في قلب الفرح حكايات رولا

في قلب فرح فخم في التجمع، خطيبي المليونير رمى ورقة بمتين جنيه على الأرض عشان أمي توطي تجيبها. “اعتبريها بقشيش يا حماتي”، قالها وهو بيضحك. عيلته كلها قعدت تضحك وسموا جوازنا “مشروع خير عملناه”. كانوا فاكرين إن عروسة غلبانة وميتة عليا… لحد ما مسكت الميكروفون وبصيت للرجالة المتنكرين اللي واقفين عند الباب.
​— وطّي هاتيها يا حماتي، اعتبريها أول بقشيش تاخديه من العيلة دي.
​الورقة أبو متين جنيه وقعت على السجادة البيضا في القاعة كأنها مفيش ليها وزن. بس بالنسبة لأمي، اللي كانت بتوطي تجيب شوكة وقعت من إيدها اللي بترتعش، الصوت كان زي قلم نازل على وشها قدام أربعمية عزوم.
​كنت قاعدة على الكوشة، بلبس الفستان الأبيض ومسكة الورد في إيدي، وابتسامة متجمدة على وشي مابقتش حاسة بيها.
​الفرح كان في فندق خمس نجوم في التجمع الخامس، نجف ألماظ، كاسات بلور، والفرقة مستنية دورها، وعيلة طول الليل بتفكرني بكل شياكة وضحكة غالية إني ماليش مكان وسطهم.
​خطيبي، شريف العريان، وريث سلسلة محلات وشركات مقاولات كبيرة، كان لسه بيضحك على أمي.
​وماكانش بيضحك لوحده.
​أمه، طنط بstream (فريدة هانم)، طلعت ضحكة شيك من اللي بتتمرن عليها قدام المراية. خالاته غطوا بقهم بالمناديل. وحسني وابن عمه رفعوا الكاسات كأن إهانة ست شقيانة جزء من الفقرة الترفيهية بتاعة الليلة.
​أمي، هدى، ماطلعتش بكلمة.
​كان عندها ستين سنة، إيدها متشرحة من الإبر والمكوة وسنين من تفصيل الفساتين للناس لحد وش الفجر. هي اللي صغرت وضبطت فستانها الأزرق بنفسها عشان فرحي. عملته بصبر يوجع القلب، غرزة غرزة، كأنها لسه مصدقة إن الجوازة دي هتفتحي باب حياة أحسن.
​وأنا كمان كنت مصدقة.
​لحد الليلة دي.
​كل حاجة بدأت قبل الشربات. شريف كان عدّالي دوسيه جلد من تحت الترابيزة.
​— دي شكليات يا حبيبتي —همسلي وهو بيقرب قلم دهب—. بابا بيقول كل عرايس العريان بيمضوا على حاجة صورية كده. عشان نترتب أملاكنا ونحمي الاستثمارات، الشغل الروتين الرخو ده.
​أنا مش محامية، بس أنا مراجعة حسابات شرعية ومحاسبة جنائية.
​وطول عمري شغلي إني أطلع الفلوس المستخبية في الحتت اللي الأغنية فاكرين محدش بيبص عليها: شركات وهمية، فواتير مضروبة، وقروض متكررة.
​فتحت الدوسيه وقريت ثلاث سطور.
​وكانوا كفاية.
​الورق ده ماكانش شكليات. ده كان فخ. كانوا عايزين ياخدوا العمارة والمحلات الصغيرة اللي أمي طلعت عينها عشرين سنة عشان تجمعهم وتأجرهم، ويحطوهم ضمان عشان يغطوا بيه الديون الغرقانة بتاعة إمبراطورية العريان.
​شريف ماكانش عايز يتجوزني.
​كان عايز يتجوز فلوس أمي.
​قفلت الدوسيه بهدوء.
​— هقراه بعد التورتة —قلتله.
​ابتسامته نشفت ثانية واحدة.
​وبعدها فريدة هانم مسكت الميكروفون.
​— معازيمنا الأعزاء —قالت وهي بتبص للشاشات العرض الكبيرة—، قبل ما نرفع الكاسات، نحب نشارككم حاجة خاصة جداً عن العروسة.
​الصور الرومانسية اللي كنا مجهزينها اختفت.
​وكان بدالها صورة قديمة للبيت البسيط اللي اتولدت فيه في شبرا. وبعدها، أوضة الخياطة بتاعة أمي. وبعدين صورة متكبرة ليها وهي بتبيع قماش وتصلح هدوم في سوق الجمعة.
​الناس بدأت تتوشوش.
​فريدة هانم ابتسمت.
​— لما شريف عرفنا على ندى، بصراحة اتفاجئنا. بنت من وسط بسيط أوي تدخلي عيلة زي عيلتنا… بس يلا، مصر لسه فيها قصص كفاح جميلة، مش كده؟
​الضحك بدأ خفيف.
​وبعدين زاد.
​— الجوازة دي —كملت— هي من غير شك أكبر عمل خيري عملناه السنة دي.
​أمي وطّت راسها لأول مرة.
​وأنا حسيت بحاجة جوايا بتتكسر فجأة في سکوت.
​شريف مادافعش عنها. بالعكس، مسك كاسه ومال لورا وهو مستمتع.
​وفي اللحظة دي، الشوكة وقعت.
​أمي وطّت تجيبها.
​وشريف رمى المتين جنيه على الأرض.
​— سبيها يا طنط هدى، خلاص بقى مش هتحتاجي تنضفي وتخيطي تاني لو ندى اتعلمت تبقي من عيلة العريان.
​القاعة كلها انفجرت ضحك.
​الضحكة دي كانت آخر حاجة سمحتلهم ياخدوها.
​قمت بالراحة.
​شريف مسك إيدي من المعصم.
​— رايحة فين؟
​بصيتله من غير ما أرمش.
​— رايحة أشكرهم على الهدية.
​مشيت ناحية الميكروفون وأمي لسه واقفة جنب الورقة بقلب مكسور وعين مليانة خجل مش بتاعها.
​مسكت الميكروفون.
​فريدة هانم ابتسمت بقرف.
​— اتفضلي يا حبيبتي، يمكن تحبي تشكرينا إننا طلعناكي من اللي كنتي فيه.
​بصيت على المعازيم. وبعدين بصيت ناحية الباب، حيث كان في ثلاثة من أفراد الأمن واقفين ببدل سودا ساكنين تماماً.
​ماكانوش أمن الفندق.
​أخدت نفس عميق وابتسمت.
​— شكراً إنكم فكرتوني قدام الكل، بجد، أنتوا مين بالظبط.
​ودوست على زرار في تليفوني.
​الشاشات اتطفت.
​ولما نورت تاني، ماكانتش عارضة بيتنا القديم في شبرا.
​كانت عارضة الحسابات السرية، والشركات الأوفشور، وفواتير التهرب الضريبي بتاع عيلة العريان!
الجزء الثاني:
​السكوت نزل على القاعة بسرعة لدرجة إن الفرقة نسيت تظبط آلاتها.
​على الشاشات الكبيرة ظهر رسم بياني مليان أسامي شركات وهمية، أسهم حمرا، حسابات بنكية، وتحويلات متقاطعة. الضحكة اتنطرت من وش المعازيم. حسني وابن عمه حطوا الكاسات على الترابيزة ببطء. وأبوه، الأستاذ محمود العريان، قام من مكانه ببطء شديد كأنه كبر عشر سنين في ثانية واحدة.
​— انزلي الحاجات دي فوراً! —صرخ وهو بيؤمرني.
​مسكت الميكروفون وثبت إيدي.
​— على مدار السبع شهور اللي فاتوا، أنا أشرفت على مراجعة حسابات مستقلة لمجموعة العريان لحساب واحد من أكبر البنوك الدائنة ليكم. ولما شريف طلب يتجوزني، انسحبت من القرار النهائي عشان تعارض المصالح… بس عمر ما وقفت إني أبلغ عن الجرايم المالية دي.
​شريف طلع على الاستيج وشة أبيض زي الملاية.
​— ندى، يا حبيبتي، بلاش الهبل ده. أنتِ فاهمة غلط!
​— لا —رديت بثبات—. أنا كنت فاهمة غلط لما افتكرت إنك بني أدم بجد ومختلف عنهم.
​لمست شاشة الموبايل، وظهرت ورقة عليها أرقام بـ الأورانج الفاقع.
​— مجموعة العريان أعلنت عن أصول وممتلكات وهمية ومتضخمة بمليار وأربعمية مليون جنيه. استخدموا نفس العمارات والمحلات كضمان في 3 قروض مختلفة من بنوك مختلفة. خفوا ديون ضريبية بالهبل. وحولوا فلوس من مكافآت نهاية الخدمة وتأمينات العمال عشان يشتروا بيها عربيات، وسفريات، واشتراكات نوادي، وفرحكم الفخم ده.
​فريدة هانم أخدت نفسها بالعافية وزغدت ابنها.
​محمود بيه ضرب الترابيزة بإيده:
— أمن! يا أمن القاعة!
​الرجالة اللي ببدل سودا تحركوا كلهم في وقت واحد.
​شريف ابتسم، افتكر إنهم جايين يأخدوني أنا ويرموني برة.
​بس الرجالة كملوا مشي لنص القاعة. واحد منهم طلع كارنيه ورتبة.
​— الأموال العامة ومباحث التهرب الضريبي. مفيش مخلوق هيخرج من القاعة دي!
​الصوت اللي حصل بعد كده كان زي خليه نمل اتقرعت!
​المعازيم بدأوا يمسكوا تليفوناتهم بهستيريا. ناس بتحاول تقوم وتجري. وناس بدأت تحلف إنها متعرّفش عيلة العريان أساساً، رغم إنهم من خمس دقايق كانوا بيرفعوا الكاسات وبيدعولهم!
​شريف مسك إيدي بجنون:
— أنتِ خططتي لكل ده!
​— أنا خططت أتتجوزك وعيش معاك —قلتله بصوت واطي—. الباقي أنتوا اللي عملتوه بفسادكم.
​عرّق وبدأ يهز راسه بنفي:
— أنا مكنتش اعرف حاجة عن شغل بابا!
​— أنا برضه حاولت أصدق كده.
​غيرت الصورة على الشاشة.
​ظهرت موافقة تحويل بنكي ممضية إلكترونياً بإمضاء شريف شخصياً.
​— 27 مليون جنيه اتحولوا من أسبوعين بس من صندوق معاشات الموظفين لحساب خاص.
​محمود بيه لف لابنه وعيونه شرار:
— أنت مش قلتلي الفلوس دي عشان نغطي الماهيات والسيطرة؟!
​شريف الوش المزيف بتاعه وقع:
— أنت اللي قلتلي محدش هيفحص ولا هيدور ورايا!
​القاعة كلها كانت بتسمع فضيحتهم بصوت حي.
​بس التقيلة لسه مأجتش.
​— الفلوس مفيش قرش منها راح للموظفين —قلت ببرود—. الفلوس راحت لشركة اسمها “بروما كابيتال”.
​الشاشة عرضت السجل التجاري للشركة.
​— وصاحبة الشركة واضحة هنا.
​شاورت صباعي على الترابيزة التانية.
​داليا، أختي وصاحبتي و “الإكليل” أو الإشبينة بتاعتي، اتجمدت مكانها.
​البنت اللي كانت بتساعدني أنقي الفستان. اللي عيطت معايا في البروفات. اللي كانت بتقولي يا أختي.
​داليا حطت إيدها على بقها بصدمة.
​وشريف بصلها ووطى راسه.
​مكانش محتاج يتقال كلام تاني… الخيانة كانت ماشية في القاعة بتتمشى بين الناس.
​أمي كانت لسه قاعد ساكتة خالص، والورقة المتين جنيه لسه مرمية عند رجليها.
​هنا، محمود بيه عمل الحيلة الوحيدة اللي بيعرف يعملها الأغنية لما يتحشروا في زاوية: يدور على أضعف حد يدوس عليه.
​قرب من أمي، وهو بيتفادى رجال الشرطة.
​— أنتِ! —قالها بقرَف—. أنتِ كبرتي البت دي وعلمتيها إزاي تخرب بيتنا وتدمر عيلتنا!
​أمي رفعت عينها وبصلته بمنتهى الثبات:
— لا… أنا كبرتها وعلمتها تقرا الورق كويس قبل ما تمضي.
​همهمة خفيفة مشيت بين العزوم.
​محمود بيه اتعصب ووطى عليها بتهديد:
— بكرة الصبح، بكرة الصبح بدري هكلم صاحب المشغل الحقير اللي بتخيطي فيه ورش لكي القماش… وهخليكي تشلحي في الشارع. لا ورشة، ولا زباين، ولا أكل عيش!
​أمي ماردتش عليه في ساعتها.
​فتحت شنطتها الجلد القديمة، الشنطة البني المتقشرة من الإيدين اللي شايلاها بقالها سنين.
​أنا حافظة أمي كويس.
​لما أمي تفتح الشنطة دي بالهدوء ده… يبقى فيه حد على وشك إنه يخسر معركة مكانش يعرف أصلاً إنها بدأت!
​طلعت ظرف أصفر كبير وتقيل.
​وقفت على حيلها.
​ولأول مرة الليلة دي كلها… محمود العريان رجع خطوة لورا بخوف.
الجزء الثالث والأخير:
​أمي مسكت الظرف الأصفر، وبصت لمحمود العريان من فوق لتحت بمنتهى الشموخ، نفس البصة اللي كان هو وعيلته بيبصوهالنا طول السهرة.
​— صاحب العمارة اللي فيها المشغل، والمبنى اللي جنبها، والمحلات اللي قصادك في شارع التسعين؟ —أمي قالتها بصوت هادي أوي بس سمع القاعة كلها—. مش محتاج تستنى لبكرة الصبح عشان تقتله يا محمود بيه… هو واقف قدامك أهو.
​القاعة كلها شهقت.
​فريدة هانم مسكت قلبها، وشريف عينه وسعت كأنه شاف عفريت.
​أمي فتحت الظرف وطلعت منه عقود مسجلة بالشهر العقاري وبصمات وإيصالات سداد.
​— العمارة دي أنا اشتريت الأرض بتاعتها من أربعين سنة بقرشين شقايا، وكل ما كان بيجيلي قرش من خياطة فساتين هوانم زي مراتك، كنت بشتري بيه محل أو شقة. أنا كبرت ندى من عرق إيدي، ومكنتش محتاجة فلوسكم ولا نسبكم. لما ندى قالتلي إنها هترتبط بابنك، أنا كنت جايبة عقود البيع والشراء أكتبلها العمارة دي مهر وهدية جوازها… عشان تبقى داخلة بيتكوا ورأسها مرفوعة ومحدش يستقل بيها!
​أمي بصت للورقة المتين جنيه اللي على الأرض، ووطت جابتها بمنتهى الهدوء. طبقتها نصين، وقربت من محمود العريان وحطتها في جيب جاكيتته.
​— المتين جنيه دي خاليها معاك يا محمود بيه… أنت وعيلتك هتحتاجوها أوي الفترة الجاية عشان تدفعوا بيها كفالة ولا تلاقوا تاكلوا بيها عيش وحلاوة في السجن.
​في اللحظة دي، الضابط دخل وقيد إيدين محمود العريان وشريف بالكلابشات.
​شريف كان بيعيط وهو بيتجر:
— ندى! ارجوكي! كلمي البنك، قولي أي حاجة! أنا بحبك والله!
​بصيتله وقلتله بصوت ثلج:
— اللي بيحب حد ما بيحاولش يسرقه، ولا بيسيب أهله يهينوا أمه. أنت مش بس خسرت فلوسك ورجولتك… أنت خسرت المستقبل كله.
​داليا كانت بتحاول تتسلل وتخرج من القاعة برجلها، بس العسكري وقفها وحط الكلابشات في إيدها هي كمان بتهمة الاشتراك في غسيل الأموال واختلاس أموال الشركة.
​فريدة هانم وقعت على الكرسي وهي بتصرخ وتولول بعد ما المظاهر الكدابة بتاعتهم كلها أتقشرت في ثواني قدام أربعمية واحد من كبار رجال الأعمال والبلد.
​أمي مسكت إيدي، وبصتلي بابتسامة فخر أخدت كل الوجع اللي كان في قلبي.
​— يلا يا ندى… الفستان ده خسارة في القاعة دي، والطرحة دي تطير في مكان أنضف.
​قلعت الطرحة ورميتها على الكوشة الفاضية. ومشيت أنا وأمي جنب بعض، خطوة بخطوة، ورأسنا مرفوعة للسما.
​عدينا من وسط أفراد الشرطة والمعازيم اللي كانوا واقفين مشدوهين ومش مصدقين. خرجنا من الفندق الفخم في التجمع، والهوا البارد ضرب وشنا.
​أمي بصتلي وضحكت ضحكة صافية من قلبها:
— أقولك على حاجة يا ندى؟
— قولي يا أمي.
— الفستان الأزرق اللي أنا فصلته لنفسي ده… طالع عليا أحلى بكتير من كل الماركات اللي كانوا لابسينها!
​مسكت إيدها وجزيت عليها وأنا ببتسم:
— أنتِ أحلى وأجدع ست في الدنيا يا أمي… ويلا بينا، العشا الليلة دي على حسابي أنا!
​وهناك، عند باب الفندق، ركبنا عربيتنا ومشينا، وسبنا إمبراطورية “العريان” بتنهار وراينا حتة حتة، كرتونة ورا كرتونة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *