبة. هو نسي إني كنت حاطة ‘بوابة خلفية’ (Backdoor) في نظام المديرية كله.. مفيش حد يقدر يمسح حاجة أنا مش عايزة أمسحها.”
فتحت التابلت تاني، وبدأت صوابعها تتحرك بسرعة البرق على الكيبورد. آدم كان بيبص لها بذهول، شاف البنت الضعيفة اللي كانت بتعيط في المستشفى بتتحول لـ “جنرال” بيقود معركة من ورا شاشة.
ليلى: “آدم، ادخل في المدق اللي جاي ده، واطفي النور تماماً.”
آدم: “إنتي مجنونة؟ الطريق ده آخره جرف صخري!”
ليلى صرخت فيه: “اسمع الكلام يا آدم! ثق فيا لمرة واحدة زي ما أنا وثقت فيك!”
آدم كسر الدريكسيون ودخل في طريق ترابي ضلمة كحل، وطفا الأنوار. العربية الجيب اللي وراهم دخلت وراهم بسرعة، وياسين كان بيضرب نار عشوائي في الضلمة وهو بيضحك، فاكر إنه حاصرهم.
ليلى ضغطت على زرار “Enter” في التابلت وقالت ببرود: “باي باي يا ياسين.”
في لحظة، الموبايلات اللي مع ياسين ورجالته بدأت تصفر بصوت عالي جداً ومزعج، وبعدها بثانية واحدة، تنكات البنزين في عربيتهم “انفجرت” كأنها لغم.. ليلى كانت عارفة ثغرة في أنظمة التحكم الذكي في العربيات الجديدة اللي هي نفسها طلبتها للمديرية، وقدرت تبعت أمر برفع ضغط الطلمبة لدرجة الانفجار.
انفجار هز الأرض، ونار نورت الصحراء كلها. آدم وقف العربية وبص وراه بذهول وهو شايف العربية الجيب بتتحول لكتلة لهب.
ليلى قفلت التابلت بهدوء، وبصت لآدم: “دلوقتي بس، الماضي اتحرق فعلاً.”
آدم سكت شوية، وبعدين سألها: “دلوقتي إحنا مين؟”..
ليلى بصت له وابتسمت ابتسامة غامضة، ولمست الخاتم اللي في إيده: “إحنا اتنين ميتين في ورق الحكومة.. ومجرمين في ورق القانون.. بس أحرار لأول مرة في حياتنا. سوق يا آدم، سوق لحد ما الطريق يخلص.”
آدم دور العربية وتحركوا في هدوء تام، والمرة دي، مكنش في أي “فلاش باك” ولا أي صور بتطاردها.. الذاكرة اللي هي اختارتها هي اللي كملت بيها الطريق.
تمت
مايا خالد


